تطغى الكارثة الإنسانية التي يعيشها السوريون منذ أكثر من عامين ونصف العام، على أي تفصيل آخر في حياتهم، فالحراك السياسي وانقسامات المعارضة والتصريحات المتعلقة بعقد مؤتمر جنيف 2، كلها لم تعد تعني لهم شيئاً، في ظل العواصف الجوية المتتالية التي حولت حياتهم إلى جحيم حقيقي، يضاف إلى جحيم القصف والتهجير إلى دول الجوار.
ولا يبدو أن المجتمع الدولي مقبل على تبني حلول جذرية من شأنها أن تضع حداً لهذه المأساة المتجددة مع صباح كل يوم، فأكثر ما تفعله المنظمات الدولية هو إحصاء اللاجئين والنازحين والمنكوبين، والبحث لهم عن مصادر تمويل يمكن أن تساعدهم في رحلة تشردهم، وليس وضع حد لهذه المأساة المتواصلة، التي لا يبدو أن لها حلاً في متناول اليد.
إطالة الأزمة
يعتقد كثير من المراقبين السوريين أن الدول الغربية المؤثرة في الصراع، هي التي تسعى إلى إطالة أمد هذه المأساة، عبر منع الثوار من وضع حد للنظام والبدء في مرحلة جديدة. ويستدل هؤلاء المراقبون على كلامهم، بأن ثمة قوة خفية تمنع تسليح المقاتلين على الأرض بسلاح نوعي يمكن أن يحسم التفوق الجوي، والذي يرون أنه عامل أساس من عوامل استمرار النظام.
ويلاحظون أن التسليح يتم بالقطارة، كما يقولون، وأنه محسوب بدقة تجعل الأمر مثيراً للريبة، فكلمة الأسلحة الواصلة إليهم تسمح لهم فقط بالدفاع عن مواقعهم التي حرروها قبل عام، ولا تسمح لهم بالتقدم أكثر، وإذا حصل وأن استولوا على مستودعات ذخيرة، يغض العالم الغربي الطرف عن تدخل الميليشيات الطائفية القادمة من لبنان والعراق وإيران، والتي تقاتل إلى جانب النظام السوري في جميع المناطق.
ويلفت هؤلاء إلى أن المجتمع الدولي لم يصدر أي بيان إدانة للتدخل الإيراني المعلن في الأزمة السورية، بل إن هناك من يدعو لمكافأته على هذا التدخل، عبر تكريس دوره في سوريا وشرعنته بإشراكه في مؤتمر جنيف 2. ويربط المراقبون السوريون بين السماح للإيرانيين وأذرعهم في لبنان والعراق، بلعب الدور العسكري الأهم على الأرض، وبين استمرار المأساة الإنسانية التي تتوقع أرقام الأمم المتحدة أن تشمل 16 مليون سوري خلال الشهور الستة المقبلة.
ومن المتوقع أن تتفاقم المأساة الإنسانية أكثر فأكثر في الفترة المقبلة، مع اشتداد موجات البرد والصقيع، وانعدام الآمال بحل سريع قبل نهاية فصل الشتاء، خصوصاً وأن مؤتمر جنيف 2 الموعود لا يقدم حلولاً جذرية للمأساة السورية، بل يترك الأمور للتفاوض بين المعارضة والنظام، بمعزل عن تطورات الوضع الميداني والقوى الفاعلة على الأرض.
ندوب نفسية
ويتخوف خبراء التربية من أن المأساة الإنسانية ستنعكس على عدة أجيال، وستخلف ندوباً نفسية لن تمحى، وستخرج جيلاً أو جيلين من خارج منظومة تعليمية سليمة ومستمرة، وهو ما سينعكس على المجتمع بأسره خلال الفترة المقبلة.
وبالإضافة إلى هذا وذاك، تمثل عودة بعض الأمراض المعدية إلى الظهور بعد أن تم القضاء عليها منذ سنوات طويلة، على انحدار الوضع الصحي إلى أدنى مستوياته، ودخول أجيال جديدة في دوامة الأوبئة، وخصوصاً شلل الأطفال، والليشمانيا، وهي أوبئة لها أضرار نفسية على أجيال كاملة.
وكان لافتاً لجوء النظام خلال العام الأخير، إلى حرب التجويع التي يشنها ضد المناطق الأكثر اشتعالاً. فهو يستهدف الطعام، وخصوصا الخبز والطحين، رافعاً شعار الجوع أو الركوع. وقد دخل بعض مناطق ريف دمشق عامها الثاني وهي تعيش حصاراً خانقاً غير مسبوق، قاد الكثيرين من سكانها إلى الفرار في اتجاه مخيم الزعتري في الأردن، أو البقاء تحت الحصار الخانق ومعاناة ويلات الجوع. وكان لافتاً بث نشطاء الثورة صوراً من داخل الأحياء المحاصرة، لأشخاص يأكلون قططاً وكلاباً، وبعضهم الآخر في نحول شديد وقد فارق الحياة من الجوع، وهو ما لم يحصل في سوريا طوال تاريخها الطويل.
. فالموت جوعاً كان آخر ما يفكر فيه السوري، وخصوصا في القرن الحادي والعشرين. وقد ظهر في الأحياء الجنوبية لدمشق نوع جديد من الخبز، مصنوع من مسحوق العدس، فالقمح ممنوع دخوله على مخيم اليرموك والحجر الأسود. وهذا الخبز الجديد لا يشبه الخبز في شيء، فطعمه غير مستساغ ويسبب التلبك المعوي، ولكنه حل للتغلب على مأساة فقد الخبز الذي يعد أهم عنصر في غذاء السوريين.

