وجود تنظيم القاعدة في اليمن ليس وليد السنوات الخمس الأخيرة، وهي عمر الانتفاضة اليمنية على حكم علي عبدالله صالح، فالتنظيم متواجد في هذا البلد العربي المنهك، منذ ما بعد بدايات ظهوره في أفغانستان، وقد طفى على السطح عقب عودة من عرفوا باسم «الأفغان العرب»، ومنهم كثير من اليمنيين.
ففي العام 1992 نفذ التنظيم عملية استهدف بها عناصر من قوات البحرية الأميركية «المارينز»، التي كانت تقيم في فندق عدن، وهي في طريقها إلى الصومال.
بعدها نفّذ التنظيم عشرات الهجمات، كان أبرزها استهداف سياح بريطانيين وأستراليين في أبين في ديسمبر 1998، ثم تفجير المدمرة كول التي أودت بحياة 17 بحاراً أميركياً، ومن ثم تفجير ناقلة النفط الفرنسية ليمبورج قبالة شواطئ حضرموت في نوفمبر 2002.
وفي مطلع 2009، أعلن عن اسمه الجديد «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، بعد عمليات دمج وترتيب أوراق.
واستغل التنظيم الحراك الشعبي في البلاد العام 2011، وكثّف استهدافاته العسكرية للجيش اليمني، حيث سيطر على بعض معسكراته ومستودعات السلاح، إضافة إلى سيطرته على بعض المناطق، حيث أعلن التنظيم عن قيام ما أسماها «إمارة إسلامية» في محافظة شبوة، وسيطر على مدينة زنجبار.
استغلال الأوضاع
وبعد استعادة عدن ومناطق جنوبية أخرى من خلال عاصفة الحزم، بقيادة التحالف العربي، عاد التنظيم ليستغل الوضع الجديد المتمثّل بمواصلة العملية، من أجل استعادة الجيش اليمني لباقي المناطق من أيدي الحوثيين وأنصار الرئيس السابق صالح.
وقد عمد التنظيم إلى تنفيذ عمليات اغتيال لمسؤولين أمنيين وعسكريين، والقيام بتفجيرات في أماكن عامة ومؤسسات عسكرية ومدنية، وكذلك فعل ويفعل في الآونة الأخيرة لفرض أمر واقع استباقاً لما قد تسفر عنه مشاورات السلام اليمنية الجارية في الكويت، حيث يتوقع أن يتوحد اليمنيون في الحرب ضده، بعد انتهاء الحرب الداخلية، لكن الجيش اليمني لم ينتظر نهاية الحرب، وشن عملية مباغتة على أهم معاقل التنظيم في حضرموت وعاصمتها المكلا.
فبعد سنة كاملة من سيطرته على المدينة، خسر «القاعدة» هذه المنطقة التي كانت بالنسبة له موقعاً استراتيجياً، بالمعنى العسكري، ومنهلاً تمويلياً هائلاً، فبالمعنى الاستراتيجي كانت المكلا معقلاً بمثابة دولة، إذ منحته السيطرة على قرابة 600 كيلو متر من الشريط الساحلي الجنوبي في اليمن، المطل على بحر العرب.
البعد الاقتصادي
في البعد الاقتصادي، وجهت استعادة المكلا ضربة قوية للتنظيم، وحرمته من ميناء كان يشكّل مصدر دخل رئيساً له، إذ تؤكد تقارير متطابقة أنه خلال عام من حكم «القاعدة» للمكلا كان التنظيم يجني نحو مليوني دولار يوميًا من عوائد جمارك ميناء المكلا، كما أن ميناء الضبة النفطي في المدينة كان منفذ بيع مهماً للنفط، وهو أحد أهم الموارد التي تغذي «القاعدة» في اليمن، على غرار ما كان يحققه في العراق وسوريا، ويسعى لتحقيقه في ليبيا.
ومن خلال سيطرته على المدينة حصل التنظيم على أموال كثيرة من حركة التجارة واستيلائه على المصارف المحلية، وتجارة المشتقات النفطية وتهريبها، إلى جانب كميات الأسلحة، التي استولى عليها من معسكرات الجيش، ما مكنه من التحرك بحرية في المنطقة.
واستخدم التنظيم الأموال التي تحصل عليها في كسب ود السكان، ففي أواخر العام الماضي، كما تؤكد التقارير، ألغى التنظيم ضرائب الدخل في المناطق التي كان يسيطر عليها، ونشر صوراً لأعضائه وهم يصلحون الجسور ويمهّدون شوارع حضرموت ومناطق.
كما اغتنم انشغال قوات التحالف، وتلك التابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي في الحرب مع الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح لملء الفراغ في المدن والمناطق، التي خلت من الجنود والمقاتلين، لظروف تطلّبها القتال.
وبهذا المعنى، لم تكن عودة مدينة المكلا إلى سيطرة القوات الشرعية اليمنية، انتصاراً عسكرياً استراتيجياً لتلك القوات وللتحالف العربي فقط، إنما كانت أيضاً ضربة اقتصادية موجعة للتنظيم وأهدافه القريبة والبعيدة.
صحيح أن التنظيم نقل قوته إلى محافظة شبوة، لكن الأصح أن من أخرجه من أبين وحضرموت سيخرجه من شبوة، ولعل هذا الهدف مسألة وقت فقط.
لحج
حقق الجيش اليمني الوطني المزيد من المكاسب في عملية تطهير اليمن من تنظيم القاعدة، فبعد نجاح عملية التحالف العربي في تطهير المكلا عاصمة محافظة حضرموت، تتجه الأنظار إلى محافظة لحج المهمة جنوب البلاد والرابطة بين عدن وتعز.
وقد أغارت مروحيات الأباتشي التابعة لقوات التحالف على مواقع، يعتقد أنها لتنظيم القاعدة حول مدينة الحوطة عاصمة المحافظة، كما تتواصل عمليات التمشيط على الأرض وملاحقة فلول المتطرفين.