منذ اليوم الأول لتمدد الحوثيين في العاصمة صنعاء وغيرها من المدن اليمنية ثبت بالدليل القاطع أن حرب اليمن لم تعد حرباً بينية يمنية، فهي حرب أشمل عندما ثبت أن الحوثيين يحملون أجندة ذات طابع شامل تحضيراً للنموذج الإيراني في اليمن، لذلك كان لابد من استباق الموقف وكسر هذا المد الذي يريد تحضير نموذج نظام ولاية الفقيه، وقطع مشروع تمزيق اللحمة الوطنية من خلال شكل من أشكال الطائفية المستحدثة في اليمن، وكان من الطبيعي أن يكون هنالك مبادرة عربية وخليجية بالدرجة الأولى، وأيضاً بتضامن واسع في الأفق الدولي، لوقف هذا المد الذي يعتدي على الجغرافيا والتاريخ في الجزيرة العربية.
فلو لم يحدث هذا التحرّك من قبل دول التحالف العربي حسب ما يرى خبراء ومحللون لكانت المعارك يتم خوضها في المدن الحدودية الجنوبية للمملكة العربية السعودية خاصة في جيزان ونجران لطرد الحوثيين منها، ولذلك أتي هذا التدخل في الوقت المناسب لحماية الشعب اليمني ولحماية الأمن الوطني السعودي والخليجي والعربي بشكل عام. وما كان من دول الخليج إلا أنها قامت بمواجهة العداء الإيراني باستراتيجية الحزم والصدق.
في النهاية أعادت عمليتا «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» الأمور إلى نصابها من الناحية السياسية، بأن انتزعت القرار الأممي رقم 2216 ورسخت الشرعية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي، كما أوضحت حقيقة أن الحوثيين واتباع الرئيس المخلوع علي صالح انقلابيون، وأيضاً صححت مسار الأمم المتحدة الذي انحرف عن طريقه الصحيح عندما شرعن مبعوثها السابق إلى اليمن جمال بنعمر الانقلاب باجتماعه بالمتمردين الانقلابيين بالتزامن مع وجود الرئيس هادي في الإقامة الجبرية، وكذلك حررت نحو 85 في المئة من الأراضي اليمنية، وأعادت الحكومة والرئيس هادي إلى عدن كعاصمة مؤقتة، وبدأت في مرحلة إعادة الأمن والاستقرار انطلاقاً من عدن.
ترسيخ الشرعية
المحلل الأمني والسياسي السعودي إبراهيم آل مرعي قال لـ «البيان» إن «عاصفة الحزم» أعادت الأمور إلى نصابها من الناحية السياسية، حيث انتزعت القرار الأممي رقم 2216 ورسخت الشرعية ممثلة بالرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، كما أوضحت وأثبتت أن الحوثيين واتباع الرئيس المخلوع علي صالح انقلابيون، «ولذلك صححت مسار الأمم المتحدة الذي انحرف عن طريقه الصحيح عندما شرعن مبعوثها السابق إلى اليمن جمال بنعمر الانقلاب باجتماعه بالمتمردين في فندق موفنبيك عدن بالتزامن مع وجود الرئيس هادي في الإقامة الجبرية»، مؤكداً أن الإنجاز الأول لتدخل التحالف العربي هو إعادة الشرعية إلى نصابها من خلال القرار 2216، وثانيها تحرير نحو 85 في المئة من الأراضي اليمنية، وثالثها عودة الحكومة والرئيس هادي إلى عدن كعاصمة مؤقتة، إضافة إلى البدء في مرحلة إعادة الأمن والاستقرار انطلاقاً من عدن من ناحية ضبط السيطرة الأمنية وإعادة الإعمار و«هنا كان للهلال الأحمر الإماراتي ومركز الملك سلمان للإغاثة الدور الأكبر في ذلك، ولا ننسى دور الدول المشاركة في التحالف».
مواجهة شاملة
دول الخليج خاصة، والتحالف عامة، اتخذت قراراً بالتحول من السياسة المسالمة ومن لغة الحوار مع إيران، إلى سياسة مواجهة شاملة حسب إبراهيم آل مرعي، الذي أضاف لـ «البيان» في اتصال هاتفي القول: «نحن نعلم أن إيران احتفلت بسقوط رابع عاصمة عربية واحتفلت بكون بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية، ولذلك 26 مارس هو أول يوم في تاريخ السياسة الخليجية الجديدة التي تدعو إلى مواجهة مباشرة مع إيران على كل المسارات السياسية والعسكرية والأمنية والثقافية والاقتصادية»، وأضاف أنه أتت بعد ذلك الخطوات التي اتخذت من قبل قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية بإنشاء التحالف الإسلامي العسكري ثم مناورات رعد الشمال التي جاء على إثرها إيقاف المساعدات إلى لبنان نظراً لسيطرة حزب الله على القرار، ولذلك نحن نرى الآن بشكل واضح تحول في مسار السياسة الخارجية لدول الخليج ودول العالم العربي والإسلامي إلى سياسة تريد من خلالها الحفاظ على أمنها الوطني والقومي».
