عقدت دول مجلس التعاون الخليجي في الكويت يومي 10 و11 ديسمبر، قمتها السنوية وسط «ضجيج» إعلامي غير مفسّر، بشأن الانقسامات في مواقف الدول الأعضاء حول مشروع الاتحاد المقدّم من المملكة العربية السعودية.. لكن القمة تجاوزت هذا «الخلاف» بإنجازات تمثّلت في إقرار القيادة العسكرية الموحدة، والشرطة الخليجية، وفي توحيد إجراءات الإدراج في أسواق المال.

 وانتهت القمة الـ34 للمجلس الأعلى لقادة دول المجلس التي افتتحها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بإقرار إنشاء قيادة عسكرية موحدة لدول المجلس. وأوضح البيان الختامي للقمة، أنه «استكمالاً للخطوات والجهود الهادفة لتعزيز أمن دول المجلس واستقرارها، وبناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي، وافق المجلس الأعلى على إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس»..

كما «كلف مجلس الدفاع المشترك باتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء في تفعيلها وفق الدراسات الخاصة بذلك». وإضافة إلى ذلك، وافق مجلس التعاون «على إنشاء أكاديمية خليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية لدول المجلس»، على أن تكون الإمارات مقراً لها.

وإقرار القيادة العسكرية الموحدة، إضافة إلى الموافقة على البدء في تنفيذ المسار المكمل لمشروع الاتصالات المؤمنة، إنجاز نوعي، إذ سيناط بها صوغ مرتكزات مشتركة وتخريج أجيال تتحدّث نفس الإشارات والمصطلحات العسكرية.. وهو ما يصب في صالح تجسيد الاستراتيجية الدفاعية التي أقرت قبل أربعة أعوام في قمة التعاون في الكويت (الدورة الثلاثون). والآن، بعد الاتفاقية والاستراتيجية والقيادة المشتركة، باتت الرؤية واضحة لتنسيق سياسات الدفاع، وتعزيز إمكانات التكامل، عبر ترابطها برؤية ومفهوم عملياتي مشترك.

نقلة نوعية

إنّ المقررات التي خرجت بها قمة الكويت نقلة نوعية، تتجاوز الركون إلى قوة درع الجزيرة (التي تقرّر إنشاؤها في العام 1982)، على اعتبار أنّ المتغيرات وأنواع التحديات باتت أكثر، وازدادت اتساعاً جغرافياً، ما بات يفرض على المستوى السياسي والأمني، التعجيل برفع القدرات الجماعية لأنظمة القيادة والسيطرة، وتسهيل وتعزيز تبادل المعلومات، مع تأمينها.

وفي هذا السبيل، انشغلت القمم الخليجية خلال عقد التسعينات من القرن العشرين، بمشروع الاتصالات المؤمنة وربط القوات المسلحة، والتي تعد إحدى الدعائم الرئيسية لبناء المنظومة الدفاعية المشتركة. وأقر المجلس الأعلى في العام 1995 (قمة مسقط الدورة السادسة عشرة) هذا المشروع الذي كان محل جدل طويل، مع اختلاف المدارس العسكرية في الدول الست الأعضاء.. إلى أن كان التشغيل الرسمي للمشروع في العام 2000.. يردفه مشروع منظومة حزام التعاون، الذي أقر عام 1997 لربط مراكز عمليات القوات الجوية والدفاع الجوي في القوات المسلحة في دول المجلس، لتكون على جاهزية عملياتية عالية.

ولم يقتصر البحث عن التناغم في الاستراتيجيات الدفاعية على مراكز القيادة والسيطرة، بل دخلت الأمور في التفاصيل الهادفة إلى جعل العمل العسكري المشترك بين دول المجلس، أكثر توافقاً وتناغماً وانسيابية، إذ تم توحيد ووضع آليات عمل مشتركة لتبادل المساندة الفنية في مجال الإمداد والتموين والصيانة والتزويد الفني بين القوات المسلحة، وتوحيد الكراسات العسكرية في مجال التدريب والتعليم العسكري.

ما قرّره المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في قمته الأخيرة، يسطّر لفصل جديد من التكامل الذاتي، بعيداً عن الصيغ الجاهزة التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية من عمر هذه المنظومة، من الاتفاقات الثنائية مع القوى العظمى، أو محاولة خلق تحالفات إقليمية كضامن للأمن، كما حدث في مطالع التسعينات في إطار «إعلان دمشق» الذي اجتهد في رسم ملامح تعاون أمني - دفاعي جديد يحصّن منطقة الخليج.

وهكذا، كان قرار تأسيس القيادة العسكرية الموحدة، خطوة متقدّمة لمواجهة تنامي التهديدات العسكرية، خاصة بعد أن باتت المخاطر غير محصورة في الضفة الشرقية للخليج العربي، حيث أصبحت تشمل التدخلات في جنوب وفي شمال الجزيرة العربية، وحتى في مياه البحر الأحمر، فضلاً عما قد يظهر من مخاطر غير منظورة في المستقبل.

