وسعت تركيا تدخلاتها السافرة في عدد من الدول، داعمة تنظيمات إرهابية منفلتة، وعصابات تروع المدنيين، وذلك على امتداد مناطق تواجد القوات التركية، من قره باغ جنوب القوقاز، مروراً بسوريا والعراق، وحتى ليبيا، فضلاً عن تجاوزاتها وانتهاكاتها للمصالح القبرصية واليونانية في البحر المتوسط. أمام هذه العقلية، شهدت الأسابيع الأخيرة من 2020 طرح مسألة العقوبات على تركيا بشكل جاد في أوروبا والولايات المتحدة، فرغم التغاضي الغربي لسنوات عن خرق تركيا للقانون الدولي، داخل حدودها وخارجها، إلا أن أنقرة قد تجاوزت الحدود في 2020.

خلال السنوات الأخيرة، شنت تركيا ثلاث عمليات توغل في سوريا، وترسل إمدادات ومقاتلين إلى ليبيا، وتنشر قواتها البحرية في شرق المتوسط، وتوسّع عملياتها العسكرية ضد الأكراد في تركيا وإقليم كردستان العراق، ولديها كذلك وجود عسكري في العديد من المناطق، بل وثمة تقارير تتحدّث عن تدخل تركي عسكري في أزمات في أفريقيا وآسيا.

فقدان الأغلبية

ترى غونول تول، مديرة مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن العقيدة التركية الجديدة بدأت تتشكل عام 2015، حين فقد حزب العدالة والتنمية الحاكم الأغلبية البرلمانية لأول مرة منذ عقد كامل بسبب تنامي التأييد لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد. ورغم الاختلافات الأيديولوجية، يؤيد كل من حزب الحركة القومية اليميني والقوميين الجدد نهج اليد الثقيلة في التعامل مع المشكلة الكردية. وبدعم من هؤلاء، قام أردوغان بتحويل نظام البلاد من برلماني إلى رئاسي يمنحه سلطات واسعة. وقد لعبت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 دوراً رئيسياً في هذه العملية.

في سوريا

منذ بداية الأحداث في سوريا سنة 2011، انقلب أردوغان على «صديقه» الرئيس بشار الأسد، ووعد بأداء «الصلاة» في الجامع الأموي بدمشق، ثم تصاعد تدخله في شمال سوريا، حيث تتهم السلطات السورية أنقرة بتفكيك المصانع في حلب ونقلها إلى تركيا، فيما أظهرت صور عرضتها موسكو صهاريج النفط المسروق من سوريا إلى الأراضي التركية، فضلاً عن تبني أنقرة ودعمها لمجموعات إرهابية من شتى أصقاع الأرض، وتسهيل دخولها إلى الأراضي السورية.

في عام 2016، أطلقت تركيا أول عدوان عسكري مباشر في سوريا بذريعة الحد من نفوذ الأكراد في الشمال، ثم أعقبته عمليتان أخريان، وها هي تركيا تنسحب من العديد من القواعد العسكرية التي أقامتها في الشمال السوري، بعدما أصبحت محاصرة من الجيش السوري. بعد مرور تسع سنوات على الحرب في سوريا وعليها، أدرك أردوغان أن سياساته فشلت، فبحث عن ساحة أخرى، فكانت ليبيا الخاصرة الرخوة، لكنه فشل هناك أيضاً.

أين النجاح؟

سياسة تركيا في سوريا وليبيا وشرق المتوسط لم تحقق النتائج التي كان يأمل فيها أردوغان. فالقوات الكردية في شمال سوريا ما زالت تعمل، واتفاقية أنقرة البحرية مع ليبيا أو تصرفاتها في شرق المتوسط لم تسفر عن تغيير الوضع القائم في المنطقة. وعلى العكس، أدت هذه السياسات إلى المزيد من عزلة أنقرة وتعزيز الآراء المناهضة لأردوغان في المنطقة والعديد من دول العالم.

شرق المتوسط

أرسلت تركيا سفناً حربية لحماية سفن التنقيب في شرق المتوسط، ما هدد باندلاع مواجهة مع اليونان شريكتها في الناتو. وقد فاقمت هذه السياسات غضب الاتحاد الأوروبي من أنقرة، حيث فرض عقوبات عليها، تلتقي مع العقوبات الأمريكية التي سببها شراء تركيا الأطلسية منظومة إس 400 الصاروخية من روسيا.