طقوس غير عادية تتملك الشعب البرازيلي يوم يلعب السيليساو، هو بالتأكيد يوم يختلف عن بقية أيام الأسبوع، حيث تؤجل الأعمال، وتضبط الساعات على موعد انطلاقة مباراة السامبا، ولم يشذ البرازيليون في تعاملهم مع مباراة أول من أمس، التي جمعت منتخب بلادهم بالمكسيك، لقد كان يوماً مميزاً، وتحولت القمة إلى كرنفال امتد من ستاد ماراكانا إلى شواطئ كوبا كابانا.

استيقظت ريو دي جانيرو على غير عادتها مبكراً، لقد دبت فيها الحركة منذ الفجر، وعلت أصوات المزامير ودقات الطبول، البعض منهم يسارع بقضاء شؤونه منذ الصباح الباكر حتى لا تفوته مباراة «السيليساو» مع «التريكولور» في المساء، والبعض الآخر وخصوصاً من الشباب أعلنه يوم عطلة، وخصصه للاحتفال في الشوارع، الشوارع كلها لبست حلة المنتخب البرازيلي، تزينت بالأصفر والأخضر من مجانين السامبا..

وكان الناس جميعاً يرتدون قميص البرازيل رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، وهذه إحدى الظواهر المميزة، التي لاحظناها خلال المونديال في البرازيل، بدأت الرحلة من شوارع المدينة التي كانت حركتها مزدحمة ونشطت بها تجارة الأعلام والشعارات وقميص السيليساو..

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، بدأ عمال المقاهي والمطاعم في تنظيم المقاعد، ورصها من أجل استقبال الزبائن في المساء، وموعد المباراة الساعة الرابعة مساء بتوقيت البرازيل، بينما حجز بعض الشباب أماكنهم مبكراً في الأماكن المميزة أمام شاشات التلفزيون.

كانت ريو دي جانيرو تتنفس كرة قدم، وقلبها يخفق لمنتخب بلادها، نسي البرازيليون لساعات همومهم، وتناسى الفقراء والمساكين، وما أكثر عددهم في الشوارع قضاياهم، ورموا بهمومهم بعيداً، حباً في منتخب بلادهم. إنه شيء مقدس عند عشاق البرازيل، فلا شيء يعلو عن كرة القدم ومباراة المنتخب.

إلى الماراكانا

بدت المدينة تجهز استعداداتها في حالة فوز السيليساو على الخصم العنيد، وفي ملعب ماراكانا، حيث عادة ما تتجمع الجماهير هناك للاحتفال، ومتابعة المباريات في الساحات العامة، كان المترو على غير عادته مكتظاً ومزدحماً بالمسافرين، كان واضحاً أن البرازيليين ينتظرون مواجهة المكسيك على أحر من الجمر.

المباراة في برازيليا، والجماهير في ماراكانا، هذا هو الوصف الدقيق للمشهد خارج الملعب الشهير، وعند بوابته الرئيسة، افترش الآلاف الساحة الخارجية ينتظرون ضربة البداية، حيث موقعة نيمار، وهيرنانديز، وبالقرب من الحشود الجالسة كانت مجموعات أخرى لا تبالي، وهمها الوحيد الاحتفال والغناء والرقص، كانوا من جنسيات لاتينية مختلفة أغلبهم من الأرجنتين، وقلة من تشيلي.

اشتعلت أجواء ترقب اللقاء من الجماهير البرازيلية خارج الماراكانا، قبل أن يتوجه البعض منهم إلى محطة المترو للتوجه إلى شواطئ كوبا كابانا..

حيث تعود البرازيليون متابعة مباريات منتخب بلادهم هناك أمام الشاشات العملاقة في الهواء الطلق، كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف عصراً، ولم تتبق إلا نصف ساعة على انطلاق المباراة، محطة المترو كادت أن تكون خالية من المسافرين، عربات المترو كانت هي الأخرى شبه فارغة باستثناء تواجد القليل، وفي الطريق إلى كوبا كابانا وعند الاقتراب من محطة الوصول، بدأ عدد المسافرين يتضاعف، وبدا واضحاً أنهم يقصدون المكان نفسه من خلال ملابسهم وهيئتهم.

