سجلت الإمارات تحولات نوعية في استراتيجيات الاستثمار، عبر تعزيز توجهها إلى قطاعات حيوية، على رأسها الأمن الغذائي والصحي، وذلك خلال فترة تفشي جائحة فيروس «كورونا» المستجد «كوفيد 19»، عالمياً.

وبادرت الدولة، منذ اليوم الأول لتفشي الجائحة، بالعمل على استراتيجيات وخطط تكفل لها عدم تأثر مخزونها الاستراتيجي، عبر الإمداد المتواصل من عدة أسواق عالمية، وتواصل جهودها من أجل توفير الغذاء والدواء للأجيال الحالية والمقبلة، عبر العمل المشترك بين جميع الجهات المعنية، لتحقيق أفضل النتائج التي تضمن ازدهار القطاعين.

وتسعى الإمارات للوصول إلى مصاف أفضل عشر دول في مؤشر الأمن الغذائي العالمي، بحلول 2021، حيث يشكل تعزيز تنافسية الدولة وريادتها، هدفاً للاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، لتحقيق الأمن الغذائي للدولة.

وعملت وزارة الاقتصاد منذ سنوات ماضية، على إنشاء المخزون الاستراتيجي للمواد الغذائية، وفي السياق ذاته، عملت وزارة الصحة ووقاية المجتمع، على إنشاء مخزون استراتيجي للدواء، وذلك تحت إشراف الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث.

وأسهمت الجهود والخطط، التي تهدف إلى تحولها مركزاً عالمياً للأمن الغذائي، في تبوؤ الدولة المركز 21 عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي العالمي 2019، بعد أن حققت قفزة نوعية، متقدمة 10 مراكز عن ترتيبها في مؤشر 2018، حيث يستند المؤشر إلى 3 معايير رئيسة، هي: القدرة على تحمل التكاليف، وتوافر الغذاء، وجودة وسلامة الغذاء.

ويُقصد بالأمن الغذائي والدوائي: مدى قدرة الدولة على توفير احتياجاتها من الغذاء والدواء في مختلف الظروف، سواء كان إنتاجاً محلياً أو مستورداً من الخارج، فالاستثمارات المتاحة في هذا المجال، تستحوذ على اهتمام متصاعد من دول مختلفة حول العالم، مدعومة بالتزايد السريع في عدد سكان العالم، والحاجة لتوفير الغذاء لهم.

صوابية التوجه

ورأى سعيد العابدي رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والصناعية للمجلس الوطني الاتحادي، أن التوجه الاستراتيجي للدولة لتعزيز منظومتي الأمن الغذائي والصحي، ليس بجديد، حيث جاءت الجائحة، لتؤكد صوابية التوجه في هذا الشأن، على مدار الخمسين عاماً الماضية، حيث تجني حالياً ثمار تلك الجهود في هذين القطاعين الحيويين، والذي ضمن لها مكانة مرموقة بين الدول الأكثر قدرة على التكيف مع تداعيات الجائحة.

وأكد نجاح الإجراءات والمبادرات التي اتخذتها الإمارات، لتعزيز أمنها الغذائي والصحي، ضمن إجراءاتها الاحترازية لمنع تفشي الفيروس، لافتاً إلى أن الدولة شهدت خلال الفترة الماضية، إطلاق العديد من البرامج والمبادرات التي تستهدف تعزيز المخزون الوطني من الإمدادات الغذائية والصحية.

وأوضح أن الإمارات تبنت خطوات واسعة، عززت أمنها الغذائي، كإطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي في 2018، التي حددت تعزيز أمنها الغذائي في 18 صنفاً غذائياً رئيساً، وفقاً لأنماط الاستهلاك والإنتاج والتغذية.

رؤية واضحة

وقال نجيب الشامسي الخبير الاقتصادي، المدير العام لمؤسسة «المسار» للدراسات الاقتصادية: إن الإمارات تملك رؤية واضحة وثابتة منذ عقود طويلة، لتعزيز الأمن الغذائي والصحي، حيث أعطتهما أولوية كبري، مؤكداً أن الجائحة أكدت بُعد النظر والرؤية الاستباقية، بالتوسع في الاستثمار الزراعي بعددٍ من دول العالم، ما أسهم في تحقق استدامة توريد السلع وزيادة المخزون، وتحقيق الأمن الغذائي بالدولة.

وأضاف أن الدولة نجحت في زيادة توجهاتها نحو القطاعات الحيوية والاستراتيجية، بما يدعم منظومتي الغذاء والدواء، لتلبية المتطلبات الملحة، وتعزيز جاهزيتها دائماً تجاه مختلف المتغيرات في المستقبل، الأمر الذي يبشر بنقلات نوعية جديدة في القطاعين العام والخاص، عبر تحفيز رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، للاستثمار في المشاريع التي تسهم في تعزيز منظومة الأمن الغذائي والصحي، والشراكة مع القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لإدخال التكنولوجيا المتقدمة في القطاعات المستهدفة.

