في جلسة أدارها سعيد القرقاوي حول «وصفة القيادة المسؤولة»

سيمون سينك: الإمارات مصنع للخبرات العالمية وفنون القيادة

هل تعتقد أن خبرتك وعملك في دولة الإمارات ضمن سيرتك الذاتية أهم من الخبرة التي اكتسبتها من العمل لدى كبرى الشركات العالمية؟ سؤال مفاجئ للبعض سمعنا إجابته أمس على لسان سيمون سينك، الخبير العالمي في القيادة والمؤسسات الدولية، خلال مشاركته في جلسة رئيسية بعنوان: «ما وصفة القيادة المسؤولة؟»، حاوره فيها سعيد القرقاوي مدير أكاديمية دبي للمستقبل، وذلك ضمن جلسات اليوم الختامي للقمة العالمية للحكومات.

ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت السير الذاتية التي تشتمل خبرة عملية في الشركات العالمية هي الأكثر طلباً، أما اليوم فالسيرة الذاتية التي تضمن خبرات عمل في دولة الإمارات هي التي سيسعى إليها الباحثون عن المواهب والكفاءات.

هذا ما عبّر عنه مؤلف كتاب «ابدأ مع لماذا» أحد أكثر الكتب مبيعاً، الذي أشار إلى أن دولة الإمارات دولة تنافسية لا تسعى للتغلب على أحد، بل تسير على طريق الحداثة والتقدم بشكل فريد، وأنها تضع بناء القيادات وتمكين الشباب واستشراف المستقبل في مقدمة أولوياتها.

وأضاف سيمون سينك: «لم أرَ في أي مكان آخر في العالم هذا التركيز على بناء المستقبل، هذا التركيز على تمكين الشباب، التركيز على فهم الدور الحقيقي للقادة، لقد عرفت جاك ويلش وكان مصنعاً للقيادات. اليوم أعتقد أن دولة الإمارات لديها القدرة على صناعة قادة القرن الـ 21، وأن أهم منتج ستقدمه للعالم هو كيفية بناء الحكومات والمؤسسات، وأننا في المستقبل سننظر للإمارات بوصفها مصنعاً لفنون القيادة».

اللعبة المتناهية

وبدأ سينك حديثه بشرح الفرق بين اللعبة المتناهية التي لها قواعد واضحة وتنتهي في فترة زمنية معينة، واللعبة اللا متناهية، أو كما سماها، الأزلية المستمرة دون توقف التي لا قوانين تحكمها.

وضرب مثلاً بالحرب الأمريكية الفيتنامية، موضحاً أن فيتنام، ميدانياً، تعرضت لخسائر أكثر بكثير من الولايات المتحدة في تلك الحرب، ومع ذلك فقد انتصرت فيتنام، موجهاً السؤال بكيف حدث ذلك؟ سيمون سينك وضح أن الإجابة تعتمد على مفهوم الفوز والخسارة، مبيناً أن الولايات المتحدة خسرت اللعبة اللا متناهية، فهي كانت تحارب للانتصار، أما فيتنام فكانت تحارب من أجل الحياة، وتلك خيارات استراتيجية مختلفة تماماً.

وقال سيمون سينك: «في السياسات الحكومية لا يوجد رابح، أي بمعنى انتهاء اللعبة، والوضع نفسه كذلك بالنسبة للأعمال، فهي اللعبة اللا متناهية والمستمرة وتنتهي فقط في حالة الهزيمة، موضحاً أن تبني الابتكار والإبداع ضرورة، لأنه في حال العقلية الثابتة في اللعبة الأزلية يمكن أن تفقد الثقة ويؤدي ذلك إلى فقدان الإرادة على الاستمرار.

خمسة أسباب للنجاح

وحدّد سيمون سينك خمسة أسباب للنجاح المستمر، هي: «وجود سبب أو قضية عادلة، ووجود فريق عمل مخلص وموثوق، ووجود خصم جدير، والمرونة، والشجاعة في مواجهة مختلف التحديات».

