طوى العام 2020 صفحاته الأخيرة، مخلّفاً وراءه جملة أزمات متشابكة، في بلد لم تعد تُحصى نكباته، وغير مأسوفٍ على ما حمله من عناوين سيّئة بالنسبة للّبنانيين. ولعلّ «عام الكوارث والمصائب»، هو أفضل توصيف يليق به، إذْ شهد لبنان خلاله انقلاباً سياسيّاً- اجتماعياً- اقتصادياً- ماليّاً، دفعةً واحدةً، فكان مسرحاً لـ «انهيار» حقيقيّ، ما فرض واقعاً جديداً، لم يعد ممكناً تجاوزه.

وعشيّة سقوط آخر ورقة من روزنامة عام، يتمنّى اللبنانيّون أن «يِنْذكر وما ينعاد»، رست الصورة «المثقلة» بالتحذيرات الأمميّة على المشاهد التالية: في قصر بعبدا، بحثٌ عن الحكومة، في السراي الحكومي، بحثٌ عن الدعْم، وفي منازل اللبنانيّين، بحثّ عن رغيف «تائه» بين السياسة والاقتصاد.. وبين مضامين هذه الصورة، أطفأت «ثورة 17 أكتوبر»، شمعة، وأطلقت شعلة قبالة مرفأ بيروت المدمّر، فيما أنزلت الطبقة الحاكمة عن ظهرها حمْل المسؤوليّة، وأسندت لنفسها وظيفة مراكمة الاحتقانات، وصبّ الزّيت على نارها. أمّا العالم كلّه، فبات ينظر إلى لبنان كـ «دولة فاشلة»، فقدت مناعتها، وكلّ مقوّمات الحياة فيها.

حكومة «معلّقة»

وهكذا، لا يزال مقرّ الرئاسة الثالثة، يطلّ على الحكومة «المعلّقة»، وهو محاط بعيون العالم كلّه، إلى أجل غير مسمّى، ما عزّز المخاوف من السقْطة اللبنانيّة النهائيّة، حيث تنتفي آنذاك جدوى المبادرات الإنقاذيّة، ومدّ اليد من آخر الدول المهتمّة باستمرار وجود لبنان على الخريطة الدوليّة.

في المقابل، بلغ استهتار الطبقة الحاكمة واستخفافها بمعاناة اللبنانيين وهمومهم، ‏حدّاً فاق كلّ تصوّر: انهيارات بالجملة في كلّ ‏القطاعات والطبقات، وليس هناك في السلطة من رفّ له جفن أو ‏ضمير، بل إمعان في المماحكات والمهاترات، فوق أنقاض الدولة ‏وأشلاء الاقتصاد. أمّا الحصيلة، فأزمة «لبست» كلّ يوم وجهاً جديداً، وعلى نحو أوحى، وكأنّها تسير في تدرّج انحداري ‏نحو رسم واقع معقّد لم تكتمل عناصره بعد.. ومن بوّابة إخفاقهم في تشكيل الحكومة، نشروا «الغسيل الوسخ» على «السطوح»، من دون أيّ ‏خجل أو وجل.. ولعلّ «حرب البيانات»، التي اندلعت أخيراً بين مقرّ الرئاسات، و«حرب الصلاحيات»، التي نشبت بين القضاء وبعض السلطة ‏السياسيّة، أشّرتا إلى حجم الفوضى التي ضربت الدولة. وذلك، وسط إصرار المعنيّين على الاستمرار في ‏التصرّف، وفق «سياسة النعامة وحركة السلحفاة»، في مواجهة أزمة طاحنة، تلتهم اليابس، وما بقي من أخضر، وكأنّ إفلاساً لم يحصل، وانهياراً لم يقع، وودائع لم تُحتجز، ‏ودولاراً لم يقفز، وجوعاً لم يتمدّد، و«نكبةً» لم تصِبْ بيروت، من جرّاء انفجار مرفئها في 4 أغسطس.

أجواء قاتمة

وهكذا، سيهزم السياسيّون العام الجديد، ويستقبلونه بما تيسّر من خلافات، وبواقع مقفل، تبدو معه «حكومة المهمّة» المنتظرة عالقة في التعقيدات لأجل غير مسمّى، فيما صورة الأجواء القاتمة، داخلياً، تضجّ بقضايا أخرى مصيريّة، ومنها مستقبل مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، ومسلسل العقوبات الغربيّة، والأمريكيّة منها خصوصاً، الذي يتدحرج بشكل متتابع على الواقع اللبناني، مستهدفاً «حزب الله»، من بوّابة تصنيفه «منظّمة إرهابيّة»، بكلّ المعايير، وحزباً غير شرعيّ، يشكّل خطراً وجودياً على لبنان، بصواريخه وأسلحته وقتاله في الساحات العربيّة، وفق الأجندة الإيرانيّة.

موسوعة المصائب

يبدو كما هو واضح أن لبنان دخل فعلاً موسوعة المصائب، ولم يعد التوصيف يجدي وسط الدمار الشامل الذي حلّ بأبشع صوره الكارثيّة في زلزال المرفأ، في حين سيستقبل لبنان العام الجديد «تائهاً»، بين غرق مسار التحقيق في هذا الانفجار، بالإصرار القضائي من جهة، و«الخطوط الحمْر» السياسيّة من جهة أخرى. وبمعنى أدقّ، فإنّ وضع لبنان، بات يشبه وضع مرفأ عاصمته: الظاهر فيه كارثة، والمخفيّ أعظم.