يتواجد في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية التي تعيش فرحة المونديال، 4 أندية تُعد الأكبر والأعرق في بلاد السامبا وهي فلومنينزي، وفاسكو دي غاما، وفلامينغو، وبوتافوغو، قامت «البيان الرياضي» بزيارة هذه الأندية للتعرف على تاريخها وأساليب عملها وأسرار صنعها أساطير كرة القدم.
وكانت بداية رحلة القلم والصورة في رحاب نادي بوتافوغو واستمرت الزيارة 3 ساعات، والمعروف أن النادي خرج العديد من الأجيال الكروية اللامعة على امتداد أكثر من قرن من الزمن، فمن منا لا يعرف غارينشا وأماريلدو وديدي وبيبيتو وزاغالو (الذي بات اليوم من أفضل المدربين في العالم وتاريخ المونديال)..
وبوتافوغو هو الفريق الذي لعب في صفوفه النجم الهولندي سيدورف خلال الموسم الماضي قبل أن يلبي نداء الواجب ويعود الى ميلان الايطالي مدربا وليس لاعبا، ولكن من الغرائب خلال الجولة في مقر النادي ومتحفه أننا لم نعثر على صورة واحدة لسيدورف ولا يوجد اسمه على أية قائمة من قوائم نجوم النادي.
تفحصنا الصور وقلبنا الألبومات واللوحات ولكن سيدروف كان غائباً ولا وجود له تماماً، وعند باب الخروج سألت المسؤول عن المتحف عن سبب تجاهل سيدورف فشعر بإحراج شديد وأجاب بارتباك: سيدورف.. لا يوجد صور له في المتحف.. نحن آسفين.
بوتافوغو والمونديال
يقع نادي بوتافوغو في قلب مدينة ريو دي جانيرو بين ضاحيتي فلامينغو وكوبا كابانا، ويبتعد عن ملعب ماراكانا حوالي 30 دقيقة بالمترو، وبوتافوغو لا يعيش خارج الحدث، حيث عدل ساعته على زمن المونديال وتدافعت الجماهير أمام مقره لتشتري قميص المنتخب البرازيلي بينما فضل آخرون متابعة مباريات كأس العالم بمقهى الفريق.
متحف ضخم
على طريقة الأندية الأوروبية الكبرى يتواجد بمقر نادي بوتافوغو البرازيلي متحف ضخم يروي تاريخ الفريق، ويعيد الذاكرة الى زواره منذ تأسيسه يوم 12 أغسطس 1904 حتى عام 2014، وعندما تقترب من الباب تطالع تمثالا كبيرا لغارنشيا أسطورة بوتافوغو ومنتخب البرازيل خلال الخمسينيات والستينيات، وهو النجم الذي أحبه من عاصره وتمنى من جاء الى الدنيا لاحقا لو حضر إبداعاته، ونال فرصة مشاهدته والتمتع بروائعه الكروية التي لا تزال حديث الناس في بوتافوغو حتى اليوم.
وعندما تتجول في أرجاء المتحف تشعر بالتحيز إلى غارينشا فصوره الأكثر بروزا وتوجد في كل زاوية، وكان واضحا أن البرازيليين أحبوا غارينشا وعشقوه لموهبته الخارقة التي صنعت أمجاد السامبا لسنوات طويلة.
زاغالو
ولم ينجب نادي بوتافوغو غارينشا فقط.. بل صنع نجوما آخرين وأبرزها زاغالو الساحر الأشقر الذي أصبح اليوم أحد أفضل المدربين في تاريخ الساحرة المستديرة، وصنع زاغالو بطولات الفريق لاعبا ومدربا كما نسج نفس الشيء مع المنتخب البرازيلي، حيث قاده الى الفوز بلقب المونديال.
ويعد نادي بوتافوغو قصة نجاح رائعة يعيشها زائر المتحف في دقائق وكأنما يشاهد فيلما وثائقيا عن النادي، وبوتافوغو فصل من فصول أسطورة كرة القدم في البرازيل، وتخرج منه أماريلدو وديدي وغارينشا ملك المراوغات، ثم بزغت شمس فريتاس وجيفرسون وجارزينهو ومانغا وزاغالو وكاريوكا ليعلن النادي بعدئذ ميلاد نجم جديد هو نيلتون سانطوس ولحق به بيبيتو الذي قاد السامبا الى الفوز بلقب كأس العالم في الولايات المتحدة الأميركية عام 1994، ثم جاء كارنتينا وجيرسون كما نال النجم الهولندي سيدورف شرف اللعب مع الصرح الكروي البرازيلي الكبير.