شوارع مغلقة

عند الخروج من المحطة تجد الشوارع المؤدية إلى الشاطئ مزدحمة للغاية، المقاهي لا يوجد بها مقعد خال، بل هناك بعض الجماهير، التي قررت أن تقف في الشارع، بعدما فقدت الأمل في الجلوس بالمقهى، الشرطة منعت مرور السيارات، هو يوم استثنائي في حياة ريو، وغيرها من مدن البرازيل..

وعلى الشاطئ الجميل تجمهر عدد قياسي من الجماهير يقدر عددهم بالآلاف، قسموا أنفسهم مجموعتين أمام شاشات عملاقة.

وانطلقت المباراة وبدأت المعركة الكروية التقليدية، الآلاف من الشباب والنواعم والأطفال وحتى كبار السن، جلسوا على الرمل الناعم لشاطئ كوبا كابانا يتابعون قمة البرازيل والمكسيك بحماسة، تأملت في وجوه جيوش المشجعين، فلاح لي الكثير منهم ليسوا من البرازيليين، بل قادهم الفضول مثلي لمتابعة المباراة بالمسرح المفضل للساحرة المستديرة بالنسبة لأصحاب البلد، بينما كانت المباراة فرصة للكادحين للحصول على شيء من المال يحسنون به حياتهم البائسة، فقد انتشر باعة الماء والسجائر والأكلات السريعة على الشاطئ وعلى حافة البحر ووسط الجموع الغفيرة.

تفاعل

مع كل فرصة تطلق الحناجر أعلى الصيحات تحبس الأنفاس وتتوقف القلوب عن الخفاق للحظات، ضاعت فرصة نيمار ومعها سقط عشرات من أصحاب القلوب الضعيفة.

وضاعت بعدها فرص أخرى، وطال انتظار عشاق السامبا للهدف، مرت الدقائق بسرعة وشارفت المباراة على النهاية، وازدادت الحماسة في الدقيقة الأخيرة ولم ييأس رجال سكولاري لكن المكسيك منتخب عنيد، عرف كيف يوقف توهج السامبا، ويخطف منه نقطة ثمينة تبقيهما معاً في الصدارة برصيد 4 نقاط، مقابل لا شيء من النقاط لمنتخبي كرواتيا والكاميرون.

كرنفال

أطلق الحكم صافرة النهاية ولم يدم أسف البرازيليين عن التفويت في فرصة الفوز وضمان التأهل إلى الدور الثاني من المونديال سوى دقائق قليلة، ليتحول الشاطئ إلى كرنفال وسهرة مونديالية عالمية خالصة..

فالجماهير من كل الجنسيات، هذا هو الوجه الجميل لكأس العالم، حيث يجمع الشعوب ويوحدها ويقرب بينها بعيداً عن الحروب والصراعات على الحدود والجاه والمال والبترول..

وفي الشاطئ الرحب وعلى الأضواء الخافتة أقامت كل مجموعة من الجماهير حفلاً حسب عادات وتقاليد بلدها، استمتع الحاضرون بالبطل المكسيكي، ورقصات صاحبات القبعات الشهيرة، بينما تفنن التشيليون في الغناء والأهازيج بنغمات عذبة، إبداع فني يبدو أنه استفز أصحاب الأرض فقدموا عرضاً في رقصة السامبا لم يتوقف لساعات.

 نرجوكم لحظة صمت.. سيلعب السيليساو

 على خلاف الأجواء على شواطئ كوبا كابانا فإن شوارع مدينة ريو دي جانيرو، خلال مباراة المنتخب البرازيلي ونظيره المكسيكي، التي انتهت بالتعادل السلبي سكتت عن الكلام وغابت عنها الحركة بصفة تكاد تكون تامة.

