لم يكن عام 2013 أفضل من الأعوام التي سبقته على القضية الفلسطينية، فقد كان عاماً دموياً على الصُعد كافة، إذ توالت فيه قوافل الشهداء والجرحى، وتصاعدت الاعتقالات، وأطلقت إسرائيل العنان لشبقها الاستيطاني فنهبت المزيد من الأرض الفلسطينية لصالح المستوطنات، وسرّعت وتيرة تهويد المدينة المقدسة.

أما الحدث الأبرز فكان إعادة إطلاق المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، برعاية أميركية بعد توقف دام ثلاث سنوات، مع تناسي أمر المصالحة الداخلية بين حركتي فتح وحماس لطي ملف الانقسام الدامي بين شطري الوطن.

 ما إن تسلّم وزير الخارجية الأميركي جون كيري زمام وزارته، حتى أوعزت له إدارة الرئيس باراك أوباما بالعمل على ملف الشرق الأوسط، وتحديداً إعادة إطلاق المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، مع تخلي واشنطن عن تخصيص مبعوث خاص إلى الشرق الأوسط كما جرت العادة في السنوات الماضية، وأوكلت المهمة لوزير الخارجية كيري نفسه مباشرة، ..

حيث أخذ الرجل على عاتقه إعادة إحياء المفاوضات، من خلال جولات مكوكية إلى المنطقة نجحت في إعادة إطلاق المفاوضات بين السلطة وإسرائيل في أغسطس الماضي، مع الاتفاق على إبقاء ما يدور داخلها بعيداً عن وسائل الإعلام، وذلك بعد تخلي السلطة عن شروطها في وقف الاستيطان وإطلاق الأسرى وتحديد الأراضي المحتلّة عام 1967، كمرجعية قبل الدخول في أي مفاوضات.

ورغم مرور أكثر من خمسة شهور على عملية التفاوض، إلا أنها إلى الآن لم تحرز أي تقدّم أو اختراق، وغطت إسرائيل على الفشل بإطلاق دفعات من أسرى ما قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، لن يتجاوزوا بعد إتمام إطلاق الدفعة الرابعة والأخيرة، أكثر من 104 أسرى، حيث تم الاتفاق بشأنهم قبل انطلاق جولات التفاوض.

وإثر انطلاق قطار المفاوضات الذي يصل محطته الأخيرة في مايو المقبل، جمدت السلطة الفلسطينية ما كانت تلوّح به من انضمام دولة فلسطين، التي نالت الاعتراف الأممي، إلى العديد من المنظمات الدولية، وخصوصاً محكمة الجنايات الدولية التي يمكن من خلالها ملاحقة إسرائيل على مجازرها الدموية في قطاع غزة والضفة الغربية.

الاستيطان

وشهد العام 2013 جنوناً استيطانياً لم تشهد مثله الأراضي المحتلة من قبل، حيث استولت إسرائيل على آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية..

كما أطلقت مشاريع استيطانية ضخمة وتوسعات للمستوطنات القائمة بعشرات آلاف الوحدات الاستيطانية، تركز معظمها في القدس المحتلّة ومحيطها على وجه الخصوص، في مسعى لتفويت الفرصة على أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، خاصة مع إعلانها إطلاق البناء في منطقة «إي 1»، ما يعني فصلاً كاملاً لشمال الضفة الغربية ووسطها عن جنوبها، وتراجعها لاحقاً عن ذلك بعد إدانات غربية أوروبية.

وعلى الجانب الفلسطيني برز شكل جديد من أشكال المقاومة الشعبية، تمثل في إقامة «قرى» من الخيام في الأماكن التي يتهددها التهويد، وأولها كان قرية «باب الشمس» التي أقيمت في منطقة «إي 1»، قبل أن تقتلعها سلطات الاحتلال وتعتقل القائمين عليها.

تدنيس وتهويد القدس

وكان من أبرز أحداث العام الماضي، التدنيس الذي بات يطال المسجد الأقصى بشكل يومي، وأصبح روتيناً يومياً يمارسه عتاة التطرّف من المستوطنين، عبر جولات استفزازية في ساحاته بحماية جنود الاحتلال، والاعتداء على المصلين وطلبة مصاطب العلم، مع تأدية صلوات تلمودية في ساحات المسجد.

