كرة القدم.. لعبة الفقراء سرقها الأغنياء

حتى وقت قريب كانت كرة القدم لعبة الفقراء، هم من ابتكرها، وهم من نجح في عالمها المثير قبل أن يسرقها منهم الأغنياء خلال السنوات الأخيرة ويحولونها إلى مصدر لمزيد من الثراء.

منذ العشريات الأولى للقرن الماضي كانت الساحرة المستديرة اللعبة التي يتناسى بها الفقراء همومهم ويضمدون بها جراحهم، يلعبون في الشارع والساحات العامة، وهي لا تكلف شيئاً لأن الكرة قديماً كانت كومة قماش ولاحقاً تباع بثمن زهيد.

والفقراء أيضاً هم من كتبوا تاريخ كرة القدم وهم أساطيرها ونجومها على مر التاريخ، بيليه كان مساح أحذية في شوارع البرازيل ومارادونا وميسي قدما من أحياء فقيرة في الأرجنتين، وكريستيانو رونالدو سليل عائلة فقيرة تسكن جزيرة ماديرا في البرتغال. وجورج وياه بفضل كرة القدم تحول من طفل مشرد في ليبيريا إلى نجم عالمي توج بالكرة الذهبية ثم بات اليوم رئيساً لبلاده!


ولكن اللعبة الحلم، سرق من الفقراء، فالجماهير لم يعد بوسعها اليوم متابعة مباريات كرة القدم مجاناً والتفاعل معها والاستمتاع بمفاجآتها للترفيه ونسيان مصائب ومصاعب حياتهم.
اللعبة سرقت منهم والكرة خطفت من أقدامهم وباتت دجاجة تبيض ذهباً للأغنياء.


أضحى المشاهد والمتتبع المولع بمتابعة مسابقات كرة القدم العالمية يعيش كابوساً يحرمه من ممارسة حقه في مشاهدة رياضة الفقراء «كرة القدم»، وخاصة المسابقات الكبرى التي تحظى بمتابعة واسعة، على سبيل المثال لا الحصر كأس العالم لكرة القدم.


ومنذ شروع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في بيع الحقوق إلى شبكات معينة بعقود طويلة الأمد، تحول المشاهد إلى دمية في يد أصحاب القرار، يستغلون حاجته في المشاهدة ويرفعون من أسعار الباقات المخصصة للبطولات الكروية التي يحتكرون حقوق بثها في مناطق جغرافية معينة.


وفي المغرب، أصبحت بعض الشبكات المحتكرة لحقوق نقل مباريات كرة القدم تشكل هاجساً للمتتبع الكروي، نظراً لضعف القدرة الشرائية لدى المواطن، وهو ما يجعل هذا الأخير يتجه إلى طرق غير مشروعة لسد وإشباع حاجته في متابعة رياضة الفقراء.


وأصبح المواطن والمشاهد الرياضي المغربي يتهافت على اقتناء بعض أجهزة الاستقبال المقرصنة لحقوق بث المسابقات الكروية، نظراً لصعوبة أو استحالة دفع أثمنة الباقات لدى الشبكات الحائزة على الحقوق.

وأضحت السوق المغربية تعج بمختلف أنواع أجهزة الاستقبال بأثمان جد عادية، إذ تحتاج هذه الأجهزة إلى عملية الربط مع الشبكة العنكبوتية «الإنترنت» قصد القيام بتحديثات تمكن المشاهد من متابعة جميع الشبكات العالمية المالكة لحقوق نقل مباريات كرة القدم، طيلة الموسم الكروي.

فيفا غير صادق

وجه نوفل العواملة، الإعلامي الرياضي المغربي الشهير، رسالة قوية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) حول موضوع بيع حقوق بث المسابقات الكروية، مشيراً إلى أن أكبر جهاز كروي مسؤول على كرة القدم في العالم غير صادق في شعاره «من أجل الجميع».