نموذج خاص

وقال الخبير الاقتصادي، الدكتور ناصر السعيدي، إن الإمارات وضعت لنفسها نموذجاً خاصاً وناجحاً في الاستعداد والجاهزية للتعامل الناجح مع حالات الطوارئ والأزمات، إلى جانب امتلاكها منظومة شاملة للأمن الغذائي والصحي.

وأضاف أن الدولة أكدت استعداداتها المسبقة، من خلال تعزيز المخزون الاستراتيجي في مجالي الغذاء والدواء، والتي ظهرت جلية من خلال عدم حصول أي نقص في السلع المختلفة في الأسواق، منذ بداية تفشي «كوفيد 19».

ولفت إلى أن القفزة التنافسية في تصنيف الإمارات في المؤشر السنوي للأمن الغذائي العالمي، الصادر عن وحدة المعلومات الاقتصادية في مجلة «إيكونوميست»، مثلت إنجازاً جديداً، يضاف إلى جهود تعزيز تنافسية وريادة الإمارات، بعدما تقدمت إلى المركز 21 في مؤشر الأمن الغذائي العالمي، محققة قفزة بعشرة مراكز عن موقعها 2018.

وأشار إلى أن الإمارات، تمكنت من توفير بيئة استثمارية جاذبة، وحزم تحفيزية، تعمل على تسهيل إجراءات الاستثمار في المجالات ذات العلاقة بالقطاعين الغذائي والصحي.

وتخطط الإمارات لأن تصبح ضمن الدول العشر الأكثر أمناً غذائياً في العالم، بحلول 2021، والأولى عالمياً على مستوى الأمن الغذائي القائم على الابتكار، بحلول 2051، وتملك الدولة اليوم أكثر من 40 ألف مزرعة، حيث تمضي بخطط نحو زيادة الإنتاج المحلي بنحو 100 ألف طن من الأغذية.

كما توجد في الدولة مجموعة من الشركات الزراعية، التي تمكنت من تحقيق احتياطيات غذائية استراتيجية للحالات الطارئة. وتعمل الشركات الغذائية في الإمارات، وانسجاماً مع القواعد التي حددتها استراتيجية الأمن الغذائي، على ضمان سلامة الأغذية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والتأقلم مع التغيرات المتسارعة، وتحقيق الاستجابة الفورية لها، واستخدام الأنظمة الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

نجاح الإجراءات

وأكدت الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء، في تقرير حديث، نجاح الإجراءات والمبادرات التي اتخذتها الإمارات، لتعزيز الأمن الغذائي، ضمن إجراءاتها الاحترازية لمنع تفشي «كوفيد 19»، مؤكدة أن الخطوات التي اتخذها مجلس الإمارات للأمن الغذائي، ساهمت في تعزيز المخزون الوطني من الإمدادات الغذائية والصحية.

وتناول التقرير مجموعة من الخطوات التي اتخذتها جهات متعددة في الدولة، لتعزيز الأمن الغذائي في مواجهة الجائحة، ومنها زيادة المخزونات الاحتياطية للسلع الغذائية الأساسية، ورفع إجمالي المخزون الغذائي لفترات طويلة بنسبة 30 %، والذي تزيد قيمته على نصف مليار درهم، ليصل عدد السلع الغذائية وغير الغذائية الموجودة في صالات العرض، إلى أكثر من 69 ألف سلعة متنوعة.

ومن أبرز الخطوات المتخذة كذلك، توجيه شركات الطيران الوطنية، بفتح خطوط للشحن الجوي، لضمان تدفق السلع والمنتجات الغذائية والطبية، وتوجيه كافة موردي السلع الغذائية، بالتزود من المنتجين المحليين بالجملة، والتواصل مع المزارعين وأصحاب مزارع اللحوم والأسماك المحليين، لوضع برنامج مشتريات شهري، دعماً للإنتاج المحلي.

وعلى جانب آخر، بدأت الإمارات في تنفيذ 5 آليات، ضمن استراتيجيتها للأمن الغذائي، وذلك لتعزيز منظومة الاكتفاء الذاتي، ودعم القدرة على تأمين السوق المحلي من احتياجاته الغذائية في مواجهة الأزمة، تمثلت في تنويع أسواق ومصادر جلب السلع من الخارج، لكل صنف غذائي أساسي بالسوق، لتلبية الطلب المحلي، وتحقيق احتياطي المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية.

