يعتبر المدرب الفرنسي كلود لوروا من أشهر خبراء كرة القدم في العالم نظراً لتجاربه التدريبية الثرية، حيث درب في مختلف القارات تقريبا وتجول بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، لكن أفضل إنجازاته كانت بالقارة السمراء مع أسود المنتخب الكاميروني عندما قادهم إلى الفوز بكأس أفريقيا.

لوروا يحضر مونديال البرازيل 2014 كمحلل تلفزيوني لإحدى القنوات، التقيناه بالمركز الإعلامي لملعب مينيرو بعد مباراة المنتخبين البرازيلي والألماني، وكان لـ »البيان الرياضي« الحوار التالي معه خصصناه لتقييم المونديال:

كيف تقيّم مونديال البرازيل؟

أعتبره من أفضل البطولات فنيا، حيث شهد منافسة قوية بين منتخبات متقاربة جدا في المستوى، لذلك احتكمت أغلب مباريات الأدوار المتقدمة إلى الأشواط الإضافية وركلات الترجيح، المونديال يعد نقلة نوعية في تاريخ كرة القدم وعلى الفنيين أن يقوموا بدورهم ويعدوا الدراسات والتحاليل العلمية المستندة على الأرقام والإحصائيات حتى تستفيد منها الاتحادات المحلية والأندية في مختلف القارات، أعتقد أن مونديال البرازيل يستحق الدراسة وهو يعكس فعلاً تطور العمل على مستوى الأندية التي باتت تعتمد على المنهاج العلمية في التدريب والإعداد البدني والذهني، منتخبات المونديال كانت محترفة بأتم معنى الكلمة بينما كانت الدورات السابقة تشهد منافسة غير متوازنة بين منتخبات أوروبية محترفة ولاتينية موهوبة وأخرى أفريقية وآسيوية هاوية، في مونديال البرازيل تساوت المنتخبات في مستوى الإعداد خلال السنوات الأخيرة فكان المستوى متقاربا.

نتائج عريضة

لكن هناك منتخبات فازت بنتائج عريضة وصلت إلى 7-1 و 5-1؟

يحدث هذا في كرة القدم ويدخل في باب الاستثناءات، هذه حالات لها أسبابها، فحالة المنتخب البرازيلي تعود إلى انهيار معنويات اللاعبين وتشتت تركيزهم بسبب غياب النجم الأول نيمار، وهذه ضريبة المنتخبات التي تبنى على النجم الواحد، لكن في العموم فإن المستوى كان متقارباً، مثلاً المنتخب الكوستاريكي فاز على إيطاليا وأوروغواي، هل تعتقد أن ذلك صدفة، ومنتخب الجزائر صمد أمام المنتخب الألماني حوالي 120 دقيقة وهذا ليس صدفة بل لأن لاعبي الجزائر محترفون في أوروبا ويتدربون في نفس الظروف التي يتدرب بها لاعبو ألمانيا، فالبيئة الكروية الواحدة تمنح نتيجة واحدة مع فوارق تحكمها المهارات الفردية.

تعدد الآراء

تعددت الآراء التي تعتبر مونديال البرازيل ناجحا على المستوى الفني هل لك أن توضح أكثر؟

لقد ذكرت سابقا تقارب مستوى المنافسة وأضيف كذلك نسق اللعب كان سريعا جدا في المونديال، حتى أني قرأت في الصحافة العالمية أن »فيفا« أوصى الحكام بعدم إيقاف اللعب والتغافل عن المخالفات البسيطة، وهذا يعكس استغراب رجال الإعلام والمحللين من سرعة النسق غير المعهودة لأن »فيفا« لا يمكنه أن يرتكب حماقات كهذه وأنا هنا لست في منصب المدافع عنه، كما شهد المونديال تسجيل عدد كبير من الأهداف وعبر التاريخ لم تهتز الشباك بهذا الكم إلا في مونديال فرنسا عام 1998 حيث سجل المهاجمون 171 هدفا، متعة كرة القدم في الأهداف ومونديال السامبا وفر هذا الجانب المهم للجماهير لذلك يجمع الفنيون على أنها كأس عالم ناجحة فنيا، فعدد الأهداف أحد المقاييس المهمة في تقييم المونديال وأي بطولة، فإذا غابت الأهداف يعني أن ثمة خلل ما في اللعبة.

تألق الحراس

ولكن بماذا تفسر مونديالاً يشهد عددا كبيرا من الأهداف وتألق حارس المرمى في نفس الوقت؟

بالعكس تماما تزامن تألق حراس المرمى مع عدد كبير من الأهداف يؤكد أن المستوى الفني للمباريات كان جيدا جدا، لأنه لو كان الحراس بمستوى ضعيف لقلنا أن الأهداف المسجلة ليست نتيجة عمل فني خلال التدريبات وإنما لمجرد أخطاء من حراس المرمى، البطولة القوية هي التي تسجل فيها الأهداف بغزارة رغم تألق الحراس وهذا سمة مونديال البرازيل.

حضرت مباراة البرازيل وألمانيا بالملعب ما سر سقوط السامبا؟

لنشهد أولاً أن المنتخب الألماني في الوقت الحالي أفضل على جميع المستويات من المنتخب البرازيلي، وحتى لو كان نيمار في التشكيل الأساسي فإنه لن يغير واقع المباراة ومن الصعب جدا أن تفوز البرازيل، رجال سكولاري لم يقدموا مردودا جيدا خلال المونديال ودعني أقول أنها تلك حدود إمكانيات اللاعبين، منتخب البرازيل في كأس القارات العام الماضي ليس بنفس مستواه الحالي ذلك أن نصف اللاعبين فقدوا الكثير من إمكانياتهم أين توهج فريد وأهدافه الحاسمة التي يحققها من أنصاف الفرص وأين الهجمات القوية لهالك، أتساءل عن مستوى دانتي ومارسيلو ومايكون أمام ألمانيا، منتخب السامبا واجه ألمانيا بمعنويات مهتزة وكان فاقدا للتركيز لقد غلبت العواطف على الجانب العقلي لدى اللاعبين، تصرفوا فوق الميدان كأنهم مشجعون وليسوا لاعبين محترفين، مباراة بحجم قمة بين ألمانيا والبرازيل تحتاج إلى تركيز وصبر وصمود وفي الآن نفسه اقتناص الفرص السانحة لقتل المباراة.

وكيف ترى الحل حتى يتجاوز السامبا أزمته ؟ هل تساند فكرة تجديد الفريق مثلا؟

ضرورة ملحة

التجديد ضرورة ملحة وهو الحل الأمثل، هناك لاعبون في المنتخب البرازيلي يلعبون بأسمائهم وهذه كارثة في كرة القدم عانت منها في السابق منتخبات كبيرة، أعتقد أن المنتخب الحالي للبرازيل يمكن أن يبقي على نيمار وأوسكار وديفيد لويس و تياغو سيلفا وراميريز أما البقية فقد حان الوقت للتخلي عنهم لأن الأمر يحتاج إلى ثورة وليس لمجرد إصلاحات طفيفة.

أنت خبير بكرة القدم الأفريقية بحكم تجاربك العديدة في القارة السمراء ماهي أسباب نجاح المنتخب الجزائري؟

الجزائر تمتلك جيلاً رائعاً من المواهب التي صقلت في الأندية الأوروبية وتعلمت هناك أبجديات كرة القدم، لقد لعبوا المونديال بروح انتصارية كبيرة وكانوا منظمين جيدا فوق الميدان خلال المباريات حتى أن المنتخبين الألماني والروسي واجها صعوبات كبيرة في الوصول إلى مناطق الحارس رايس المويلحي، ليس من باب الغرور أن أذكر بأني تكهنت بتأهل المنتخب الجزائري قبل انطلاق المونديال لأني تابعته جيدا خلال التصفيات ورأيت به صفات الفريق القادر على النجاح.