انعدمت حركة السير ولم تبق سوى بعض الحافلات، التي تلتزم بمواعيدها، فالشوارع القريبة من ملعب كوبا كابانا، وفي فلامينغو خلت من مظاهر الحياة وتحولت إلى أشباح..

كما خلت محطات المترو من المسافرون أثناء مباراة البرازيل والمكسيك، حيث انشغل البرازيليون بمتابعة المباراة في بيوتهم وبالمقاهي والفضاءات العامة، وعلى الرغم من أن المترو يمثل الوسيلة الرئيسة للنقل في مدينة ريو إلا أن السيليساو شل حركته، وجرده من زبائنه، وهجر الناس محطات الحافلات، بينما توقف عمل أصحاب سيارات التاكسي.

ازدحام المقاهي

الحياة في شوارع ريو دي جانيرو اقتصرت على المقاهي والمطاعم فقط، حيث ازدحمت بالزبائن الباحثين عن مكان لمشاهدة مباراة السامبا والتريكولور، وقد عجزت مقاهٍ كثيرة عن استيعاب عدد الجماهير، وعمد بعض أصحاب المطاعم والمقاهي إلى رفع الأسعار أثناء المباراة، مستغلاً حاجة الناس لحضور المواجهة المونديالية.

وقد حظيت متابعة الجماهير لمباراة المنتخبين البرازيلي والمكسيكي أول من أمس، بتغطية إعلامية كبيرة من مختلف القنوات التلفزيونية البرازيلية والعالمية، ونقلت إحدى القنوات المحلية نقل مباشر للأجواء في كوبا كابانا، بينما قامت قنوات أخرى بتقارير من أرض الحدث، واستمرت التغطية حتى بعد نهاية المباراة.

روح رياضية

وأجمل ما لفت الأنظار في ذلك التجمع، كان التزام الجماهير الحاضرة في مونديال البرازيل وحتى الضيوف أنفسهم كانوا حريصين على الظهور بصورة أشبه إلى المثالية، حيث تشاهد الآلاف بجنسيات مختلفة المباريات جنباً إلى جنب من دون أن تحدث أي خلافات وأعمال شغب. وكانت الروح الرياضية حاضرة بقوة بين الجماهير البرازيلية والمكسيكية حيث تعانقوا قبل وأثناء وبعد المباراة في مشهد رياضي رائع، لم نره في بطولات كأس عالم سابقة.

إغماء مشجعة

على جانب آخر، لم تقدر إحدى المشجعات للمنتخب البرازيلي على تحمل أحداث مباراة منتخب بلادها والمكسيك، قاومت المشجعة حمى المباراة في الشوط الأول لكنها انهارت في الفترة الثانية من اللعب، وأغمي عليها على أثر الفرص الخطرة للمنتخب المكسيكي، وبعد استفاقتها قررت النوم غير مبالية بصخب الجماهير وصيحات المشجعين، ولم تستيقظ إلا مع صافرة نهاية المباراة.

القبعة تخطف الأضواء

 حضرت القبعة المكسيكية على شاطئ كوبا كابانا بقوة أول من أمس، خلال المباراة حيث كان أغلب المكسيكيين يضعونها على رؤوسهم، بينما طاردتهم عدسات المصورين. وتخليداً للذكرى التقط كثيرون خصوصاً من الجنسيات الأوروبية صورا ًمع أصحاب القبعات.

كما حظيت قبعات النواعم المكسيكية بإعجاب الجمهور البرازيلي.

 المونديال فرحة الأطفال

 نهائيات كأس العالم لا تمثل لأطفال البرازيل مجرد فرصة لمتابعة مباريات رائعة لنجوم كرة القدم على ملاعبهم، بل تعتبر بمثابة عيد واحتفالات وأفراح تستمر لمدة شهر كامل، لذا اصطحبت العائلات أبناءها إلى شاطئ كوبا كابنا لحضور مباراة البرازيل والمكسيك، وقد تفاعل معها الأطفال بحماسة ولعبوا ومرحوا بالكرة لاحقاً، مونديال الكرة أنسى الأطفال الفقراء مأساتهم في البرازيل، وضمد جراحهم.