«الشرعية».. كلمة السر التي كان لها النصيب الأكبر من الجدل في الساحة السياسية المصرية، في العام 2013 الذي غربت شمسه، فما بين "الشرعية الدستورية" التي هي "شرعية ابتداء" أي "غير مُطلقة"..
والتي كفلتها الانتخابات الرئاسية للرئيس المعزول محمد مرسي، وما بين "الشرعية الدائمة" التي تمثلها "شرعية الشعب المصري"، والتي تجلت في أبهى صورها "الثورية" في منتصف العام المنقضي، شهدت مصر العديد من التطورات الحاسمة والخطيرة، التي أنهت أسطورة "الجماعة التي لا تُقهر"!
«البيان» ترصد في هذا التقرير "بانوراما مصرية في العام 2013"، وهو العام الذي بدأ و"جُرح ديسمبر 2012" لم يندمل بعد، وهو الشهر الذي شهد إحدى أبرز موجات الغضب ضد الرئيس المعزول (الذي تولى رئاسة مصر بدءًا من يوليو 2012)، وهي الموجة التي جاءت نتاج الإعلان الدستوري الذي أصدره مُحصنًا فيه قراراته، فانتفض الشعب؛ خشية ميلاد "ديكتاتور جديد" يمضي باسم "الدين"، فاعتصموا أمام قصر "الاتحادية".
وفي 5 ديسمبر فتحت قيادات الجماعة المحظورة "أقفاص" كوادرها المُروضة وميليشياتها، لتنقض على المعتصمين وتفض اعتصامهم بالقوة، قبل أن يتم الاستفتاء على الدستور "الإخواني" الذي عمّق الغضب الشعبي ضد السلطة.
زرع أزماتٍ
وبدأ العام 2013 والرأي العام "يغلي" ضد المعزول وجماعته، وفي 24 يناير وقعت اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، قبل يومٍ واحد فقط من الذكرى الأولى لثورة 25 يناير 2011، وهي الاشتباكات التي راح ضحيتها نحو 60 شخصًا على مدار أسبوع كامل من بدايتها.
وواصل الرئيس المعزول وجماعته ورئيس حكومته الدكتور هشام قنديل آنذاك، أخطاءهم وتجاهلهم للمطالب الشعبية، في الوقت الذي أضيف لمُسلسل "الدماء" المزيد من الضحايا، منهم ضحايا العنف الطائفي في محافظة القليوبية، تبعتها اشتباكات دامية أثناء تشييع جنازة القتلى الأقباط، وكلها أمورٌ تناغمت مع رفض شعبي للسلطة الإخوانية التي بدت مُتعجلة في "تمكين" عناصرها.
ووسط ضغط شعبي هائل، ورفض لحكومة قنديل، أجرى مرسي في 7 مايو تعديلاً وزاريًا، لم يلب طموحات الشارع والمعارضة، ما عزز عوامل الصدام بين الطرفين. وبعد تلك التطورات، ومع مرور نحو 11 شهرًا على وجود مرسي في السلطة، أدرك المصريون أن بقاء المعزول في سدة الحكم "أمرٌ مُستحيل"، فكان يونيو شهرًا فاصلاً، قامت في نهايته ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان.
جنيُ ثورة
بدأ يونيو بقرارٍ حاسم من المحكمة الدستورية، بعدم دستورية مجلس الشورى، وهو القرار الذي ناهضه المعزول، مؤكدًا على بقاء المجلس لممارسة مهام التشريع، حتى إجراء الانتخابات البرلمانية.
ثم جاءت بعد ذلك إحدى الحلقات الفاصلة التي كتبت نهاية مُرسي وجماعته، وهي قراره بقطع العلاقات المصرية مع النظام السوري، في مؤتمرٍ في استاد القاهرة، بعث خلاله مرسي برسالة واضحة بأنه يحتمي بـ"أهله وعشيرته" من غضبة الشارع المصري، الذي عدّ ذلك المؤتمر على أنه "إحدى حلقات العد التنازلي لنهاية مرسي"..
وقد أدرك الإسلاميون ذلك، فنزلوا جميعًا في 21 يونيو مُعلنين تأييد مرسي، ثم كان الظهور الأول للجيش، إذ حذّر وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي (في 23 يونيو)، من تدخل الجيش إذا حدث اقتتال داخلي.
واستشعر المصريون أن القوات المسلحة تحميهم من تغول الإخوان، فواصلوا الحشد إلى تظاهرات في 30 يونيو، وهو اليوم الذي شهد مشاركة الملايين، في الوقت الذي وقعت فيه اشتباكات دامية بين مؤيدي المعزول ومعارضيه، أمام مكتب إرشاد جماعة الإخوان في المقطم، ما دفع الجيش لإلقاء بيانٍ في اليوم التالي (أول يوليو) يُمهل القوى السياسية 48 ساعة..