تألق الجزائر

وهل كان بإمكانه تجاوز ألمانيا وبلوغ ربع النهائي مثلما فعلت كوستاريكا؟

المنتخب الجزائري قدم مباراة كبيرة جدا أمام ألمانيا وصمد أمام أقوى هجوم في المونديال، ومسألة فوزه كانت تحتاج إلى وجود مهاجم كبير قادر على صنع الفارق لوحده، ولكن ما حققه الجزائريون مشرف للكرة الأفريقية ويجب على الاتحاد أن يبني على هذه النتيجة ليحقق ما هو أفضل في المستقبل لأن العمل الإداري هو أكبر مشكلة في الكرة بالقارة السمراء، فالمواهب متوفرة ولكن الإحاطة والتسيير ضعيف.

فرنسا كانت مرشحة للعب الأدوار الأولى بعدما تألقت في البداية لكنها خرجت من ربع النهائي أمام ألمانيا بهدف، هل كانت قادرة على الذهاب بعيداً؟

نعم كان ذلك ممكنا لو لعب الفريق بجرأة أكبر في الهجوم وحسم الفرص التي توفرت له أمام المنتخب الألماني، الديوك الفرنسية كانت من أفضل منتخبات المونديال خلال الأدوار الأولى وقدمت أسوأ مباراة لها أمام ألمانيا فخرجت، المنتخب الألماني كان ذكيا وتعامل بدهاء حيث خطف هدف التقدم ثم عرف كيف يتصرف في المباراة تارة يهاجم ليربك دفاعات فرنسا وينذرها بالخطر حتى لا تتقدم وتساند الهجوم وعندما يفقد الكرة يحسن العودة السريعة إلى مناطقة ويحاول قطع الهجمة قبل أن تصل إلى خط 18 مترا بفضل خيرة الثلاثي خضيرة وكروس وشفايني.

 

رأي

لا داعي للخجل بعد الهزيمة

طالب الفرنسي كلود لوروا منتخب بلاده بضرورة عدم الشعور بالخجل من الخروج أمام ألمانيا في مونديال البرازيل بعدما قدم الديوك مستوى جيدا وشتان بين مونديال جنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014، لافتا إلى أن المفرح في فرنسا أن الفريق يضم عناصر من الشباب يجب أن تواصل العمل بنفس العطاء حتى تكون جاهزة ليورو 2016 حيث سيقام على أرضها وبالتالي فإنها ستكون مطالبة باللقب، معتقدا أن المونديال كان درساً رائعاً ومفيدا للاعبين الشباب قبل يورو 2016.

 

تواضع

تدريب فرنسا فرصة للشباب

أكد المدرب الفرنسي كلود لوروا أن تدريب منتخب الديوك الزرقاء حلم كبير لكنه يرى أن المدربين الشباب الأجدر به في الوقت الحالي وخلال الأعوام المقبلة.

وأوضح لوروا: كل مدرب يطمح إلى تدريب منتخب بلاده بكل فخر واعتزاز لكن بالنسبة لي أعتقد أن الكرة الفرنسية أنجبت جيلاً رائعاً من اللاعبين خلال العقدين الأخيرين يمكن أن يحملوا المشعل في المستقبل، اليوم منتخب فرنسا يشرف عليه ديشامب وسبقه لورا بلان وربما يأتي زيدان وآخرون في الأعوام المقبلة.

 

تجربة

سر التخصص في الكرة الأفريقية

كشف كلود لوروا أنه لم يفكر في بداية مسيرته التدريبية أن يتخصص في الكرة الأفريقية ويخوض أغلب تجاربه في القارة السمراء لكن نجاحات تجاربه الأولى مع الكاميرون جعلت أسهمه ترتفع وظل يتلقى باستمرار عروضاً لتدريب المنتخبات الأفريقية، مشيرا إلى أنه حاول الخروج من عباءته الأفريقية وخاض عام 2008 تجربة مغايرة تماماً حيث درب المنتخب العماني، كما درب ماليزيا وسوريا.

وسبق لكلود لوروا أن درب أندية فرنسية منها سترازبورغ.