رحلة عبر الزمن
من خلال الصور المعروضة في المتحف الذي بني بتصميم رائع على شكل رواق رتبت عليه مذكرات النادي من صور نادرة وقمصان وكرات وأحذية لبسها نجوم وأحرزوا بها أهدافا حسب الزمن، يبدأ بما يخلد تأسيس النادي عام 1904 لتبدأ رحلة الصعود الى الأعلى دون أن تشعر، ومع كل خطوة الى الأمام تتقدم سنة في الزمان لتجد نفسك خلال دقائق في الطابق العلوي أمام لافتة كبيرة كتب عليه باللغة البرتغالية «سيدا» وتعني الخروج.
عالم آخر فوق السطح
لأني شعرت بأن الرحلة قصيرة، ولم أشبع نهمي من تاريخ بوتافوغو تسللت الى باب يؤدي الى السطح، حيث لمحت ملعبا لكرة السلة، ولجت الى الخارج فوجدت نفسي في عالم آخر، ملاعب سلة ويد وقاعة مغطاة للمباريات الرسمية للرياضة الجماعية، كما يوجد مطعم كبير يتبع النادي ويساهم في تنمية مداخيله المالية، كل هذا فوق السطح وعلى مساحات شاسعة لأن التضاريس التي بني عليها النادي جبلية.
تجولت بين أرجاء هذه المنشآت فوجدت نفسي فجأة أمام مسبح عملاق يتدرب به عدد من الفتيان على فنون السباحة.
واصلت الرحلة حتى رأيت ملعب كرة قدم، الباب كان مفتوحا ودون رقيب، وعلمت أنه ملعب للتدريبات وتمت تغطية أرضيته حماية من حرارة الشمس الحارقة.
جنون كرة القدم
وفي البوابة الإلكترونية للخروج كان فرد أمن يجلس برفقة موظفتين ونصبوا شاشة تلفزة صغيرة في الهواء الطلق ليتابعوا مباراة الجزائر وبلجيكا في مشهد يكشف حب البرازيليين لكرة القدم وعشقهم للعبة.
غادرت المكان على عجل وقلبي يعتصر دما على حال كرتنا العربية التي تعيش خارج الزمن. واسألوا فقط كم من نادٍ لديه متحف في مقره؟ ستجدون أن فرقنا تهدر تاريخها وتضيعه في ملفات ورقية يلتهمها الدهر وتحرم أجيالا وأجيالا منها؟
كما تضيّع على نفسها فرصة تنمية مداخيلها المالية.. فالدخول الى متاحف الأندية في مختلف دول العالم بمقابل مادي (60 درهماً في بوتافوغو). أندية لا تزال تعوّل على الدعم الحكومي وتتكاسل في الاعتماد عن نفسها.
فمتى نتعلم الدرس.. والمونديال بطولة تحفل بالدروس والعبر لمن يريد أن يتعلم ويعتبر. هذه رحلة في تاريخ بوتافوغو، في انتظار جولات أخرى في قلب فاسكو دي غاما (الفريق الذي تخرج منه روماريو).. وفلوميننيزي وفلامينغو قريباً.
بوتافوغو مقر «فيفا» في ريو دي جانيرو
اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا نادي بوتافوغو مقرا له خلال نهائيات كأس العالم حيث خصص إدارة تعنى ببيع عدد محدود من تذاكر المباريات ومكتبا للمتطوعين وذلك نظرا لعراقة النادي وموقعه الاستراتيجي في مدينة ريو دي جانيرو، وخلال زيارتي للنادي صباح أول من أمس شاهدت الجماهير الغفيرة أمام البوابة الرئيسية وكان أغلبها من تشيلي وإسبانيا والأرجنتين جاءت تبحث عن تذاكر الدخول.
كما انتشرت السوق السوداء في الساحة القريبة من مكتب فيفا ورصدت البيان الرياضي بيع بطاقة دخول مباراة إسبانيا وتشيلي بثلاثة آلاف رياس برازيلي أي ما يعادل 5500 درهم تقريباً.
واستغلت الجماهير المتوافدة على مقر فيفا الفرصة لتكتشف نادي بوتافوغو وتدخل متحفه وتتجول في أرجائه، كما دبت حركة بيع شعارات الفريق وقمصانه وبكميات كبيرة.
وتضاعفت الحشود الجماهيرية وحولوا الساحة الى كرنفال قبل مباراة البرازيل والمكسيك، وقامت فرقة موسيقية مكسيكية في العزف، كما أحضر مشجع آخر طبلة كبيرة الحجم ألهب بها الأجواء المونديالية.
وتسببت الاحتفالات في تعطيل حركة السير ولم تعد المياه الى مجاريها إلا عندما أغلق مكتب فيفا أبوابه ويئس الزوار من الحصول على تذكرة الدخول.
