مواقع التواصل من «الانفرادات».. ما قتل

صورة

الرسالة التي تتلقاها لو أرسلتها لآلاف من الأصدقاء لن تتلقى خبراً مفرحاً، ولن يؤذيك عدم إرسالها.. خبر التعاقد الذي قمت بمشاركته من خلال صفحة المشجع الموجود في قائمة أصدقائك ليس صحيحاً، وصديقك المشجع على الأغلب لا يعرف شيئاً، وفقط وجد في مواقع التواصل الاجتماعي ضالته للتنفيس عن الفراغ الذي يعانيه بكذبة قد تضعه في دائرة الأضواء وضعها في غلاف خبري وكأنه انفرد بخبر الموسم.. والحقيقة أن من الانفرادات ما قتل!

مواقع التواصل الاجتماعي ليست مصدراً للأخبار، وإن أردت خبراً فلتذهب لأهل الصحافة والأخبار، كما أن الصحافة لا بد ألا تلهث خلف أخبار مواقع التواصل الاجتماعي، التي في أغلبها مجرد كذب مغلف بادعاء فضيلة وبعد نظر أو محاولة للظهور بمظهر المفتش العليم ببواطن الأمور، والغرض هو جمع اللايكات والتعليقات والريتويت لجذب الأضواء، والأزمة أن نفي مثل تلك الأخبار الكاذبة، لا يلقى الرواج الذي تلقاه الكذبة ذاتها.. لذلك فهواء أخبار السوشيال ميديا فيه سم قاتل ويبقى الخبر ويظل مقروناً بمصدره، ولا يجب الترويج لأي أخبار من رواد مواقع التواصل الاجتماعي حتى لو ارتدت رداء الوعظ والفضيلة أو كانت مقرونة بصور أو فيديوهات ملفقة أو في غير موضعها وتاريخها!

حافلة النصر

بمجرد وداع المنتخب السعودي للمونديال عقب انتصار أخير حصده على شقيقه المصري، انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ولقطات فيديو لاستقبال المنتخب السعودي في الرياض بالحجارة التي رمتها الجماهير الغاضبة على حافلة الأخضر، والأمر برمته كذبة أطلقها أحدهم لجذب الأضواء والشهرة، مستعيناً بفيديو لحافلة نادي النصر عقب إخفاقه في بطولة كأس ملك السعودية، فألقت قلة قليلة مندسة من الجماهير السعودية الحجارة على حافلة العالمي، ولكن أحدهم أراد استغلال الفيديو في غير موضعه، فصوره كأنه استقبال للمنتخب السعودي بالحجارة، على الرغم من أن الصحف والجماهير السعودية كانت راضية عن أداء المنتخب السعودي في المونديال، على الرغم من الوداع المبكر، إلا أنه خرج مرفوع الرأس مثله مثل المنتخب الألماني أو النيجيري أو السنغالي الذين حققوا انتصاراً ولم يقف الحظ جوارهم للعبور إلى دور الـ 16.

المنشطات

منذ ودع المنتخب المصري والسعودي من الدور الأول للمونديال انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي آلاف من الأخبار القديمة والمفبركة عن اكتشاف المنشطات في عينات دم لاعبي المنتخب الروسي، وراح البعض للقياس والتحليل عن موقف الفريقين المصري والسعودي بعد إلغاء نتائج الدببة البلد المضيف وتأهل الأخضر لدور الـ 16 في كأس العالم المقامة في روسيا، وبالطبع لم يكن للأمر أي أساس من الصحة، كذلك حدث من عشاق المنتخب الألماني بطل العالم السابق عندما ودع المونديال من الدور الأول، فطار الأنصار لابتداع أي خرف وكذب عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن التنشط للاعبي المنتخب السويدي وعقوبات فيفا، وهو الأمر الذي انتشر كالنار في الهشيم دون أي سند أو حتى تلامس مع الحقيقة، وافترض البعض بناء على أخبار كاذبة كيف أن الاتحاد الدولي يدلس على البعض ويخفي الحقائق وفقاً لنظريات المؤامرة المبنية على هواء السوشيال ميديا المسموم.

ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي تغنى ملايين من المرتادين بالمنتخب الياباني، وكيف قامت جماهير الساموراي الأزرق بتنظيف المدرجات، رغم أن كثير من الصور ملفقة وقديمة، وجماهير تونس كانت أول من قام بتنظيف المدرجات وقلدهم جماهير المنتخب المصري، ولكن لا أحد التفت لفعلة الجمهورين العربيين ولم تتوقف مواقع التواصل الاجتماعي عن التغني بالمنتخب الياباني وحده وتأصيل الصورة الذهنية المسبقة عن اليابانيين، بل وتمني أن تتبع الجماهير العربية نهجه.. رغم أنهم فعلياً من اتبعوا نهج الجماهير العربية.

اعتزال صلاح

ولم تهدأ مواقع التواصل الاجتماعي في مصر منذ خروج الفراعنة من الدور الأول للمونديال، وقد يكون الغضب مبرراً للوداع دون تحقيق أي نقطة، ولكن ما علاقة الغضب بالترويج للكذب، فالسوشيال ميديا ومن خلال مجموعة من أصحاب الحسابات، البعض منها موثق وآخرون مجرد أن لديهم الكثير من المتابعين، قاموا بنشر شائعات بل ووصل الأمر لتصريحات، أن محمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي وأفضل لاعب في البريميرليغ أعلن اعتزاله الدولي، ونشر البعض تصريحات قديمة لمحمد صلاح، أو كلام مفبرك على لسانه أو لسان المقربين منه أنه أعلن عدم استكمال مشواره مع المنتخب المصري بسبب سوء المعاملة أو وجود مؤامرات في داخل أروقة المنتخب المصري، وراح كثيرون بالتحليل للأسباب، وأرجع البعض الأمر للفنانين وتواجدهم في معسكر المنتخب المصري، رغم أن معظم صور الفنانين التي نشرت كانت قديمة ومن مناسبات سابقة ولا تمت لكأس العالم بصلة، وهو الأمر الذي ليس فيه أي أساس من الصحة، واللاعب نفى الأمر، ووكيل أعماله أصدر نفياً قاطعاً، ورئيس الاتحاد المصري هو الآخر نفى، ولكن كرة الثلج التي أطلقها أحدهم كذباً ما زالت تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أكبر من انتشار الحقيقة نفسها.