وشدد المحلل الأمني والسياسي السعودي أنه لو لم يحدث هذا التدخل من قبل دول التحالف العربي في اليمن، «لكنا نخوض حرباً في المدن الحدودية الجنوبية للمملكة العربية السعودية خاصة في جيزان ونجران لطرد الحوثيين منها، ولذلك هذا التدخل أتى في الوقت المناسب لحماية الشعب اليمني ولحماية الأمن الوطني السعودي والخليجي والعربي بشكل عام، ولذلك لو تأخر التحالف قليلاً لكنا دفعنا ثمناً غالياً ونخوض حروباً داخل حدودنا الجغرافية».
قرار استراتيجي
وأوضح آل مرعي أن قراراً استراتيجياً اتخذ من قبل الولايات المتحدة الأميركية بدعم إيران على حساب المنطقة، وذلك في أول أسبوع من بعد أحداث 11 سبتمبر رغم ثبوت تورط إيران في دعم عناصر القاعدة بإدانة من قبل المحاكم الأميركية، «إيران التي كان لها دور في تفجيرات 11 سبتمبر رأت أميركا آنذاك أنها حليف يجب أن يدعم على حساب الدول العربية، ولذلك موقف الأمم المتحدة والغرب عموماً ليس انحيازاً للحوثيين وإنما قرار اتخذ لدعم إيران لكي تكون شرطي المنطقة، ومقابل ذلك قررت الدول الخليجية والعربية أن تقول لا، وقررت أن تحافظ على مصالحها من خلال اتخاذ خطوات عدة، كانت بداية عاصفة الحزم ثم التحالف الإسلامي ثم مناورات رعد الشمال».
وقال المحلل السياسي والعسكري السعودي إن إيران منذ التسعينيات وهي تدعم الحوثيين في اليمن وهذا ليس سراً، وصرح مسؤولون إيرانيون بأن لديهم 200 ألف عنصر يقاتلون في الدول العربية، وهم قادرون على شن عمليات خاصة وعمليات عسكرية في المنطقة وخصوصاً في الدول العربية، ومن ذلك لا نستبعد أن يرسلوا قوات إلى اليمن. وأكد أن دول الخليج قامت بمواجهة العداء الإيراني باستراتيجية الحزم والصدق، وكان نهاية المسار السياسي والدبلوماسي مع إيران انتهى بطرد السفير الإيراني وتخفيض التمثيل في كثير من الدول الخليجية والعربية والإسلامية.
تغير جذري
من جهته، يوضح الكاتب والباحث اليمني د. عمر عبد العزيز لـ «البيان»: أن الوضع قد تغير جذرياً وراديكالياً من ناحية البعد العسكري منذ بداية العام وحتى يومنا هذا، وقال: «إذا عقدنا مقارنة بين بداية عاصفة الحزم وما نحن عليه في هذه اللحظة سنجد أن المشهد قد تغير جذرياً، حيث إنه قبل إطلاق (عاصفة الحزم) كانت الميليشيات الحوثية وبالتعاون مع الفرق العسكرية الموالية للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح قد سيطرت على معظم المدن اليمنية في شمال الوطن وجنوبه، من صنعاء مروراً بذمار والحديدة وتعز وعدن......، أما الوضع حالياً فتغير جذرياً، حيث أصبح 85 في المئة من مساحة الجمهورية اليمنية في قبضة الشرعية»، ويضيف «فنحن بذلك نستطيع الحديث عن البعد العسكري باعتباره قد تغير جذرياً وراديكالياً».
وبشأن البعد السياسي أبان د.عمر عبد العزيز أنه الجانب الثاني من المقارنة «والذي تمثل في إنشاء حركة مقاومة طوعية في مختلف المدن اليمنية، حيث ذهبت الميليشيات الحوثية، وسنجدها تركزت في المدن الكبرى التي تمثل خاصرة لمهادنة الحل العسكري والسياسي وتحديداً تعز وعدن». وقال إن المتغير الثالث هو قرار مجلس الأمن رقم 2216 الذي يعاضد كامل القرارات والمرجعيات السياسية التي تم الاتفاق عليها في وقت سابق، وهي تحديداً المبادرة الخليجية، ونتائج الحوار الوطني، موضحاً أن القرار الأممي بإجماع مجلس الأمن جاء أيضاً لصالح الشرعية ولصالح «عاصفة الحزم».
