« البيان الرياضي » يكشف شبكة آسيوية تروّج تذاكر المباريات خلسة

السوق السوداء تضرب المونديال

كشف «البيان الرياضي» في موسكو عن شبكة آسيوية تبيع تذاكر مباريات مونديال روسيا 2018 في السوق السوداء. وبعد مراقبة شديدة لتحركات وسلوك المشجعين الذين يقفون أمام ملاعب البطولة، ولا تبدو عليهم مظاهر الاهتمام بالمباريات ودخول الملعب، توصلنا إلى فك رموز مجموعة متخصصة في تجارة بطاقات حضور المقابلات بطريقة غير قانونية ومخالفة للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم.

تقصٍ

وإيمانا منا بأن التعامل مع مثل هذه الشبكات يحتاج إلى كثير من الحذر والتخفي وراء شخصية مشجع متحمس لحضور مباراة مهما كان ثمن التذكرة، أخفيت البطاقة الصحافية وتظاهرت لأحد أفراد الشبكة بأني أبحث عن تذكرة، كان ذلك قرب ملعب سبارتاك موسكو قبيل مواجهة السنغال وبولندا. اقتربت منه ونظرت في عينه ففهم مطلبي وبادرني بالعرض: تريد تذكرة؟ فأجبته نعم.

فقال: يوجد لدينا تذاكر. سألته عن الثمن فقال 1000 دولار والأمر يتعلق بلقاء السنغال وبولندا.

أعلمته أني أحتاج إلى أكثر من تذكرة لأني أحضر المونديال رفقة مجموعة من الأصدقاء وطلبت منه أن يجهز لي 10 تذاكر. ففاجأني: التذاكر متوفرة على حسب العدد الذي تطلبه.

تواصل مع أحد أفراد الشبكة على الواتس آب، فجاء بدفتر تذاكر على عجل. وطلب مني الانزواء في مكان بعيد عن العيون لدفع المبلغ. وحينما رأيت دفتر التذاكر أوهمته أني سأتصل بأصدقائي عبر خدمة الواتس آب للمجيء وإتمام عملية الشراء. وقبل ذلك سحبت الكاميرا محاولاً تصوير التذاكر، فرفض بشدة واضعاً يده على العدسة. توجس الآسيوي من تعاملي معه، وقال عندما تجهز المبلغ كاملاً سأسلمك التذاكر. ولكن الشك بدأ يساوره بحقيقتي، فانسل بين الحشود واختفى ملقياً بنظرة إلى الوراء يتابعني بها.

تظاهرت له بأني أهملته فسرت في الاتجاه المعاكس، وبعد دقائق عدت أبحث عنه فعثرت عليه بصدد التحادث مع مشجعين لبولندا كان واضحاً أنهما في أمس الحاجة للتذاكر، خاصة وأن الوقت يداهمهما، ولم يبقى سوى دقائق قليلة على صافرة انطلاق مباراة منتخب بلادهم مع السنغال. راقبت العملية من بين المشجعين فرأيت بأم عيني عملية البيع والشراء. سلم الآسيوي تذكرة في يدي كل مشجع وتسلم مبلغاً مالياً بالروبل.

الأمن غائب

يحدث هذا والأمن الروسي يتجول بين حشود الجماهير، ربما همه الأساسي تأمين الحدث العالمي من أية أعمال إجرامية أو إرهابية. ولكن السوق السوداء تنشط أمام عيونه وهو لا يدري، خصوصا في ظل عدم إلمامه بلغات أخرى.

أما الاتحاد الدولي لكرة القدم فحدث ولا حرج، فهو يعيش في برجه العاجي، ويعتبر أن كل كؤوس العالم نظيفة نزيهة خالية من كل الشوائب، ثم تكشف الحقائق والفضائح لاحقاً.

ففي مونديال البرازيل تحدثت الصحافة العالمية كثيراً عن السوق السوداء، وقبضت الشرطة على شبكات مترامية الخيوط من آسيا إلى أفريقيا، وصولاً إلى أوروبا. وكان الأمين العام لفيفا في ذلك الوقت جيروم فالكه يطل علينا في كل مؤتمر صحافي ويكذب وجود سوق سوداء، ولكن الزمن لم يمهله طويلاً، حيث كشفت التحقيقات أن فلكه ذاته هو من يمول الشبكات بالتذاكر!! بمعنى أن فيفا هو من يقف وراء السوق السوداء. هذا كان في البرازيل 2014، أما اليوم في روسيا 2018 لا تزال ملامح القضية غامضة.

شبكة ثانية

ما رصده «البيان الرياضي» من بيع لتذاكر المباريات قبل مباراة السنغال وبولندا ليس الحالة الوحيدة، ولكنه كان جزءاً من سيناريو يتكرر كل مباراة مع الجنسية الآسيوية ذاتها. فقبل مباراة المغرب وبلجيكا لاحظنا وجود باعة تذاكر، يقفون أمام محطة القطار في انتظار الزبائن من الجماهير، يقفون على جنب الممرات ونظراتهم تفحص المشجعين الباحثين عن بطاقات. يتحاشون الاقتراب من الأمن. كلهم في مختلف الملاعب يتصرفون بالطريقة نفسها.

ولكن تذاكر مباراة المغرب والبرتغال كانت تعرض بـ 2000 دولار نظراً لمعرفتهم برغبة الجماهير في متابعة النجم العالمي كريستيانو رونالدو. كما ضاعف السماسرة سعر البطاقة لتوفر عدد الزبائن بما يفوق التذاكر المعروضة، فحضور الجمهور المغربي كان قياسياً وعدد كبير منهم لم يكن بحوزتهم بطاقات دخول. وكانوا مستعدين لدفع أي ثمن مقابل تذكرة المباراة.