وفي شرحه للأسباب قال سينك: «القضية العادية هي تلك التي نحن على استعداد للتضحية من أجلها، مثلاً، وظيفة براتب أقل وتوفر الاحتياجات الأساسية للحياة ولكنها تمنح الاستقرار والمحبة والاحترام. وعلى كل قائد للعبة الأزلية أن يوفر هذا الإحساس لشعبه، ضارباً المثل بستيف جوبز مؤسس شركة آبل العالمية، الذي ضحّى بالكثير من أجل قضيته، أوصل شركته إلى ما هي عليه الآن».

اختلافات وتباينات

وحول موثوقية الفرق، قال: «كنت في رحلة عمل وكنت في فندق جميل ليس لفخامته، بل لمرح العاملين فيه الذي يقولون مرحباً من قلوبهم، كان هناك رجل اسمه نوح استمتعت بشراء القهوة منه، وسألته هل تحب وظيفتك؟ ومن دون أي تأخير قال أعشق وظيفتي، وهنا الإعجاب شيء والحب شيء آخر، فهي معايير مختلفة، وقال له بأن المديرين يمرون كل يوم ويسألون عن حاله ويقفون معه، في حين أعمل في فندق آخر ولكن سؤالهم ليس عني، وإنما عن مبيعاتي وأدائي».

وأضاف سينك: «هو الإنسان نفسه، ولكن مستوى الأداء مختلف بسبب بيئة العمل، بسبب أنماط القيادة، بسبب بيئة تخرج أفضل ما لدى الإنسان، إذاً الفريق الموثوق هو الذي يشعر بالثقة تجاه قيادته، فريق يعرف رؤية المؤسسة وهدفها ورسالتها. ودائماً يجب معرفة أنه لن تحقق الرؤية بالكامل لأنها لعبة أزلية ومستمرة التطوير».

وأشار سينك إلى أن الفريق القوي هو الذي يضم قيادة قوية تحفزه وتجعل من عناصره أفراداً يرفضون بكل ثقة ترقيةً لا يستحقونها، يتحدثون عن أي خطأ ارتكب ويجب إصلاحه، وعكس ذلك فإن الفريق السيئ هو الذي يضم قادة يدفعون الناس للكذب وإخفاء الأخطاء بما يؤدي إلى عدم الثقة وتراكم الأخطاء وانهيار المؤسسات».

المنافسة والمرونة

وحول الخصم الجدير أوضح سينك ضرورة إيجاد منافس يحفز الإنسان، خصم يمتلك نقاط قوة لا يمتلكها الآخرون، فقيمة الخصم تكمن في التحفيز وكشف نقاط الضعف، والهدف ليس التفوق عليهم، بل كشف العيوب ونقاط الضعف لمعالجتها والاستمرار في المسيرة اللا متناهية، فالتنافسية تدور حول الفوز، ولكن الخصومة تتمحور حول التنافسية والاستمرار.

وفيما يتصل بالمرونة، ضرب سينك مثلاً في تحول ستيف جوبز من أنظمة التشغيل والبرمجة إلى التركيز على إمكانية استخدام الفأرة في واجهة التطبيق، فقد كان هذا التحول ثورياً، فالاستثمار في اتجاه استراتيجي أفضل من الاستمرار في استراتيجية غير ناجحة، حتى لو كانت مكلفة وباهظة، فالمرونة الوجودية هي القدرة على التحول الاستراتيجي والجذري، البعض يرى التحول مخاطرة.

ولكن المبدعين يرون البقاء في المسار نفسه جنوناً، وإذا لم تكن الحكومات والشركات جاهزة لمراجعة استراتيجياتها وتعديلها، فالميدان والجمهور والوقت سيجبرونها على ذلك.

تحديات القيادة

وفي نهاية الحوار بيّن سيمون سينك أن القيادة صعبة كالدور الأبوي، وتتطلب أيضاً كبح الغرور الشخصي واستيعاب غرور الآخرين. ونوه إلى أن بعض القادة لا يشاركون المعلومات مع من هم أصغر منهم سناً أو منصباً، معتقدين بذلك أنه من إجراءات الأمن الوظيفي، ولكنه في الحقيقة هو ما يسهم في إضعاف المؤسسة. وقال: «نشهد اليوم ضعفاً في إعداد الشباب لمرحلة ما بعد التخرج .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات