لن يكون مستغربا أبدا إذا ما قلنا إن الألمان وفي غالبية جوانب الحياة كثيرا ما يقدمون درسا، بل دروسا يمكن الاستفادة منها، حدث هذا في مونديال البرازيل 2014، الهجوم حتى الرمق الأخير، احد تلك الدروس التي اجزل بها المنتخب الألماني لكرة القدم على كل متابعي ومراقبي وعشاق الساحرة المستديرة في الحدث العالم الكبير.
الألمان عانقوا لقب كأس العالم بجدارة واستحقاق بعدما هزموا ميسي ورفاقه في النهائي الكبير بهدف دون رد، عادوا بالكأس العالمية إلى بلادهم بعد غياب دام لأكثر من عقدين من الزمن وتركوا في بلاد »السامبا« دروسا عدة، لعل من بينها، رفض العودة إلى الخط الخلفي عند التقدم بهدف على منافسيهم، جعلوا من التقهقر إلى الدفاع خطاً أحمر في قاموس »الماكينات« الخارقة القوة والفاعلية.
آخر دقيقة
واجهوا جميع منافسيهم في البطولة برغبة الفوز إلى آخر دقيقة، لم يتركوا مجالا للآخر في اللعب من أجل إيجاد ثغرة، مجرد ثغرة في أي من أجزاء »الماكينة« الألمانية المتماسكة، ألغوا فكرة السلوك الطوعي أو التصرف الحر من قبل اللاعبين داخل المستطيل الأخضر بعيدا عن المدرب في إمكانية الدفاع للمحافظة على هدف التقدم، أعطوا دليلا لا يحتاج إلى أدلة على مدى التزامهم الحرفي بكل تعليمات مدربهم البارع لوف، لم يخرج علينا لاعب، نجما أو عاديا ببدعة العودة إلى الدفاع بداعي المحافظة على الفوز، وضعوا كل ذلك خلف ظهورهم بأداء جماعي راق يصلح ليكون درسا لجميع المنتخبات في العالم.
النجم الأوحد
الدرس الألماني البليغ المتمثل في انتهاج الهجوم أسلوبا أوحد حتى الرمق الأخير للمحافظة على الفوز، تجسد في جانب كبير منه في حقيقة الابتعاد التام عن تكريس فلسفة النجم الأوحد في تشكيلة »المانشافت«، لعبوا بروح الفريق الواحد، كتلة واحدة اتسمت في غالب الأوقات بالصلابة والقوة القاهرة المتعذر على أي منافس المساس بها، صنعوا منتخبا جديرا بمعانقة كأس العالم للمرة الرابعة في تاريخ الكرة الألمانية.
الأيام بيننا
الدرس البليغ أثبت أن الألمان هم الأجدر بلقب النسخة العشرين من بطولة كأس العالم، جسدوا كل ذلك وغيره على ملاعب بلاد »السامبا« اثبتوا حقيقة أنهم عملوا على بناء منتخب قوي منذ العام 2009، وليس قبل شهر أو شهرين أو حتى سنة من موعد مونديال البرازيل 2014، منحوا مدربهم الفذ لوف كل الدعم، وضعوا ثقتهم في كل النجوم الكبار عمرا، فتحوا نافذة التألق أمام الشبان الصغار عمرا، زرعوا أصنافا مميزة من الإبداع في النسخة العشرين من بطولة كأس العالم، مهدوا الطريق إلى جني الثمار في بطولتي أمم أوروبا في فرنسا 2016، ومونديال روسيا 2018، والأيام بيننا!
أحمد عيسى
الزميل احمد عيسى الناقد الرياضي المعروف في قناة أبوظبي الرياضية، وأول »كابتن« لمنتخب الإمارات الأول لكرة القدم، شدد على أن المنتخب الألماني جدير بالفوز بلقب النسخة العشرين من بطولة كأس العالم، مبديا إعجابه الفني بالمستوى الذي قدمته »الماكينات« طوال مبارياتها في مونديال البرازيل 2014، مشددا على أن الألمان بارعون في اللعب بروح الفريق الواحد ليس في مجال كرة القدم فحسب، بل في مختلف جوانب الحياة.
رصيد الإحساس
وأوضح الزميل عيسى قائلا: المنتخب الألماني ربما هو المنتخب الوحيد من بين كل المنتخبات المشاركة في مونديال البرازيل الذي عزز رصيد الإحساس لدى متابعيه في أنه الأقدر على الفوز باللقب في نهاية المطاف، وهذا ما تأكد وتجسد على أرض »الماراكانا« أمام التانغو الأرجنتيني بقيادة ميسي، الألمان لعبوا بنسق متصاعد أظهر مدى تميزهم وقوة إعدادهم للبطولة.
اللقب الرابع
وأضاف الزميل عيسى قائلا: منذ البداية، رشح غالبية النقاد المنتخب الألماني لبلوغ المربع الذهبي، وبعد مباراته الأولى التي اكتسح فيها البرتغال برباعية، تعزز الإحساس لدى النقاد بأن الألمان في طريقهم إلى اللقب الرابع لا محال، وهذا ما حصل نتيجة تطبيق الألمان فلسفة تكاد تكون مجتمعية لديهم، والمتمثلة في اللعب بروح الفريق الواحد وعدم تكريس مفهوم النجم الواحد في عملهم الجماعي استنادا إلى التنظيم العالي وتوزيع الجهد والحرص على احترام المنافس بغض النظر عن هويته.
صناعة الدروس
وشدد الزميل عيسى على أن الألمان صنعوا دروسا عديدة في بلاد »السامبا« من أبرزها عدم الركون إلى الدفاع عند تقدمهم بهدف عبر اعتماد الهجوم واللعب بقوة حتى الرمق الأخير من زمن المباراة، وهذا ما اتضح في الكثير من المباريات وآخرها أمام المنتخب الأرجنتيني، رغم أن هدفا واحدا يكفيهم لمعانقة اللقب لكنهم عمدوا إلى الضغط على التانغو كما لو أنهم هم المتأخرين بهدف وليس المنافس!
1
بعدما عانق لقب النسخة العشرين من بطولة كأس العالم لكرة القدم، يكون الألماني هو المنتخب الأوروبي رقم 1 الذي ينال اللقب في ملاعب قارة أميركا الجنوبية وبعيدا عن ميادين القارة الأوروبية، حيث درجت العادة على أن يفوز منتخب أوروبي باللقب عندما تقام البطولة في القارة العجوز، وكذا الحال مع منتخبات قارة أميركا الجنوبية، ولكن في العام 2014، كسر »المانشافت« القاعدة المعول بها منذ العام 1930 وفازوا باللقب في اشهر ملاعب العالم »الماراكانا«.
25
يبلغ متوسط أعمار لاعبي المنتخب الألماني الأول لكرة القدم 25 سنة، ما يعني أن معظم عناصر التشكيلة الذهبية الحالية لـ»الماكينات« ستكون حاضرة في مونديال روسيا 2018 مرورا ببطولة أمم أوروبا في فرنسا 2016، ما يزيد من حظوظ »المانشافت« في زيادة غلتها من الألقاب العالمية والقارية خلال السنوات القليلة القادمة وبما يجعلها الظاهرة القادمة وبقوة إلى عالم الساحرة المستديرة سواء على صعيد الأندية أو المنتخبات لا سيما بعد انطفاء وهج الظاهرة الإسبانية.




