تعيش الأندية البرازيلية هذه الأيام على وقع نهائيات المونديال، وفتحت أبوابها للجماهير لتستعيد الذاكرة بجولات في متحف الفريق ومتابعة أفضل المباريات ، وبعد زيارة نادي بوتافوغو منذ يومين، يحل "البيان الرياضي" في ضيافة فلومينينزي أحد أشهر الأندية البرازيلية .
والذي يعد مدرسة الأساطير ومهد الزمن الجميل الذي يضم لائحة طويلة من العمالقة أبرزهم ريفيلينو وباريرا براغا (الذي درب نادي الجزيرة) وصولاً الى تياغو سيلفا كابتن السيليساو في المونديال حاليا وزميليه مارسيلو والهداف فريد، والذي يخفق لهم قلب فلومينيزي في رحلتهم مع السامبا.
وعند الوصول الى مقر نادي فلومينينزي يطالعك في المدخل الرئيسي صورة عملاقة للثلاثي تياغو ومارسيلو وفريد كتعبير على تضامن النادي ومساندته له خلال مشاركته الحالية في المونديال.
قلب فلومينينزي يخفق للاعبيه الثلاثة المتواجدين حاليا في معركة المونديال وكلما وطئت قدماك مكانا في النادي لمحت صورهم، فالنادي يعتز بأبنائه ويفخر بإنجابه لنجوم يساهمون في إنجازات منتخب بلادهم.
وفي بهو مقر فلومينينزي علقت لافتة كبيرة الحجم كتب عليها باللغتين البرتغالية والانجليزية: "افخر يا فلومينينزي ديدي أول لاعب سجل هدفا في ملعب ماراكانا القديم.. وفريد أول لاعب يهز الشباك في ملعب ماراكانا الجديد".
وعلى لافتة أخرى كتب النادي بمناسبة مونديال 2014: "اوزفالدو لاعب فلومينينزي سجل أول هدف في تاريخ منتخب السامبا". ونادي فلومينينزي كان دائما الممول رقم واحد للمنتخب البرازيلي عبر التاريخ وقدم له أجيالاً ذهبية من بداية القرن العشرين حتى اليوم.
أسماء لامعة لم يمحها الزمن من ذاكرة الجماهير مثل : ريفيلينو وايدينيو وكارلوس البرتو وفليكس وبريغينيو وكلهم نجوم لن تتكرر، وقد لا يجود الزمان بمثلها مرة ثانية، نجوم لها مكانة خاصة عند البرازيليين، والذين عاصروهم واستمتعوا بروائعهم على المستطيل الأخضر.
حماس
ويحدثك المتواجدون في مقر النادي بحماس كبير عن نجوم فلومينينزي.. يصفون لك مهاراتهم وحركاتهم وأهدافهم.. طريقتها وعددها.. وماذا قالوا بعد كل مباراة.. لم ينسوا شيئاً، تخال نفسك تقرأ سيرة ذاتية للاعب وأنت تستمع لمن يقص عليك حكاية ريفيلينيو وبراغا وكارلوس ألبيرتو وفيلكس وايدينينو وماشادو وبريغينيو.. وغيرهم من نجوم أفلت وغادرت الدنيا، ولكنها ظلت باقية بما خلدته من ذكريات رائعة في مخيلة البرازيليين.. توارثوها جيلاً بعد جيل.
قرن من الأمجاد
يمضي الوقت سريعا وأنت تجوب أرجاء متحف صغير في مساحته لكنه يختزل حكاية طويلة عمرها أكثر من قرن.. حكاية نادي فلومينيزي من التأسيس الى الألقاب والمجد.. من مبادرة مهاجر برازيلي يعيش في انجلترا الى منجم للأساطير والنجوم وممول للمنتخب البرازيلي ومحتضن له في سنواته الأولى.