وأشار الإعلامي ذو الأصول الأردنية، إلى أن لفيفا الحق في الربح المادي من خلال بعض المداخيل، نظراً لأن لها مصاريف تتعلق بدعمها الدائم للاتحادات الكروية للبلدان المنضوية تحت لوائها، إضافة إلى إنشاء بعض المسابقات الكروية، ملمحاً في الوقت ذاته إلى أن مداخيل الاتحاد الدولي لكرة القدم الأساسية تكون من خلال بيع حقوق النقل التلفزيوني.


واتهم العواملة في معرض حديثه الاتحاد الدولي بضلوعه في آفة التشفير، من خلال بيع حقوق بث المسابقات الكبرى مثل كأس العالم بعقود طويلة الأمد، وهو ما يقتل المنافسة حسب قوله.


وأكد نوفل العواملة في حديثه مع «البيان الرياضي»، أن فيفا تتبنى سياسة تساعد على الاحتكار، وتمنع تواجد شبكات منافسة، مشيراً إلى أن هذه المنافسة غير شريفة بالمرة، مقدماً بعض الحلول الكفيلة بالمساهمة في التقليل من التشفير والاحتكار، وذلك ببيع حقوق كل نسخة على حدة، لفتح المجال أمام عروض أفضل من طرف مؤسسات أخرى، مشدداً على أن سياسة ومبدأ البيع على المدى البعيد يؤزم الوضع وخاصة في الشرق الأوسط.


وفتح الإعلامي الرياضي المغربي النار في وجه الشبكات المحتكرة في الشرق الأوسط قائلاً: «كيف لشبكة في الشرق الأوسط أن تنزل لشراء مسابقة منظمة في إفريقيا، وذلك لسبب بسيط هو غياب شبكة من الحجم الكبير قادرة على الشراء.. أعتقد أن بث منافسة مثل كأس العالم داخل الشرق الأوسط لا يجب أن يقف حائلاً أو عائقاً لعرضها في الشبكات المحلية، وهو ما نراه في جنوب إفريقيا وفي أماكن أخرى، وذلك من أجل تحقيق العدالة».


واستطرد في حديثه قائلاً: «الانتشار والإشعاع في كرة القدم لا يتحقق إلا إذا كانت هناك مشاهدة حرة، بما أننا نتحدث عن الشرق الأوسط والعالم العربي بشكل عام، فنحن نتحدث عن شعوب قدرتها الشرائية ضعيفة نوعاً ما، وبالتالي ليس بإمكان الجميع اقتناء الباقات الخاصة بكأس العالم على سبيل المثال، كيف يعقل أن يتجه الناس للمقاهي لمشاهدة منتخبات بلدانها وهذا عيب، أرى أنه يجب أن تكون صيغة توافقية من خلال تعميم الكواليس حصرية لشبكة معينة، مع تمكين الجميع من مشاهدة المباريات».


التجربة الألمانية

أكد إبراهيم حنيفي، خبير كرة القدم الإيطالية في قناة «الهداف» الجزائرية، أن الأموال أصبحت تحكم وتسيّر كرة القدم، مشيراً إلى أن مقولة «كرة القدم للفقراء» أضحت من الماضي.

وصرح إبراهيم حنيفي لـ«البيان الرياضي» قائلاً: «لطالما سمعنا بمقولة كرة القدم للفقراء، لكنها زالت مع مرور الوقت، خاصة في ظل المبالغ المالية التي أصبح المشاهد مطالباً بصرفها لمشاهدة لعبة الملايين ومعشوقة الجماهير».
وأضاف: «الأموال هي التي تسير وتحكم اللعبة، وذلك من طرف أشخاص يجهلون تماماً ما تعنيه للفقير، ويفرضون قرارات زجرية في حق المشاهد ومنها تشفير المباريات».

السعودية تتحدى


وما بين شد وطلب، رفض ثم حرمان، هكذا عاشت الطبقة الكادحة العاشقة لكرة القدم مع ما ظهر على الشارع الرياضي السعودي خلال الأيام الماضية بعدما رفضت لجنة الاتصال والتسويق في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إعطاء حقوق البث والنقل لبعض القنوات «الحكومية» للدول المشاركة في مونديال روسيـا 2018 بعد تمسك قنوات BinSport بكامل حقوقها في بث المباريات في دول الشرق الأوسط.