توطيد التكامل

وفي الجانب الاقتصادي، وتأكيداً لعزم دول مجلس التعاون على تعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك، وجّه أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون، إلى ضرورة العمل على تحقيق مزيد من الإنجازات التنموية بما يلبي آمال وتطلعات أبناء دول المجلس، وأكدوا في هذا السياق ضرورة تنفيذ كافة القرارات الصادرة بكافة مجالاتها، مع إجراء مراجعة شاملة للقرارات التي لم تنفذ وإيجاد الآليات المناسبة لسرعة تنفيذها..

ووجهوا الأمانة العامة للعمل على إيصال تلك القرارات إلى المواطن الخليجي بالطريقة المناسبة للاطلاع على مضامينها. وأكد المجلس الأعلى أهمية مواصلة العمل لتحقيق التكامل الاقتصادي، وتذليل العقبات في طريق السوق الخليجية المشتركة، واستكمال متطلبات الاتحاد الجمركي سعياً لزيادة التبادل التجاري بين دوله، واستكمال خطوات الاتحاد النقدي وصولاً إلى العملة الموحدة.

ووجه القادة إلى التسريع في برامج تكامل مشاريع البنية التحتية في دول المجلس، بما في ذلك شبكة سكك الحديد التي تم إنجاز الدراسات المتعلقة بها، واستكمال دراسات الربط المائي.

ملفات إقليمية

وفي الجانب الإقليمي، أكّدت القمة توافقاً كبيراً بين القادة، على عكس ما ذهبت إليه الكثير من التحاليل التي كانت ترى «شرخاً» بين دول المجلس في الملفين: النووي الإيراني، والسوري.. إذ كانت القمة موحدة في الدعوة إلى خروج «الميليشيات الأجنبية من سوريا»، معربة عن دعمها لمؤتمر جنيف 2 بشأن الأزمة في سوريا.

كما رحبت بتوجهات الحكومة الإيرانية الجديدة والاتفاق مع الدول الغربية بشأن البرنامج النووي، وشدّدت على ضرورة «التطبيق الدقيق» لهذا الاتفاق الموقع في 16 نوفمبر. ورحب بيان القمة بالاتفاق الذي عبّر القادة عن ارتياحهم تجاهه، وتمنوا أن «يتحقق له النجاح ليقود إلى اتفاق دائم يبعد عن المنطقة شبح التوتر».

وفي ما يتصل بالوضع في سوريا، شدد المجلس على ضرورة مضاعفة «الجهود والعمل مع المجتمع الدولي، ولا سيما مع مجلس الأمن الذي وقف عاجزاً ويا للأسف عن ممارسة مسؤولياته التاريخية لوضع حد لهذه الكارثة الإنسانية»، مطالباً بخروج «الميليشيات الأجنبية من سوريا».

وشدد البيان الختامي على ضرورة ألا يكون لـ«أركان النظام السوري الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري، أي دور في الحكومة الانتقالية أو المستقبل السياسي في سوريا».

وكان أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر، دعا في افتتاح القمة إلى العمل على إنهاء «الكارثة الإنسانية» في سوريا، منتقداً عجز الأمم المتحدة عن وقف الصراع السوري الذي تفجّر في العام 2011.

وكان لافتاً أنّ الافتتاح شهد حضور رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أحمد الجربا.

وفي ما يخص مصر، أكد القادة دعمهم للشعب المصري وخياراته الديمقراطية، ووقوفهم إلى جانبه ودعم الاقتصاد المصري حتى تستعيد مصر دورها الريادي على الصعيد العربي والإقليمي. وانسحب التوافق الخليجي على الملف الفلسطيني، إذ رحب القادة بالجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لدعم مسيرة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، بما يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وجددت القمة رفضها للإجراءات الإسرائيلية التي تكرس حصار الشعب الفلسطيني وتعمق معاناته.

وإذ شدد بيان المجلس على أن «السلام الشامل والعادل والدائم لا يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة في العام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، طبقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية»، رحب بالجهود الديبلوماسية التي تبذلها الولايات المتحدة وبدء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين «آملاً نجاحها»..

في حين دان «إمعان إسرائيل في سياسات الاستيطان والحصار الجائر وضم الأراضي التي تشكل انتهاكاً صارخاً لقرارات الشرعية الدولية»، مطالباً باتخاذ خطوات ملموسة «لرفع الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني الشقيق».

وهكذا، نجحت قمة الكويت في الحفاظ على مجلس التعاون من التفكك، وفي إظهار دعم قوي لخطوات التكامل، والتعاطي مع الملفات الإقليمية التي قد تتباين حيالها المواقف الدبلوماسية في العواصم الست في التفاصيل، بينما تتوحّد المرئيات على المستوى الاستراتيجي.

دعم الشباب

بارك قادة مجلس التعاون استثمار طاقات الشباب في دعم جهود المجلس لتحقيق المزيد من الإنجازات، مع تأكيد أهمية تطوير البرامج التي تخدم قطاع الشباب، وصقل قدراتهم والاستفادة من عطاءاتهم بما يعزز الترابط الشبابي الخليجي.

تعزيز المسيرة

كلف القادة الأمانة العامة بالتواصل مع الرأي العام الخليجي ومواطني دول المجلس والكتاب والمفكرين، للتعرف إلى آرائهم ومقترحاتهم بشأن سبل تعزيز مسيرة التعاون، بما يحقق المصالح المشتركة لدوله وشعوبه.