النادي العريق منجم نجوم السامبا في المونديال
يعد نادي بوتافوغو منجم نجوم السامبا في المونديال ومن أكبر الأندية التي مولت المنتخب البرازيلي خلال نهائيات كأس العالم على مر العصور، ففي مونديال ايطاليا عام 1934 ضمت تشكيلة السيليساو 9 لاعبين من نادي بوتافوغو وهم كارفالو وفالدير وكانالي وسلفيرا وكتاسيلو وأبيلا. واحتفى المتحف بالنجوم التسعة في صورة جماعية عملاقة دون أسفلها شرح يحكي تاريخ هؤلاء ويعرف بهم للأجيال الحديثة التي لم تعاصرهم وسمعت عنهم من خلال أجدادهم.
وتخطف صورة أخرى كبيرة الحجم الأضواء جمعت 5 لاعبين هم أماريلدو وزاغالو وسانتوس وغارينشا وديدي وقد مثلوا النادي في مونديال 1962 مع المنتخب البرازيلي.
وكتب في أعلى الصورة شرح خاص باللاعب ديدي " مونديال 1962 يفتح أبواب ريال مدريد أمام ديدي بعد تألقه في البطولة".
وفي الحقيقة فإن بوتافوغو كان دائما منجما لتخريج النجوم والأبطال وساهم بدور كبير في الإنجازات الكبيرة التي حققتها البرازيل في كأس العالم على مر التاريخ.
ففي السبعينات مثلا كان بوتافوغو الفريق الوحيد الذي صارع نادي سانتوس الذي يقود الجوهرة السمراء بيليه.
ولكن يبقى العصر الذهبي لفريق الأسود والأبيض فترة الخمسينات والستينات التي تواجد خلالها الثلاثي الرهيب زاغالو وديدي ومانغا.
أما فترة الأربعينات فعرفت هي الأخرى انجازات كبيرة حيث توج الفريق ببطولة الدوري المحلي في 5 مناسبات منها 4 مرات بصفة متتالية وذلك أعوام 1932 و 1933 و1934 و1935
ويمثل بوتافوغو في تشكيلة السيليساو للاعب جيفرسون التي تشارك هذه الأيام في المونديال . لاعب وحيد باعتبار أنه بات يعول منذ عقود على اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية .
ولم يوجه سكولاري الدعوة سوى للاعبين فقط ينشطان في الدوري المحلي هما جيفرسون ( بوتافوغو) وفريد ( فلوميننزي).
صحافي درب بوتا وتوج معه في بطولة
من الحكايات الطريفة للصور المعروضة في متحف نادي بوتا فوغو البرازيلي، أن صحافياً يدعى جواو سادانها، درب الفريق خلال فترة الستينيات، ونجح في قيادته إلى التتويج بلقب الدوري عام1957،
فالفريق في ذلك الوقت كان يعج بالنجوم والمواهب الكروية، ولم تكن مباريات كرة القدم تحتاج إلى كثير من التعقيدات التكتيكية، التي سلب اللعبة طابعها الفرجوي، وفي هذا السياق، وخلال الرحلة في رحاب بوتا فوغو، اكتشفت أنه ظل ينشط في الدوري البرازيلي لسنوات طويلة من دون مدرب، إذ كان قائد الفريق يقوم بدور المنسق فقط، فالنادي الذي تأسس عام 1904 لم يعين مدرباً رسمياً له إلا سنة 1922..
وهو مجري الجنسية، وكانت الكرة المجرية خلال العقود الأولى من القرن العشرين متألقة جداً في الساحة الأوروبية والعالمية، ومنافساً شرساً للبرازيل، قبل أن تنهار أسطورتها وتتهاوى لتندثر، وتدخل في طي النسيان اليوم.
حكاية الرقم 7
القميص رقم 7 في نادي بوتافوغو له قيمة خاصة ولا يرتديه إلا النجوم الكبار، والبداية كانت مصادفة، حيث حمل اللاعب باراغوي عام 1941 هذا الرقم ولمع به نجمه في سماء البرازيل وأميركا الجنوبية، وجاء غارينشا عام 1950 ليحمل القميص نفسه برغبة منه وحباً للرقم 7.
وتواصل عشق نجوم بوتافاغو للرقم المميز، حيث تألق به جارزينهو ثم إيلينهو فموريشيو وآخرهم كان مارفيلا الذي قاد الفريق عام 1995 إلى لقب الدوري البرازيلي بالفوز على الغريم فلامينغو بهدفين على ملعب ماراكانا الشهير، ويوجد بالمتحف أيضاص قميص لبيكنباور يحمل رقم 7.



