أحداث متلاحقة وقضايا سودانية متشعبة زخر بها العام 2013.. ورغم أن ازدحام الأحداث وتلاطم أمواجها ليس أمراً جديداً في بلد تعصف به رياح التحديات ومتغيرات السياسة من كل اتجاه، غير أن العام شهد تطورات كثيرة ابتداء من تحالف المعارضة المدنية والعسكرية حول وثيقة الفجر الجديد..

ومحاولات المتمردين لضرب العمق من خلال احتلال عدة مدن في شمال كردفان، ومروراً بتعكر العلاقة وصفوها في ما بين دولتي السودان، وانتهاء بغبار التشكيل الحكومي الذي أطاح بعدد من كبار النافذين في الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، فيما لا تزال حلحلة أزمة الحكم وتحقيق السلام، ومعالجة قضية الاقتصاد الآيل للسقوط أحلاماً تنتظر عام 2014 علّه يأتي بمعجزة تداوي جروح الحرب وشروخ السياسة.

 ففي يناير شغلت وثيقة الفجر الجديد التي وقع عليها أحزاب المعارضة السودانية والجبهة الثورية المتمردة في العاصمة اليوغندية كمبالا، حيزاً كبيراً من الأخذ والرد ما بين مؤيد ومعارض لها، حيث نادت الوثيقة بإسقاط نظام حكم الرئيس عمر البشير..

وإقامة فترة انتقالية مدتها أربع سنوات تنتهى بإقامة انتخابات حرة ونزيهة، وينعقد خلالها مؤتمر دستوري يحقق إجماعاً وطنياً حول كيفية حكم السودان، غير أن السلطات واجهت الموقعين على المذكرة من ممثلي الأحزاب، بحملة اعتقالات واسعة إلى أن تم إطلاق سراحهم عبر عفو رئاسي أصدره الرئيس البشير مطلع إبريل.

عدة جبهات

في صبيحة 27 إبريل استيقظ سكان مدينة أم روابة، إحدى أكبر المدن في ولاية شمال كردفان التي تجاور ولاية الخرطوم من الناحية الغربية، على دوي المدافع إثر الهجوم المفاجئ الذي شنته قوات الجبهة الثورية المتمردة على عدد من المناطق في الولاية ليحدث نقلة للعمليات العسكرية في العمق. وتزامن الهجوم مع انهيار أولى جولات التفاوض المباشر بين الحكومة السودانية ومتمردي الحركة الشعبية قطاع الشمال،...

وأشارت أصابع اتهام الخرطوم إلى جارتها الجنوبية بدعمها للمهاجمين، مما أعاد العلاقات بين الخرطوم وجوبا إلى مربع التوتر، وأعلن الرئيس البشير في 27 مايو إغلاق أنبوب نفط دولة جنوب السودان ووقف عبوره لأراضي وموانئ التصدير السودانية، كما أعلن السودان في 28 من ذات الشهر، رسمياً، تجميد جميع اتفاقياته مع دولة جنوب السودان، وطالبها بتقديم ضمانات كافية بعدم دعمها للجبهة الثورية المتمردة وفك ارتباطها مع الحركة الشعبية قطاع الشمال.

وفي رد أميركي على قرار السودان تجميد اتفاقيات التعاون مع جاره الجنوبي، أبلغت واشنطن رسمياً حزب المؤتمر الوطني الحاكم بإلغاء الزيارة التي كان مقرراً أن يقوم بها مساعد الرئيس السوداني نافع علي نافع لواشنطن بناء على دعوة وجهتها له الخارجية الأميركية لإجراء حوار بين البلدين.

وفي خواتيم شهر يونيو وصل نائب رئيس جمهورية جنوب السودان حينها رياك مشار، للخرطوم لتلافي آثار قرار وقف النفط وإعادة المياه إلى مجاريها، رغم تأجيل الزيارة من قبل الحكومة السودانية أكثر من مرة. وبعد مباحثات ماراثونية أجراها مشار والنائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان طه، استطاع الطرفان أن يتفقا على تجاوز الأزمة في علاقات الدولتين، بعد قرار السودان وقف عبور النفط الجنوبي بالأراضي ومنشآت المعالجة السودانية وكيفية إنفاذ اتفاقيات التعاون بينهما.

مطالب وتوجهات

وفي 28 يوليو دشن زعيم حزب الأمة السوداني المعارض، الصادق المهدي، حملة التوقيعات على "تذكرة التحرير" التي تطالب برحيل نظام الرئيس البشير، وتقول "بعد ربع قرن من الإخفاق، حان موعد الرحيل"...

ودعا الشعب السوداني للتوقيع على التذكرة بالملايين لتكون التعبير عن موقف الجميع، غير أن تقارباً بدا واضحاً في العلاقة بين حزب الأمة والحكومة، عقب اللقاء الذي جمع الرئيس البشير وزعيم حزب الأمة المعارض الصادق المهدي، وأعلن فيه الطرفان اتفاقهما على قومية قضايا الحكم والدستور والسلام.. ولكن ظل الاتفاق حبراً على ورق، ولم يحدث فيه أي تقدم يذكر حتى الآن، بحسب المهدي.