فلومينيزي فصل مهم من تاريخ الكرة البرازيلية ومن إنجازات السيليساو وبطولاته الخمس في كأس العالم.. فبصمة الفريق على المنتخب لا تحتاج الى تذكير. فها هو الجناح الطائر مارسيلو وصخرة الدفاع تياغو سيلفا والهداف فريد وجميعهم سليلو مدرسة فلومينينزي الكروية، يعزفون ألحان النصر المونديالية في النهائيات المقامة على أرضهم هذه الأيام، ويكافحون للدفاع عن سمعة البرازيل ويحلمون بثأر عمره 64 عاماً.. يحلمون بمحو خيبة نهائي جيل 1950 أمام أوروغواي والاحتفال باللقب العالم في ماراكانا يوم 13 يوليو 2014.
شاشة عملاقة
وداخل المتحف توجد شاشة عملاقة تبث مباريات المنتخب البرازيلي التي لعبها في مونديال 2014، حيث يتم إعادة المواجهتين أمام كرواتيا والمكسيك. ورغم أن البرازيليين تابعوا المباراتين يومها لكنهم يحنون دائما لمتابعة منتخب السامبا فقد تدافعوا في ساحة شاسعة لمشاهدة أروع اللحظات. وبقدر إعجابهم بمنتخب السامبا فإنهم وقفوا منبهرين بحارس المنتخب المكسيكي الذي تألق أمام السيليساو ومنع نيمار وفريد ومارسيلو من التسجيل ببراعة عالية كانت محل إشادة من العالم.
شاهد
يرتبط تاريخ المنتخب البرازيلي ارتباطا وثيقا بنادي فلومينينزي باعتبار أقدميته وموقعه الاستراتيجي في مدينة ريو دي جانيرو، فقد كان منتخب السيليساو يخوض مبارياته بمقر النادي ويشتركان في الملعب الصغير والذي لا يتسع إلا بضعة آلاف من المتفرجين فقط.
المنتخب البرازيلي لعب أول مباراة له في تاريخه على ملعب فلومينينزي عام 1919 ثم احتضن الاستاد بطولة كوبا أميركا للمرة الأولى وتوج بها بعد ما اكتسح جميع ضيوفه بنتائج كبيرة من الأرجنتين والمكسيك الى بيرو والاكوادور وكولمبيا.
ولايزال الملعب شاهداً على العصر الذهبي للسامبا في عشرينيات القرن العشرين، حيث تفضل إدارة فلومينينزي عدم هدمه وإعادة بناء ملعب جديد، فقد أبقت عليه كما هو مع بعض الترميمات البسيطة فقط.
ويحتضن حاليا تدريبات الفريق، حيث جهز باللوازم الضرورية ومن عشب وغرف تبديل ملابس عصرية. لكن كراسي المدرجات والمقصورة الرئيسية والأعمدة التي تشد السقف والأبواب الحديدية كلها من عبق التاريخ ولم يتم تجديدها. ولايزال الكثير من البرازيليين يحنون الى فلومينينزي باعتباره يذكرهم بماضي منتخب بلادهم. لقد تعودوا على حضور مباريات السامبا في مقر الفريق لذلك أحبوه ولم ينسوا الزمن الجميل.
ويخوض فريق فلومينينزي المباريات الرسمية على ملعب ماراكانا شأنه في ذلك شأن غريمه فلامينغو منذ عام 1950 تاريخ بنائه، حيث كان يتسع في البداية الى حوالي 200 ألف متفرج وهو أكبر ملعب في تاريخ كرة القدم. لكن بعد الترميمات التي أدخلت عليه أعوام 1999 و 2007 ثم هدمه وإعادة بنائه أصبح لا يقدر على استيعاب أكثر من 79 ألف متفرج في أقصى الحالات.
ألقاب
زينت الكؤوس العملاقة ومجسمات رموز النادي، المتحف الخاص بنادي فلومينينزي العريق فهذه كأس كونتيننتال التي عانقها فلومينينزي عام 1977 وتلك لبطولة الدوري البرازيلي لعام 1984 وبجانبها لقب دوري كاريوكا (الدوري المحلي لمقاطعة ريو دي جانيرو) 1936.