تعديل القوانين

وشدد الإعلامي السعودي في صحيفة «الاقتصادية» فهد الصيعري على ضرورة أن يراجع فيفا ولجنة التسويق عقد النقل المباشر وحصرية البث مع القنوات والسماح على الأقل للدول المشاركة بنقل مبارياتها والسماح لمواطنيها بمشاهدة منتخب بلدهم بتحليل وصوت وطني.

الحل

وقال قاسم أحمد «مواطن سعودي» صاحب محل بيع أجهزة النقل (ريسفير) إن كثيراً من المرتادين للمحل يتساءلون عن طرق مشاهدة مباريات مونديال العالم خاصة بعد منع بيع قنوات «بين سبورت» في السعودية، فالحل الوحيد هو متابعتها عبر المواقع في الشبكة «العنكبوتية» التي تنقل المباريات، وهذا يحتاج لخدمة إنترنت عالية الجودة والسرعة.

تجميع الشعوب

وأضاف الإعلامي صالح عبد القادر في صحيفة «الكأس» السعودية سابقاً إن القرار ظالم للشعوب الفقيرة، وبطولة كأس العالم ولدت لتجمع الشعوب ولكي يتسوى الفقير والغني، فالدول العربية أكثر دول تضررت بسبب التشفير واضطر الجميع للرحيل للمقاهي ودفع المبالغ لهم من أجل مشاهدة مباراة لمنتخب بلادهم. قيمة الريسيفر للقناة المحتكرة وصل إلى 2500 ريال سعودي من أجل بطولة كأس العالم. في المقابل كانت بداية هذه القناة بـ 300 ريال الاشتراك لمدة سنة كاملة.

ابتزاز

عبد العزيز الزلال من جريدة «اليوم» السعودية قال: من وجهة نظري المتواضعة إن كرة القدم متعة الفقراء، ومن حقهم الاستمتاع ومتابعة أكبر محفل رياضي كروي عالمي، وما يحدث لدينا من تشفير اعتبره ابتزازاً وليس تشفيراً بالأسعار المبالغ فيها جداً بالنسبة للفقراء، من وجهة نظري متعة الفقراء اختطفها منهم الأغنياء بالتشفير.

الضحية عشاق الكرة

وأضاف خالد بن كلّاب: تشفير مباريات المونديال هو حرمان للمشاهد البسيط من المتنفس الأول للترفيه لديه (كرة القدم) ومزاحمة للفقراء على ما في جيوبهم التي قد تكون أحياناً قوت يومه له ولأبنائه في مقابل تكوين إمبراطوريات إعلامية تجارية بحتة تغيب وتحضر حسب رؤية التاجر للسوق، فمالك قنوات اليوم هو تاجر المقاولات غداً ليأتي التاجر من بعده ليستلم زمام الأمور والضحية واحدة وهي مشاهد بسيط ذنبه الوحيد أنه (عاشق) لكرة القدم.

غضب مصري

وفي مصر ساد الشارع الرياضي غضب شديد خلال الأسابيع التي سبقت كأس العالم، حيث تعجز فئات الطبقات الاجتماعية المتواضعة عن دفع معلوم الاشتراك لدى القناة المحتكرة للبطولة.

ويعتبر الجمهور الكروي في مصر أن القناة القطرية الناقلة للمونديال تستغل حبهم لكرة القدم لتتاجر بهم، وأصبحت تحرمهم من حلم كان في ما مضى بسيطاً ومجانياً.

وتواجه قنوات «بين سبورت» انتقادات كبيرة في مصر وغيرها من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث حرمتهم من متابعة أنديتهم المفضلة ثم منتخبات بلدانهم المشاركة في نهائيات كأس العالم. ويرى مشجعون عرب أن القناة بالغت في ابتزاز المشاهدين مادياً، وتسعى لمزيد تفقيرهم مالياً وتهجيرهم من عالم كرة القدم.

تعليقات

تعليقات