آليات

وتضمنت الآليات، التوسع بمشاريع الزراعة المستقبلية، لوجود بنية تحتية مؤهلة لزيادة الإنتاج الغذائي في الدولة، وتعزيز التكنولوجيا والزراعة المستدامة، وأدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة لتطوير الصناعات الغذائية، بإنتاج حوالي 100 ألف طن من الأغذية خلال 3 سنوات.

كما تضمنت الآليات، اتباع برامج التوعية والترشيد في استهلاك الغذاء، بما يحقق وفرة السلع، وتخفيض معدلات الهدر، والتوسع في تمويلات القطاع المصرفي لمشاريع قطاع صناعة السلع الغذائية، إضافة إلى زيادة التراخيص الممنوحة للمشاريع الصناعية، والأنشطة التي تتسق مع أهداف التنمية المستدامة.

الرعاية الصحية

وعلى صعيد قطاع الرعاية الصحية، اعتمد مجلس الوزراء مؤخراً، الميزانية الاتحادية لعام 2021، بقيمة 58.1 مليار درهم، وقد تم تخصيص 4.97 مليارات درهم، للإنفاق على قطاع الرعاية الصحية ووقاية المجتمع، بنسبة 8.1 % من إجمالي الميزانية العامة، لتقديم أرقى مستويات خدمات الرعاية الطبية للمواطنين والمقيمين، كما تم تخصيص كافة المبالغ اللازمة لمواجهة الجائحة.

وتزيد قيمة الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 3 %، في حال مقارنتها بما كانت عليه في ميزانية 2020، بقيمة 4.84 مليارات درهم، تعادل 6.89 % من إجمالي الميزانية.

وتوفر الجهات الصحية الاتحادية والمحلية، مخزوناً طبياً استراتيجياً على مستوى الدولة، يكفي لأكثر من 6 أشهر، يضم أصنافاً دوائية ومستلزمات طبية وعلاجية، وتوفر أدوية العلاج للأمراض المزمنة، والأدوية المنقذة للحياة، وأدوية الطوارئ، وذلك بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية والمختصة الأخرى، والقطاع الصحي الخاص.

ويوجد أكثر من 8 آلاف صنف دوائي مسجل في الدولة، يتم تداولها في السوق المحلي، توفر العلاج لمختلف الأمراض، خاصة الأمراض المزمنة، والأمراض المهددة للحياة، فيما تستخدم وزارة الصحة ووقاية المجتمع، في مرافقها الطبية التابعة لها، ما يتراوح بين 1200 و1400 صنف دوائي.

منشآت صحية

ذكرت بيانات رسمية أن هناك نحو 104 منشآت صحية متنوعة، موزعة على معظم إمارات الدولة، تتبع وزارة الصحة ووقاية المجتمع، من بينها 17 مستشفى، ونحو 71 مركز رعاية صحية أولية وتخصصياً، و9 مراكز طب وقائي، و6 مراكز أسنان.

فيما تشرف هيئة الصحة بدبي، على أكثر من 3000 منشأة صحية عاملة في الإمارة، منها 26 مستشفى، ويتوزع العدد المتبقي ما بين والعيادات والمراكز الصحية المتخصصة، والمختبرات والصيدليات.

مبادرات استثنائية لتوفير الغذاء

شهدت الإمارات جملة من المبادرات الاستثنائية لدعم الأمن الغذائي، ومنها مبادرة تأمين احتياجات سكان أبوظبي من مواطنين ومقيمين، من السلع الاستهلاكية الضرورية والرئيسة، وخاصة المواد الغذائية، عبر زيادة أعداد منافذ البيع في كافة مدن ومناطق الإمارة، لتسهيل خيارات شراء المستهلكين من أقرب منفذ لهم، وإتاحة تطبيق ذكي لعرض المنتجات الغذائية، بما يمكّن المستهلك من اختيار المواد الضرورية، والدفع من خلاله، وتوصيل السلع الاستهلاكية من منافذ البيع إلى منازل المستهلكين، من خلال مركز النقل المتكامل، وبأسعار مناسبة.

وخصصت الإمارات حزماً تحفيزية كبيرة، لدعم مشاريع زراعية تعتمد على التقنيات الحديثة، كما خصصت صناديق ومؤسسات حكومية، استثمارات لتشجيع رواد الأعمال على الاستثمار في القطاع الزراعي، حيث تقدم جهات عدة، مثل صندوق خليفة، ومؤسسة محمد بن راشد التمويل المطلوب للمزارعين، بشروط تحفيزية، تصل إلى صفر فوائد، وفترة سماح تصل إلى ثلاث سنوات لسداد القرض، لتجهيز المزارع، وبناء النظم الزراعية المطلوبة.