ألقاب شامخة في المتحف ووراء كل منها قصة نجاح وإبداعات نجوم على المستطيل الأخضر تفوقوا على المنافسين، وتوجوا بالكؤوس وزفوا الألقاب في خزائن ناد ليس ككل النوادي. تاريخ كبير حافل بالقصص الكروية المثيرة في بلد يعتبر كرة القدم ليس مجرد هواية ولا احتراف بل هي عبادة.
وفلومينينزي وكأنه المعبد الذي يمارس فيها مجانين الساحرة المستديرة طقوسهم باللعب الاستعراضي المبهر.. وكم من نجم مبهر يكتشفه زائر المتحف مر عبر الزمن خلال العقود الأولى من القرن العشرين عندما كانت الأجيال الحالية لم تر النور بعد.
ذكريات براغا وباريرا وريفيلينو تلهب حماس الجماهير
ريفيلينو وبراغا وباريرا نجوم لا تنسى حتى بعد عقود فالبرازيليون لا يزالون يتذكرون الزمن الجميل للسامبا خلال السبعينات، ويعتبرون منتخب بيليه وريفيلينو المتوج بلقب المونديال عام 1970 أفضل منتخب في تاريخ السامبا، وفي نادي فلومينينزي يحظى الأسطورة ريفيلينيو باهتمام كبير فقد نصبت تماثيله في المدخل الرئيسي .
كما يوثق إنجازات باريرا وبراغا، وتلهب ذكريات براغا وباريرا وريفيلينو حماس الجماهير في المونديال وقامت باستحضار نجوم الماضي وفي فلومينينزي يحن عشاق الكرة الى زمن ريفيلينيو، يصفونه بالساحر والمهاري والفنان ويقولون فيه أطيب الكلام.
مرت عقود على حقبة ريفيلينيو لكن الناس لم تنس بعد روائعه، كان متخصصا في المراوغات بمهارة عالية والحركات الفنية الجميلة، يقولون في البرازيل إن رونالدو وخصوصا رونالدينيو يشبهان ريفيلينيو في أسلوب لعبه وفي طريقة مراوغة الخصوم.
ريفيلينيو لعب مع فلومينينزي خلال الفترة المتراوحة بين 1965 و1978، بينما لعب 92 مباراة مع المنتخب سجل خلالها 26 هدفا. وعلى الرغم من تزامنه مع عصر بيليه إلا أنه خطف الأضواء ونال حب الجماهير. ولعب ريفيلينيو دورا مهما في تتويج السامبا بلقب المونديال عام 1970، واختتم مسيرته مع الهلال السعودي حيث انضم له عام 1981.
براغا نجم ساطع
ولم ينجب فلومينينزي، ريفيلينيو فقط وإنما تخرج من مدرسته براغا أيضا الذي عرفته جماهير الكرة الإماراتية لاعبا مع السامبا في الثمانينات ومدربا لنادي الجزيرة من 2008 الى 2011.
براغا ترك بصمته مع فلومينينزي لاعبا ومدربا حيث تقمص ألوانه الخضراء والحمراء بين عامي 1971 و1976 وتوج معه بلقب الدوري البرازيلي عامي 1973 و1975 قبل أن يلعب لفرق أخرى مثل بوتافوغو وفاسكو دي غاما وباريس سان جيرمان، وعاد براغا لاحقا الى البيت الذي نشأ فيه مدربا وقاده الى التتويج بلقب الدوري البرازيلي عام 2012 ولقب الدوري المحلي بريو دي جانيرو في 2005.
اسم ماشادو على محطة مترو
اختار عمدة ريو دي جانيرو تخليد اسم نجم فلومينينزي ماشادو باطلاق اسمه على إحدى محطات المترو، القريبة من مقر النادي. ويعد المدافع ماشادو أحد أبرز نجوم نادي فلومينينزي خلال الأربعينيات والخمسينيات.
