التشجيع فنون، وكرة القدم لا تخلو من «جنون» ولا من مجانين «عاقلين» بطبيعة الحال، وإلا لما أسموها بـ«الساحرة المجنونة»، «كوكتيل» مشاعر غريب عجيب ذلك الذي رصدناه بحس الصحفي الباحث عن الزاوية الغريبة في الحدث، عربي من أحد بلداننا المشرقية كاد يبكي، ظهرا حزينا جدا على «فاجعة» الإسبان أمام الهولنديين في الجولة الأولى للدور الأول لمونديال البرازيل 2014.
خسر الماتادور بخماسية أمام الطواحين في ليلة فاض فيها بحر الحزن ليس على الإسبان فحسب، بل على بعضنا نحن العرب ليس لشيء سوى لأن هناك من «يعتقد» منا أن إسبانيا الحالية هي بلاد الأندلس، الأندلس التي بناها أجدادنا العرب الأفذاذ قبل قرون وليس سنوات قليلة، «كان» العرب هناك يُقيمون دولة قوية زاهرة لم يتبق منها اليوم شيء سوى الذكريات والأطلال في أحسن الأحوال!
أنا وعمر
بعضنا نحن العرب اليوم ومنهم صاحبنا الذي جلس بجواري أنا وزميلنا عمر جمعة الصحفي السابق في البيان، معد البرامج الحالي في قناة أبوظبي الرياضية، في مطعم «آخر ساعة» في الشارقة لمتابعة مباراة إسبانيا وهولندا، ما زال يحن بكثير من الشوق إلى بلاد الأندلس، رغم أن الإسبان اليوم ربما لا يعيرون أدنى اهتمام لمشاعرنا العربية، أقول ربما!
نشوة فصمت
سجل الإسبان هدفهم الأول واليتيم، فقفز صاحبنا «الأندلسي» من مكانه منتشياً كما لو أنه هو صاحب الهدف!، سجل الهولنديون هدف التعادل، فصمت صاحبنا، جاء الهدف الثاني، الثالث للطواحين، فصرخ بوجه ابنه الصغير قائلاً: «اجلس يا ولد الرابع جاي» على إسبانيا!
اللعبة الأحلى
مارس زميلي عمر جمعة حقه الطبيعي في تشجيع اللعبة الأحلى بحس الصحفي غير المتحيز، وجد نفسه مع الهولنديين لأنهم قولاً وفعلاً، هم الأفضل طوال المباراة، تفاعل مع سيل أهدافهم، وهذا من حقه، فثار صاحبنا «الأندلسي»، مستكثراً على زميلي عمر بقوله: «ليه بتشجع الهولنديين على الإسبان»، فأجابه عمر بهدوء جم: «وليه تريديني ما أشجع الهولنديين، أنا مع اللعبة الحلوة، ولا يهمني غير ذلك، وكما ترى، الهولنديون هم الأفضل ويقدمون أداء جميلاً ويسجلون الأهداف بطرق جميلة»!
عصبية شديدة
رد صاحبنا «الأندلسي» بعصبية شديدة بالقول: «كيف تشجعهم، ليه ما تشجع الإسبان بلاد الأندلس»، وهنا، أجابه عمر بأعصاب من حديد: «يا أخي ما دخل كرة القدم بماض عمره مئات السنين، نحن هنا للاستمتاع بكرة قدم حلوة، كرة قدم لا علاقة لها ببلاد الأندلس والتاريخ، وهنا، أصر صاحبنا »الأندلسي« على موقفه رغم مرارته الواضحة مع كل هدف هولندي يداعب شباك الإسبان بقوله: »لا هذا ما بيصير، لا بد العربي يشجع الإسبان!«.
حتى اللحظة
انتهت المباراة، ولم تغادر تفاصيل شريط حكاية صاحبنا »الأندلسي« مخيلتي حتى اللحظة، لماذا نحن العرب اليوم نتعلق بماض لا ناقة لنا به ولا جمل، سوى أنه ماض كان لأجدادنا فيه صولات وجولات عظيمة، فيما نحن اليوم بلا صولة ولا حتى مجرد جولة!!
المحاربون الخضر
ندع صاحبنا »الأندلسي« ونذهب إلى مقهى ومطعم آخر، فنجد أن خضر الجزائر يستحوذون على قلوب المشجعين في الإمارة الباسمة، حقاً هذا ما لمسته لدى غالبية إن لم يكن كل المشجعين العرب الذين صادفتهم في أكثر من مكان في الإمارة الباسمة، الجميع يدعو بإخلاص لمنتخب الجزائر عندما يواجه أياً من منافسيه، الكل يريد أن يرى الفرحة مرتسمة على محيا المحاربين الخضر في أكبر تجمعات كرة القدم.
»بس علينا«
ما شدني في جولتي للتعرف على مشاعر المشجعين، هو أن الغالبية قد تعاملوا بهدوء لافت مع مجريات مباريات منتخبات القارة الآسيوية، »شممت« رائحة »الشماتة« من القلة القليلة، لا سيما بعدما خسر الكنغارو الأسترالي والكمبيوتر الياباني أمام تشيلي وكوت ديفوار، سمعت أحدهم وهو يردد بعد انتهاء مباراة أستراليا وتشيلي: »قادرين بس علينا يا الأستراليين«!
ناصر العامري: الحنين إلى الماضي نتاج مرارة الحاضر
يرى الدكتور ناصر العامري الاختصاصي في علم النفس الرياضي رئيس قسم التربية الرياضية في جامعة الإمارات، أن تنوع أساليب التشجيع والاهتمام لدى مشجعي كرة القدم نابع في الأساس من طبيعة انتماءات كل شخص، مشدداً على أن انجذاب هذا المشجع أو ذاك اتجاه منتخب ما في مونديال البرازيل 2014 يندرج في هذا الإطار، معلقاً على حادثة المشجع العربي للمنتخب الإسباني كونه من موطن بلاد الأندلس، بقوله: الحنين إلى الماضي ناتج في الأساس عن مرارة الحاضر الذي يعيشه ذلك الشخص في موطنه الأصلي.
وأوضح الدكتور العامري قائلاً: انتزاع الانتماء من صدور مشجعي كرة القدم مهمة صعبة جداً، هناك من يحب منتخب إسبانيا لأنها تمثل بالنسبة له شكلاً من أشكال الماضي المجيد للعرب في بلاد الأندلس، وهناك من يشجع منتخب غانا لأن فيه لاعب العين أسامواه جيان، وهناك من يشجع منتخبات القارة الأفريقية لأن فيها لاعبين يلعبون في دورينا، أو لأن منتخباتها تمثل بلداناً مسلمة، وغيرها من المبررات والأسباب التي يراها كل مشجع مقنعة له على أقل تقدير.
الإطار الرياضي
وشدد الدكتور العامري على ضرورة ألا تخرج تلك الانتماءات عن إطارها الرياضي المحدد بالتشجيع الحضاري البعيد عن التعصب أو النيل من الآخر، منوهاً إلى أن محدودية الثقافة وراء ظهور أشكال محددة من التعصب لدى جماهير كرة القدم، مطالبا بضرورة تشجيع اللعب »الحلو« والفريق أو المنتخب الأفضل في المباراة، مشيراً إلى أن كرة القدم فن وذوق في نهاية المطاف، منوهاً إلى أن من الطبيعي جدا أن يحظى المنتخب الجزائري بتشجيع الجاليات العربية في الدولة، متمنياً التوفيق للمحاربين الخضر في مونديال البرازيل