وفي 25 سبتمبر أعلن الرئيس عمر البشير، في ختام مباحثاته مع رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، في الزيارة الثانية للخرطوم عقب الانفصال، عبور علاقات البلدين مرحلة التوتر ودخولهما مرحلة التعاون الكامل، كما أعلن استمرار انسياب نفط جنوب السودان عبر المنشآت والأراضي السودانية، مؤكداً أن البلدين ليسا بحاجة لوساطات خارجية لحل مشكلاتهما ومعالجة خلافاتها.

وفي منتصف سبتمبر أعلن البشير أن عام 2014 سيكون نهاية للصراعات والتمرد في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، التي تشهد حرباً مستعرة بين الجيش السوداني والمتمردين، وكشف أن أولويات حكومته تتمثل في القضاء على بؤر الصراع، ودعا حملة السلاح للتداعي نحو السلام وحل قضايا الوطن، غير أن دعوة البشير قوبلت بالرفض من قبل الحركات المتمردة التي اعتبرتها حديثاً دون أفعال.

وفي تحدّ لقرارات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس البشير، طالبت الخارجية السودانية واشنطن بإصدار تأشيرة دخول للبشير للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعلنت رفضها واستهجانها لما وصفته بسلوك الإدارة الأميركية غير المسؤول تجاه السودان، غير أن الإدارة الأميركية قابلت طلب السودان بالتجاهل الكامل دون أي اهتمام.

غضب شعبي

أما الثلث الأخير من شهر سبتمبر فقد كان الأكثر التهاباً في السودان، حيث استيقظ الشارع السوداني صبيحة 22 منه، على ارتفاع جنوني في أسعار السلع الاستهلاكية وزيادة أسعار الوقود بكل مشتقاته، بعد أن أعلن الرئيس البشير عن إجراءات اقتصادية رفع بموجبها الدعم عن المحروقات، مما تسبب في موجة من الغضب الشعبي والاحتجاجات في عدد من المدن السودانية، كان أعنفها في العاصمة الخرطوم ومدينة ود مدني، واستمرت لأكثر من أسبوع، وكادت تعصف بالبلد، ووقع ضحيتها حوالي 80 قتيلاً.

وفي ظل حالة التوتر هذه دفع 31 قيادياً في المؤتمر الوطني الحاكم، على رأسهم القيادي البارز في الحزب د. غازي صلاح الدين، مذكرة للرئيس البشير طالبوه فيها بوقف الإجراءات الاقتصادية، وإجراء تحقيقات محايدة حول إطلاق الذخيرة الحية على المواطنين، غير أن الرئيس قابل المذكرة بالرفض ....

واتخذ إجراءات محاسبة ضد موقعيها قادت إلى تجميد نشاط المجموعة في الحزب، الأمر الذي جعل الموقعين على المذكرة يعلنون انسلاخهم عن الحزب، في ثاني أكبر انشقاق يشهده هذا الحزب ذو المرجعية الإسلامية في تاريخ حكمه للسودان، بعد الانشقاق الذي قاده الدكتور حسن الترابي عام 1999.

أبيي مجدداً

وفي أكتوبر نشطت جماعات قبلية في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، في تعبئة سكان المنطقة من الدينكا لإجراء استفتاء للمنطقة، ما جعل البشير يستبق ذلك الإجراء بزيارة خاطفة إلى جوبا في 22 من الشهر، لبحث القضية مع نظيره الجنوبي سلفاكير، ولم يثن ذلك ناشطي الدينكا عن إقامة استفتاء أحادي لم تشارك فيه قبيلة المسيرية التي تشاركهم المنطقة...

وجاءت نتائج الاستفتاء الأحادي بتصويت 99,9 من الناخبين لصالح انضمام المنطقة للجنوب، غير أن تلك النتائج قوبلت بالرفض من حكومتي الخرطوم وجوبا والاتحاد الأوروبي. وفي مطلع ديسمبر أبعد الرئيس البشير عدداً من الرؤوس الكبيرة المتنفذة في حكومته، عبر تشكيل حكومي وصفه المراقبون بالأوسع منذ توليه للحكم...

حيث أطاح التعديل بالنائب الأول للرئيس علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، ووزير النفط عوض الجاز، وتعيين شريكه في الانقلاب الذي أتي به للسلطة عام 1989، الجنرال بكري حسن صالح نائباً أول له، وأبقى على صديقه الشخصي وزير الدفاع عبدالرحيم محمد حسن، في خطوة اعتبرها مناوئون انقلاباً نفذه البشير لصالح العسكريين في حزبه، فيما رآها آخرون جزءاً من صراع بين مراكز قوة داخل الحزب الحاكم.