حافلة البرازيل

وكنوع من جلد الذات نشر أحدهم فيديوهات لاستقبال حافلة المنتخب البرازيلي من الجماهير في بلادهم بقذف حبات الطماطم والبيض الفاسد، معطياً الحكمة في أنهم رغم الوداع من ربع النهائي وبفارق هدف، فالجماهير لم ترض عما قدموه، وانتشر الفيديو بشكل كبير وصار خبراً تلتقي الأصدقاء فيحدثونك عن ارتفاع سقف الطموحات البرازيلية مقابل انخفاض أسقف أحلامنا العربية، رغم أنه بقليل من البحث، فالفيديو قديم ومعاد نشره بعد خسارة المنتخب البرازيلي إمام ألمانيا بسباعية مذلة في مونديال البرازيل 2014، ولا يمت بأي صلة لكأس العالم الحالية ولا بسقف الطموحات، ولكن أحدهم أراد أن يضع نفسه في وضع حكيم الزمان ونشر الفيديو وحكمته وسار خلفه الملايين في كذبته.

كذبة بلجيكا

هناك قاعدة سينمائية هوليودية، هي أن المخرج ومؤلف الفيلم يمكن أن يكذب كذبة غير منطقية في بداية فيلمه، ويبني عليها الفيلم بالكامل لينجذب المتابعون بالأحداث فينسون كذبة البداية، هذا ما حدث مع صورة غلاف المجلة، الذي انتشر كالنار في الهشيم في الأيام الماضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي فيها صور نجوم منتخب بلجيكا عندما كانوا أطفالاً، وصاحب الكذبة ادعى أن الغلاف للمجلة في عام 2002 تتنبأ بمشروع منتخب بلجيكا القوي الذي سينافس على لقب العالم.

أعطى صاحب الكذبة بعضاً من اللون للغلاف ليجعله يبدو قديماً، ونتيجة ضعف دقة الألوان في الصورة لم يستطع أحد قراءة المكتوب إما جهلاً بالفرنسية لغة المجلة، أو لعدم وضوح الكتابة، وطبعاً غلف الإنفلوينسر كذبته بالموعظة، وكيف أن بلجيكا تخطط لفريق الحالي وجمعت لاعبيه منذ كانوا أطفالاً، بينما نحن العرب لا نلتفت للتخطيط طويل المدى في رياضتنا، وللأسف تداولته بعض الصحف نقلاً، ولم نجهد أنفسنا بتقصي الحقيقة في كون صورة الغلاف ليست قديمة وإنما هي صورة غلاف حديث لصحيفة «هات لا تيستي نيوز» البلجيكية في عام 2013، ووفقاً لموقع «غلوبو سبورت» البرازيلي فالتحقيق المنشور منذ 5 سنوات في الصحيفة كان عندما بدأ الجيل الحالي مشواره مع المنتخب البلجيكي، وكان أغلبهم لاعبون أساسيون في منتخب الشياطين الحمر، فأفردت الصحيفة تتحدث فيه عن طفولة نجوم المنتخب البلجيكي الحالي كيف كانت، ووفقاً لمحرر الموضوع نفسه «بيتر جان كالوكو» الذي قال: «استعنا بصور لنجوم المنتخب البلجيكي من أرشيف مدارس الناشئين ومن خلال عائلات اللاعبين.. الأهالي والمدارس وحتى اللاعبين أنفسهم أعطونا صورهم أيام الطفولة لنكتب التحقيق الطريف عن طفولتهم كيف كانت».

رونالدو في يوفنتوس

التقط أحدهم صورة لأحد اللاعبين المغمورين في مطار العاصمة الإيطالية روما، وهو لاعب جديد في صفوف فريق بارما الصاعد حديثاً للسيري آ، واللاعب بالنظارة الشمسية والتشريح الجسدي يشبه إلى حد كبير البرتغالي كريستيانو رونالدو، ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن نجم ريال مدريد وصل إيطاليا لإجراء الفحوصات الطبية، وارتبط الأمر بالطبع بأن النادي الوحيد القادر على شراء نجم بحجم رونالدو في إيطاليا هو يوفنتوس، لينتشر الأمر بسرعة الصاروخ مقروناً بتصريحات سابقة للنجم البرتغالي أشاد فيها بالحمير الوحشية، الذي هو لقب اليوفي الشهير، مع خلفيات قراره السابق بالرحيل عن ريال مدريد، والذي لا يزال محل شك، وأضاف أحدهم لمسته عن طريق الفوتوشوب ليضع رأس رونالدو على جسد أحد اللاعبين الذين تعاقد معهم اليوفي وهو يحمل قميص النادي، وصار الأمر خبراً يتناوله الملايين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ربما فيه شيء من الصحة، ولكن كل ما بني عليه كان مجرد كذب مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد إثبات الانفراد أو لجذب الأضواء، وربما يبقى رونالدو في ريال مدريد أو ينتقل إلى الدوري الإنجليزي، وليس مستبعداً أن تتحقق الشائعة وينتقل فعلياً ليوفنتوس ليتغنى الذي أطلق الكذبة بانفراده.

تعليقات

تعليقات