"جرافيك"

نادراً ما يمر أي حدث عالمي دون بلبلة، أو انتقادات، أو حتى شائعات تستهدف جانباً معيناً منه، وشأن تلك الأمور طالت الحدث الكروي العالمي، الذي يأخذ مكانه في البرازيل، حيث تم اتهام مسؤولين بالفساد على خلفية الإعلان عن تكلفة بناء الملعب الوطني غرانشيا ماني، بحوالي 1.9 مليار دولار.

وكما يقول المثل «أهل مكة أدرى بشعابها»، كذلك شعب البرازيل هم أدرى بتلك المسألة، نظراً لاستضافتهم لذات البطولة سابقاً. وبعيداً عن التأكد من حقيقة تلك المزاعم، والتركيز على الجانب الاقتصادي الفعلي للبلد، فإن كأس العالم 2014 في البرازيل، الذي يستمر لمدة شهر، سيشارك فيه نحو 32 بلداً، وتعقد فيه ما مجموعها 64 مباراة، في 12 مدينة في أرجاء الدولة المستضيفة البرازيل، وتحديداً في الملاعب الجديدة أو التي تم تجديدها. وهي المرة الثانية للبرازيل كبلد مستضيف للكأس العالمية، بعد استضافتها للبطولة عام 1950.

وتوافد مئات الآلاف من المشجعين من جميع أنحاء البسيطة، على أمل رؤية وتخليد فوز منتخب بلادهم. بعدما نال ذلك الشرف، الإسبان حاملو لقب عام 2010. غير أن الجدل حالياً يحوم، وبشكل لا علاقة له بالمباريات، حول التأثيرات الاقتصادية للمونديال الكروي. إذ يقال إن التكلفة التقديرية لاستضافة دورة كأس العالم الجارية يمكن أن تصل إلى أكثر من 11 مليار دولار، ما يجعلها أغلى كأس عالمية لكرة القدم، منذ أن بدأت المنافسة قبل 84 عاماً.

وبحسب موقع «سي إن بي سي»، فقد تناثرت في الأوساط البرازيلية، أخيراً، اتهامات بالفساد، من ناحية الإنفاق المفرط للأموال من قبل الحكومة البرازيلية على البطولة، بدلاً من تحسين البنية التحتية المحلية وترقية المساكن. ويتم تداول أن العديد من مواقع إقامة المباريات ما زالت قيد الإنشاء، وأن بعضاً آخر من المواقع التي تم إتمامها هي في واقع الأمر في وضع سيئ.

ومن جانبها، دافعت رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، عن المبالغ التي تم إنفاقها على البطولة، مشيرةً إلى أن ذلك سيعزز من بنية البلاد التحتية، ويحفز الاقتصاد. وأن البرازيل قد تخطت، إبان استعدادها للاستضافة، جميع العقبات الرئيسة. مبينةً أن «نتيجة المباريات وكل ما يتعلق بها من احتفالات تستحق عناء كل ذلك».

دفعة اقتصادية

ومن المعلوم أن دولة الفريق الفائز بكأس العالم تتلقى، غالباً، دَفعةً اقتصادية مُعتبرة، على الأقل في الشهر الأول الذي يلي البطولة.

إلا أنه على المدى الطويل، فإن لجول ريميه جانباً سلبياً، بهبوط اقتصاد دولة الفريق الفائز بحوالي 4 %، مقارنة باقتصاد العالم، ولذلك، فإن ثمن الفوز بتلك المباريات ليس هيناً أو بخساً.

إلا أنه يمكننا النظر للجانب المشرق، فمثلاً نطاق أسعار الرحلات الجوية الاقتصادية من المدن الرئيسة في أميركا، لمدينة ريو دي جانيرو، يتراوح ما بين 1200 دولار إلى 4200 دولار. ما يبين أن كأس العالم يأخذ نصيبه من التضخم. فالسفر من أميركا للبرازيل سيكلف نحو 40 % أكثر مقارنة مع أسعار العام الماضي. ولك أن تضرب المثال السابق على بقية الدول.

 

إن المبالغ المالية المخصصة لكأس العالم طائلة. إذ يكلف بناء ملعب «استاديو ناسيونال» في برازيليا نحو 900 مليون دولار، وهذا المبلغ ضعف ما تم تقديره بنحو ثلاث مرات، ما يجعله ثاني أغلى ملعب كرة قدم في العالم، بعد ملعب ويمبلي في إنجلترا، بكلفة 1.25 مليار دولار. قد تكون المفارقة هنا، أنه لا يوجد فريق كرة قدم محلي في برازيليا لاستخدام الملعب بعد انتهاء مباريات البطولة

نقطة تحول

بوقوع كأس العالم في البرازيل في متاهة الجدل، فإنه قد يكون نقطة تحول بالنسبة للمناسبات الرياضية الكبرى، من ناحية الضغط على الكيانات المسؤولة عن تلك الأحداث، كاللجنة الأولمبية الدولية، بالقبول والرضى بعروض استضافة أقل طموحاً، من ناحية التكلفة، أملاً ورغبةً بتقليل مخاطر انبثاق ردود أفعال معارضة. ويمكن ببساطة تقديم مثالٍ لتلك المعارضات، وهي حالة السخط الأخيرة للمتظاهرين في البرازيل، والتي شهدها مرتادو المونديال، أثناء مباراة الأرجنتين أمام البوسنة والهرسك أول من أمس، والتي انتهت بفوز الأرجنتين.

واليوم، تسعى القليل من الدول لاستضافة أحداث ضخمة، حتى إن بعض الرعاة قد شرعوا بالتساؤل بينهم وبين أنفسهم عن «تأثير تلك الأحداث» فيهم.

وعلى الرغم من أن طبيعة عملية التنافس لتنظيم تلك الأحداث لا تزال تحصل على الدعم، هناك شعور متزايد بين سكان المدن والدول للنظر إلى أمر أن يكون بلدهم دولةً مستضيفة لأحداث رياضية كبرى، ليس بالضرورة أن يكون أمراً إيجابياً، دائماً.

 

وعي

تغيير الطريقة التي تتم بها هيكلة تلك الأحداث الرياضية ليس أمراً سهلاً. ففي بلدان أخرى باقتصادات كرة القدم أكثر تقدماً، كبريطانيا أو ألمانيا، من الضروري بناء الملاعب، وكذلك تحسين البنية التحتية لاستضافة أحداث، مثل كأس العالم.

والتحدي هو كيفية جعل تلك الأحداث أقل إثارة للجدل من دون استبعاد الدول النامية التي تحتاج دوماً للاستثمار بكثافة، بغية الحصول على عائدات أعلى.

وصرح أكثر من مصدر للفيفا، بأن هناك وعياً متزايداً بالمسؤولية الاجتماعية والاقتصادية، جاء متزامناً مع كأس العالم.