وأنه في حال لم تتحقق مطالب الشعب خلال هذه المدة، فإن الجيش سوف يعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات يشرف على تنفيذها، وسط مطالب شعبية للرئيس مرسي بالإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مُبكرة، تحسم الموقف وتغلق "نافورة الدماء" التي أغرقت مصر، وانضم إلى تلك المطالب حزب النور السلفي، و5 وزراء قدّموا استقالتهم من الحكومة تضامنًا مع الشعب المصري..
كما قدم 30 عضوًا في مجلس الشورى استقالاتهم، وأعلنت وزارة الداخلية تضامنها مع بيان الجيش، في الوقت الذي أعلن مرسي فيه بعد ذلك تمسكه بـ"الشرعية"، وهي الكلمة التي كررها عشرات المرات في آخر خطاب له.
وفي 3 يوليو، وبعد انقضاء مهلة القوات المسلحة، أصدر الجيش بيانًا بخارطة طريق، تم الاتفاق عليها مع ممثلين من القوى السياسية والثورية والكنيسة، ضمنت عزل مرسي، وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور منصب "الرئيس المؤقت" لحين وضع الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ذلك (على الترتيب).
ما بعد السقوط
وبعد سقوط الإخوان توالت قرارات منع القيادات من السفر، وضبطهم وإحضارهم على خلفية الأحداث التي شهدتها مصر طيلة العام الأول لمرسي في الحكم، في الوقت الذي انتشر فيه أنصار المعزول، منادين بالشرعية ومستنكرين بيان الجيش، ثم اعتصموا في منطقتي "رابعة العدوية" وميدان "النهضة"، قبل أن يسقط في 8 يوليو 57 قتيلًا و480 جريحًا، خلال تجمع لأنصار مرسي أمام دار الحرس الجمهوري، في الوقت الذي يواصل فيه الإخوان التحريض ضد السلطات المصرية ومخاطبة القوى الدولية للتدخل في الشأن المصري.
وشهد شهر يوليو العديد من الأحداث، في مقدمتها إصدار الإعلان الدستوري (9 يوليو)، فضلاً عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور حازم الببلاوي في 16 يوليو، بينما واصل أنصار المعزل فعالياتهم واشتباكاتهم مع عناصر الشرطة، وكان أبرز نتائجها مقتل 81 مدنيًا وشرطيًا واحدًا في 27 يوليو.
وفي 14 أغسطس، تمكنت قوات الأمن المصرية من فض اعتصامي الجماعة، في الوقت الذي قام فيه عناصر الإخوان بعمل مواجهات مع الشرطة والدخول في أعمال عنفٍ موسعة في خضم اتهامات للجيش بـ"الانقلاب العسكري"، ما دفع السلطات المصرية لإعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال، لتتوالى بعد ذلك الضربات الأمنية، التي أدت لاعتقال رؤوس الإخوان الفاعلة كافة، في ظل تنامي العمليات الإرهابية في سيناء. وفي 5 سبتمبر نجا وزير الداخلية من محاولة اغتيال بتفجير عبوة ناسفة في مدينة نصر، وفي أكتوبر، وتزامنًا مع فعاليات الاحتفال بنصر السادس من أكتوبر 1973، أودت الاشتباكات التي دارت بين عناصر الإخوان والمواطنين إلى مقتل 34 شخصًا على الأقل.
وشهد الربع الأخير من العام العديد من التطورات، إذ تمكنت لجنة الخمسين من إنهاء تعديلات دستور الإخوان، بينما أعلن الرئيس عدلي منصور عن إجراء الاستفتاء على ذلك الدستور يومي 14 و15 يناير 2014، كما شهدت تلك الشهور صدور "قانون التظاهر"، الذي أعطى الحق لقوات الأمن في فض أية تظاهرات ما دامت قد خالفت القانون ولم يتم إخطار الجهات المسؤولة عنها.. في الوقت الذي دفعت فيه جماعة الإخوان خلال الربع الأخير من العام بطُلاب الجامعات المنتمين لها؛ لقيادة التظاهرات الإخوانية في محاولة لعرقلة خارطة الطريق.
عام الحصاد
وعلى هذا النحو الذي انتهى به 2013، ويبدأ به العام الجديد 2014، فإن مصر تقف في "مفترق طُرق"، تودع عاماً نجحت فيه في القضاء على "أسطورة الإخوان"، وتستقبل عامًا جديدًا مليئًا بالطموحات والأماني، لتشكيل الدولة الجديدة، التي نادت بها ثورتا 25 يناير و30 يونيو، دولة مدنية ديمقراطية تُعلي من قيمة القانون. في بداية العام "2014" تُجري مصر استفتاء الدستور الذي يحظى بتوافقٍ شعبي..
وراعى الابتعاد عن تجاوزات الإخوان، كما تُجرى بعد ذلك الاستحقاقات الانتخابية.. ففي البداية تُجرى الانتخابات البرلمانية، وسط توقعات بانتهاء التمثيل الإخواني بعد انكشافهم أمام الشارع المصري وفي ظل رفض المواطنين لهم، وبعد ذلك الانتخابات الرئاسية؛ ليكون عامًا حافلاً بالتطورات.. ليكون "عام الحصاد".