ونحت مسيرة ذهبية مع الفريق وكذلك في صفوف المنتخب البرازيلي ولعب 188 مباراةخلال مشواره الكروي. وتحكي ألبومات الصور لزوار متحف فلومينينزي تاريخ هذا النجم وإبداعاته، ويبدو واضحا من خلال الصور أنه كان مدافعاً عملاقاً يلعب برشاقة وأناقة.. ولذلك فإن التاريخ لم ينس ماشادو.
روماريو وديكو حملا القميصين الأخضر والأحمر
لا يتخصص نادي فلومينينزي في تخريج النجوم فقط وإنما هو قبلة لأساطير الساحرة المستديرة ،وكثيرا ما جلب لاعبين كبار للعب في صفوفه. ويبقى الهداف التاريخي روماريو ابرز لاعب من غير أبناء النادي انضم له ،حيث ارتدى القميصين الأحمر والأخضر خلال الفترة المتراوحة بين عامي 2002 و 2004 ولعب 77 مباراة سجل خلالها 55 هدفا على الرغم من أنه كان في خريف العمر.
روماريو ترك بصمة كبيرة في النادي ويحظى باحترام كبير من الجماهير حتى الآن لمسناها خلال تواجدنا بمقر فلومينينزي .
ومن اللاعبين البارزين والذين توافدوا على النادي نذكر البرتغالي ديكو نجم وسط الميدان السابق لفرق برشلونة ولشبونة و تشيلسي .
اللاعب البرتغالي لعب مع فلومينينزي من عام 2010 حتى 2103 ،وخاض 92 مباراة سجل خلالها 7 أهداف.
واحتفى متحف الفريق البرازيلي بروماريو وديكو وخصص لهما صورا كبيرة ومعها شروحات تحكي مسيرتهما بالأرقام اعترافا لهما بالجميل.
103 أعوام من العداء مع فلامينغو
يبلغ تاريخ العداء بين فلومينينزي وفلامينغو 103 أعوام،وعندما تأسس نادي فلومينينزي عام 1902 بفكرة من مهاجر برازيلي في بريطانيا يدعى ألفارو داكوستا لم يكن نادي فلامينغو خرج للنور بعد.
وولد فلامينغو من رحم فلومينينزي نتيجة خلاف حاد نشب بين عدد من لاعبي فريق فلومينينزي حيث قررعدد كبير منهم الانشقاق و تأسيس ناد آخر في ريو دي جانيرو .
ورحل أفضل اللاعبين ولم يبق من المتميزين في ذلك الوقت غير بريغينيو وهو موهبة كروية خارقة على حد تعبير المرشد في متحف النادي.
وتكريما لوفائه وعدم رحيله مع المنشقين خصصت إدارة فلومينينزي للاعبها بريغينيو جناحا كاملا يحكي تاريخ ومسيرة نجم مظلوم لم تعاصره جماهير الكرة اليوم.
وبقي بريغينيو مع فلومينينزي وانشق آخرون وأسسوا فريقا عام 1911 اختاروا له من الأسماء فلامينغو نسبة للحي الذي يقع فيه مقره .
ومنذ ذلك التاريخ انطلقت شرارة العداء ،وكانت ولاتزال مباريات الفريقين أشبه بالحرب،وتنقسم المدينة الى معسكرين قبل الديربي الناري بأسابيع .
وكان نادي فلومينينزي خلال عقوده الأولى يعرف بأنه فريق الطبقة الأرستقراطية في البرازيل باعتبار أن مؤسسه يعيش في بريطانيا واستمال أصدقاءه من أبناء العائلات الثرية للعب معه، بينما يعرف فلامينغو حتى اليوم بأنه فريق الفقراء وحي فلامينغو هو حي شعبي تسكنه الطبقة الكادحة في ريو دي جانيرو وتنتشر به مظاهر الفقر حيث ينام المتشردون في الشوارع وينتشر المتسولون في كل مكان.








