لشهر رمضان في اليمن نكهته وروحانيته التي يتشابه فيها مع الدول العربية الأخرى، إلا أن الحرب التي تشهدها اليمن بسبب الانقلابيين الذين خطفوا السلطة ومؤسسات الدولة تجعل أجواء رمضان للعام الثاني على التوالي أشبه بالأعياد في سوريا والعراق والدول التي تشهد حروباً.

يترافق هذا الوضع الأمني مع تدهور قيمة العملة الوطنية. وفي حين كانت اليمن تستبشر بمدفع الافطار في رمضان، فإن مدافع الهاوزر الحوثية هي من حلت بديلا عنه عبر القصف المتكرر للأحياء السكنية.

ويقول الكاتب الصحافي متولي محمود، في حديثه عن مدينة تعز التي يسكن فيها: »لرمضان في تعز، كغيرها من المدن العربية، طقوس خاصة، الأمر الذي يستلزم سيولة مالية لدى سكانها. لكن هذه الطقوس لم تعد ضمن آمالهم، فالوضع الكارثي الذي تعيشه المدينة جراء الحرب والحصار، جعل سكانها لا يفكرون سوى بالظفر بلقمة العيش«.

مضيفاً: »المدينة تتعرض لقصف يومي ولحصار مفروض عليها منذ أشهر من قبل الانقلابيين، وبات المحظوظ من يجد لقمة العيش. فضلا عن ذلك، يعاني سكان المدينة من غلاء فاحش بأسعار السلع الغذائية، كحال باقي المحافظات، غير أن الحصار يضاعف معاناتها مرات«.

ويضيف الصحافي متولي محمود: »موجة الغلاء المحمومة تأتي عقب انهيار للعملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، بعد عام واحد على انقلاب ميليشيات الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة. أضف إلى ذلك التلاعب الذي يمارسه التجار بالسلع، في ظل غياب الرقابة ومؤسسات الدولة«.

سنة ثانية حرباً

من تعز أيضاً، تتحدث الناشطة أشواق الشميري قائلة: »تعز الوجع يحيط بها، ويعصر أبناءها. فها هي السنة الثانية من الحرب والحصار والتشرد ومازال أغلبية أبناء تعز يعيشون فيها، ومع حلول شهر رمضان المبارك يزيد العبء على اسر«.

وتوضح الناشطة اليمنية أن الحرب تفقد روحانية الشهر الفضيل في نفوس ساكني المدينة فيصبح المواطن همه الأول سلامته وسلامة أسرته، ثم يبدأ بالتفكير بمتطلبات الأسرة وكما هي العادة في خصوصية الطعام في رمضان..

وهنا تبدأ المعاناة، فظروف الحصار المفروض على تعز وعودة اكثر النازحين إلى مدينتهم بعد انقطاع سبل النزوح ضاعفت المعاناة فإن وجدت المواد الغذائية فثمنها أضعاف ما كانت عليه وفوق القدرة الشرائية للمواطن، ويزداد العناء بانقطاع خدمات المياه والكهرباء وتصل المعاناة ذروتها لدى المواطنين الذين فقدوا أعمالهم وأصبحوا بدون دخل.

عام مؤلم

بدوره، تقول الصحافية ذكرى الواحدي، وهي حقوقية كذلك وتسكن في صنعاء: »رمضان هذا العام سيكون مختلفا عن كل الأعوام، حتى لو كانت الأعوام السابقة تحمل أحداثاً كثيرة ولكن هذا العام سبقته أحداث مؤلمة على كل المستويات للمجتمع اليمني، فكثير من الأسر فقدت عائلها اضافه إلى أن الآلاف المعتقلين في سجون ميليشيات الحوثي وصالح الانقلابية..

وهناك ألاف من اليمنيين ما بين مشرد ونازح ومختطف وقتيل«. وأردفت: »كما أن كثيرا من المحافظات اليمنية لازالت نقاطا ساخنة وتعيش ظروفا أقرب إلى الموت البطيء كمحافظه الحديدة التي تلتهب مرضاً وفقراً وتحت سياط الحوثي وحرارة الشمس المؤلمة«.

تحت خط الفقر

وتابعت: قبل سنوات كان 60 في المئة من اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر، لكن الآن يعيش معظم اليمنيين تحت خط الفقر وفي ظروف قد تكون الأسوأ، مع ارتفاع شديد في أسعار المواد الأساسية..اضافة إلى ظروف حرب لا يعلم احد متى ستنتهي مآسيها«.

وتجزم الواحدي أن كثيرا من الأسر اليمنية ستعاني أكثر بسبب الأوضاع السيئة وتحت حكم الميلشيات, وتوضح:

»رمضان يأتي كل عام ليفتح أبواب خير أمام الناس وتعمل كثير من الجهات والمؤسسات الخيرية ورجال الخير للتخفيف من معاناة الناس، ولكن الميليشيات لم تدع حتى تلك المؤسسات والمنظمات ليكون لها دور في تخفيف المعاناة، فمعظم تلك المؤسسات تم احتلالها او نهبها وتدميرها، وايقاف كثير منها، كذلك فاعلو الخير ما بين ملاحق ومعتقل ومنهوب«.

وتضيف: »كما أن ما يأتي من معونات من الخارج تسرق وتنهب وتباع في السوق السوداء أو يتم محاصصتها بين مناطق معينة، وكل ذلك سيزيد من معاناة الناس والتي ترسمها بشكل واضح جموع المتسولين في كل الطرقات والشوارع والمنازل أكثر من 80 في المئة من الأسر تخلت عن كثير من احتياجاتها ولم تعد تشترى إلا ما يسد رمقها«.

صيف ساخن

ويتزامن حلول شهر رمضان هذا العام في عدن مع صيف ساخن تشهده المحافظة، في حين تشهد المدينة انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي نتيجة عجز في التوليد، حيث وصلت ساعات الانقطاع إلى 20 ساعة مقابل أربع ساعات من العمل خلال اليوم الواحد.

ويقول الناشط أحمد الذبحاني من مدينة عدن: »رمضان هذا العام مختلف كل الاختلاف عن سابقه في العام الماضي، ففي العام الماضي كان ثلثي سكان عدن نازحين ومشردين، ويتعرضون للقصف العشوائي«.

ويستدرك بالقول: »إلا أن فشل السلطات المحلية في اعادة تطبيع الحياة العامة سيساهم بشكل مباشر في عدم اكتمال فرحة الناس بهذا الشهر الفضيل«.

ارتفاع الأسعار

لم يكن الملف الاقتصادي بالعاصمة المؤقتة عدن في معزل عن الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، فهناك ارتفاع جنوني بالأسعار تقابله حالة من اللامبالاة من قبل الجهات المعنية بمراقبة الأسواق المحلية، في حين يفسر البعض حالة اللامبالاة بأنها طبيعية في ظل تفكك أجهزة الدولة. وليس ارتفاع الأسعار وانعدام الرقابة هما ما يؤرق مضاجع المواطنين فحسب، فهناك شريحة واسعة من اليمنيين لم تتسلم مرتباتها، وخصوصاً المتقاعدين منهم.