وبرز قانون إسرائيلي جديد ناقشه الكنيست الصهيوني، لتقسيم المسجد مكانياً وزمانياً بين المسلمين واليهود، في مقدمة لسيطرة إسرائيلية كاملة عليه، مثلما حدث في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.

أما في المدينة بشكل عام، فقد واصل الاحتلال تهويدها وإفراغها من الفلسطينيين، ضمن حملة مستمرة من هدم المنازل بمزاعم عدة، ونزع هويات المقدسيين وطردهم من بيوتهم، وتسهيل الاستيلاء عليها من قبل المستوطنين.

«جباية الثمن»

وواصل الاحتلال الإسرائيلي سياساته الدموية تجاه الفلسطينيين؛ من قتل وتشريد واعتقالات وتضييق، حيث تصاعد الاستهداف الصهيوني للفلسطينيين في الضفة الغربية على وجه الخصوص، ما أدى إلى سقوط العديد من الشهداء بوتيرة لم تشهدها الضفة منذ سنوات، إضافة إلى سقوط ثلاثة شهداء من الحركة الأسيرة، هم: ميسرة أبو حمدية، وعرفات جرادات، وحسن الترابي.

هذه الأحداث أدت إلى تفجر مواجهات ساخنة في مختلف المناطق الفلسطينية، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الانتفاضة الأولى «انتفاضة الحجارة»، التي فجرها الشعب الفلسطيني عام 1987، ولم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ما دفع الكثير من المراقبين إلى الحديث عن توفّر أجواء تفجّر انتفاضة جديدة.

كما شكلت اعتداءات «جباية الثمن» التي انتهجها المستوطنون الإرهابيون ضد الفلسطينيين العزّل، أبرز الأحداث خلال العام المنصرم، حيث مارس المستوطنون عربدتهم على القرى والمدن والتجمعات الفلسطينية، بحرق المساجد والكنائس والمركبات والمنازل والمحاصيل الزراعية وكروم الزيتون، وملاحقة المزارعين والرعاة والاعتداء عليهم، وذلك في حماية قوات الاحتلال، ثم تتبع السلطات الإسرائيلية ذلك بإجراءات شكلية من خلال فتح تحقيقات في الاعتداءات، من دون أن يسفر ذلك عن توقيف أي من المعتدين.

تعمّق الانقسام

شهد ملف المصالحة الفلسطينية حراكاً على طريقة تنفيذه، وصولاً إلى اتفاق القاهرة الذي قضى بتشكيل حكومة كفاءات وطنية برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تعقبه انتخابات فلسطينية عامة. لكن أياً من طرفي الانقسام، حركتي فتح وحماس، لم يلتزم بتطبيق بنود الاتفاق، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها الساحة العربية، وتعويل كل طرف على حصول تغيير ما لصالحه.

وهكذا بات الاتفاق حبراً على ورق، وتصاعد التراشق الإعلامي بين الطرفين وتحميل كل طرف مسؤولية الفشل للآخر، ما أعاد ملف المصالحة إلى خانة الصفر.

وإثر تعليق ملف المصالحة ووضعه في الأدراج، قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإقالة حكومة سلام فياض، الذي رأس الحكومات الفلسطينية على مدى ثماني سنوات، وتم تكليف الأكاديمي رامي الحمد الله بتشكيل الحكومة الجديدة. وإثر تداخل الصلاحيات، قام الحمد الله، بعد أقل من شهر على تشكيل حكومته، بتقديم استقالته، قبل أن يعود عنها بعد لقاء مع عباس وُضِعَت خلاله النقاط على الحروف.

وفي ضوء حصاد العام 2013، لا يجد الكثير من الفلسطينيين ما يشير إلى أن العام الجديد يحمل أية بشائر إيجابية، ويرى العديد منهم أن العام 2014 قد يكون أسوأ للقضية الفلسطينية، لعدم وجود آفاق سياسية حقيقية، واستفراد إسرائيل بالفلسطينيين، وتفرّد الإدارة الأميركية في رعاية مفاوضات غير متوازنة الطرفين.