وعندما ينشغل الجميع بمتابعة المباريات التي تقام على ملعب لوجينكي في موسكو يقف أعضاء شبكة ترويج التذاكر يتصيدون الزبائن عارضين عليهم تذاكر مباريات منتخبات بلدانهم المفضلة. فهذه اللحظة تبدو بالنسبة إليهم التوقيت المناسب لإتمام الصفقات باعتبار أن عيون الأمن تقل يقظتها بينما ينشغل الآخرون بشاشات عرض المباريات.

فأمام محطة القطار «سبورتيفا» القريبة من ملعب لوجينكي ينتصب أعضاء الشبكة، يقفون بالقرب من بعضهم ويوهمون الناس بأن لا علاقة لأحدهم بالآخر، والحال هم مجموعة واحدة آسيوية الجنسية.

وباتت آسيا لغزاً محيراً بالنسبة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خلال الأعوام الأخيرة، حيث تتموقع شبكات للمراهنات تقف وراء رشاوى حكام وتلاعب بنتائج المباريات في مختلف الدوريات. وساهم نفاد تذاكر مباريات المونديال على موقع «فيفا» في نشاط السوق السوداء، حيث باتت الجماهير تبحث عن البطاقات في مسالك غير قانونية.

بيع في الشارع

والسوق السوداء ليست أمام ملاعب المونديال فحسب، وإنما في قلب موسكو أيضاً. وأنت تتجول في الساحة الحمراء أو الشوارع القريبة منها لا تتفاجأ إذا سألك أحدهم هل لديك تذكرة للبيع؟ وأحياناً يكون السؤال عكسياً: هل ترغب بشراء تذكرة مباراة ما؟ ويدعي عارضو خدمة بيع التذاكر أن لديهم بطاقة واحدة حصلوا عليها من موقع فيفا وأن طرفي المباراة لا يستهويانه! والسؤال المطروح: إذا كان المنتخبان المتنافسان في المباراة لا يعنيان له شيئاً لماذا اشترى التذكرة من موقع «فيفا»؟

إنها ليست إلا خدعة ذكية ينتهجها أعضاء شبكات ترويج التذاكر في السوق السوداء لإيهام الناس بأنهم أبرياء ويبعدون عن أنفسهم شبهة الفساد.

قبل المونديال

وفي الحقيقة فإن السوق السوداء ضربت المونديال قبل أن يبدأ بأشهر، حيث عرضت مواقع إلكترونية تذاكر عدد من المباريات بأسعار خيالية بلغت أحياناً 40 ضعفاً. فتذاكر مباراة تونس وإنجلترا حدد فيفا سعرها بـ 424 دولاراً، بينما عرضها مواقع أخرى أبرزها (تيكومبو وهيب هوب) بـ16686 دولاراً! وهو سعر موجه إلى الإنجليز بصفة خاصة.

مما دفع «فيفا» إلى التدخل العاجل وإصدار بيان يحذر فيه الجماهير من شراء التذاكر من مواقع غير مرخص لها.

وتنص لوائح «فيفا» على معاقبة المشجعين في حال تورطهم بعملية البيع الغير قانونية للتذاكر، بغرامة مالية تتراوح بين 20 و30 ضعفاً، من ثمن التذكرة المعروضة للبيع.

أما المؤسسات الروسية والأجنبية فستكون أمام غرامة مالية مرتفعة تصل إلى 500 ألف روبل روسي، أي ما يعادل 7000 يورو، أو إيقاف نشاطها لمدة ثلاثة أشهر، إن روجت أو طرحت تذاكر مباريات المونديال للبيع.

أما مروجو التذاكر أو ما يعرف بتجار السوق السوداء، فعقوبتهم غرامات قدرها 50 ألف روبل، أي تقريباً 710 يورو.

التعامل بالدولار

ويسعى مروجو التذاكر إلى كسب المال الوفير من المونديال، حيث يشترطون في الغالب التعامل بالدولار وليس بالروبل، وذلك لضمان مبالغ عالية ولتفادي المساءلة من البنوك عن مصادر الأموال عند تحويلها من الروبل إلى الدولار في المطار عند مغادرتهم روسيا، خاصة وأن المبالغ الجملية خرافية، نظراً لعدد التذاكر الكبير الذي روجوه. ولا شك أن هذه الشبكات المتخصصة في الفساد تقرأ حساباً لكل التفاصيل، ولا تترك أثراً للجريمة خلفها، حتى وإن ارتكبتها في وضح النهار ووسط عشرات الآلاف من المشجعين ومئات رجال الشرطة.

وحسب أسعار التذاكر النارية خلال الدور الأول من المونديال فإن بطاقات الأدوار المتقدمة: نصف النهائي والنهائي سيلامس السماء ويكون ضرباً من الجنون. وطالما الباحثون عن التذاكر متواجدون بقوة من السياح في موسكو فإن السماسرة سيتحكمون في السعر.

المأساة مستمرة

يمضي مونديال ويحل آخر والوضع ذاته بالنسبة إلى عاشقي الساحرة المستديرة، إن جلسوا أمام شاشة التلفزيون ابتزتهم القنوات المحتكرة لحقوق البث وسرقت منهم لعبتهم وفرحتهم، وإن سعوا إلى حضور المباريات في المدرجات على أرض البلد المنظم للعرس الكروي تاجر بهم السماسرة في السوق السوداء. فمتى تنتهي مأساة جماهير كرة القدم؟ ومتى يثبت أن «فيفا» نزيهة كما زعم سابقاً بلاتر ويدعي إنفانتينو اليوم؟

تعليقات

تعليقات