دور إماراتي أساسي
وأبرز الكاتب والباحث اليمني د. عمر عبد العزيز في حديثه لـ «البيان» الدور الأساسي والجوهري للإمارات في اليمن الذي زاوج بين العملية العسكرية والدعم اللوجستي الشامل من تطبيع الحياة وإعادة الأمن والاستقرار في جميع المناطق المُحررة من قبضة الميليشيات، وقال: «التحالف العربي تمكن خلال هذه السنة، وأصبح متعدد الحراب ومتعدد الأبعاد والأدوار، ولهذا سنلاحظ أنه في هذه المعادلة، معادلة التحالف العربي في عاصفة الحزم، أن هناك دوراً أساسياً وجوهرياً قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال حسم الموقف في عدن على وجه التحديد، ومن خلال مزاوجة العملية العسكرية بعملية لوجستية شاملة، شملت جميع المناطق التي حررت وتحررت من قبضة الميليشيات».
ويبدو أن اليمن الآن أمام عملية سياسية متغيرة لصالح الشرعية تلوح في أفق ما ولصالح التسوية السياسية في أفق آخر، لكن هذه التسوية الافتراضية ستكون مؤسسة تماماً على قرار مجلس الأمن 2216 وما سبق القرار من مرجعيات تحديداً المبادرة الخليجية ونتائج الحوار الوطني.
أفق للانفراج
وفي هذا الصدد أكد د. عمر عبد العزيز: «نحن الآن في هذه اللحظة نشهد حراكاً سياسياً باتجاه إمكانية أو أفق للانفراج، وهذا الحراك السياسي يتمثل في شرخ واضح المعالم بين تحالف الحوثي وصالح بالإضافة إلى استجابة طرف من الحوثيين، لمقتضيات الالتحاق بالعملية السياسية بهذا القدر أو ذاك بالإضافة إلى مزيد من الانشقاقات في المؤتمر الشعبي العام خاصة في الجناح الموالي للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وبالتالي من هنا نستطيع أن نتحدث عن عملية سياسية متغيرة لصالح الشرعية في أفق ما ولصالح التسوية السياسية في أفق آخر، لكن هذه التسوية السياسية الافتراضية ستكون مؤسسة تماماً على قرار مجلس الأمن وما سبق القرار من مرجعيات تم الاتفاق عليها وتحديداً المبادرة الخليجية ونتائج الحوار الوطني».
حرب شاملة
منذ اليوم الأول لتمدد الحوثيين في العاصمة صنعاء وغيرها من المدن اليمنية ثبت بالدليل القاطع أن حرب اليمن لم تعد حرباً داخلية بينية يمنية، فهي حرب أشمل بمعنى آخر أن الحوثيين كانوا يحملون أجندة تحضير النموذج الإيراني في اليمن، كما حصل في وقت ما في العراق وفي لبنان، حسب ما أوضح الكاتب والباحث اليمني د. عمر عبد العزيز، الذي أضاف أنه «وتبعاً لذلك كان هناك وضوح فيما يتعلق بالتدخل الإيراني السافر في الشأن اليمني من خلال شواهد واضحة المعالم تمثلت أولاً في إرسال سفن مدججة بالأسلحة لتزويد الحوثيين واتباع المخلوع بمزيد من الأسلحة، إضافة إلى فتح خط جوي يومي بين صنعاء وطهران بمعدل طائرتين كبيرتين كل يوم، وهذا الأمر لم يكن طبيعياً على الإطلاق خاصة إذا ما عرفنا أن الوجود اليمني هو أساساً في المملكة العربية السعودية ودول الخليج عامة، وليس هناك إلا بضعة أفراد يدرسون في إيران»، وأضاف: «كما أنه كان واضحاً أن هناك أجندة سياسية ذات طابع شامل، ومن هنا كان لابد من استباق الموقف وكسر هذا المد الذي يريد تحضير نموذج نظام ولاية الفقيه، وهذا أمر طرح منذ الأيام الأولى، حيث كان هناك مرجعية دينية متمثلة في عبد الملك الحوثي، وهنلك أفق لمرجعية دولة بالاسم الذي يخلي من المضمون الذي يبقي الجمهورية ولكن على قاعدة جمهورية ولاية فقيه، تماماً كالنموذج القائم في إيران.
ولاية الفقيه
واكد د. عمر عبد العزيز أنه بالإضافة إلى كل ما سبق فإن إيران عملت على «تأسيس مشروع من أجل تمزيق اللحمة الوطنية من خلال شكل من أشكال الطائفية المستحدثة في اليمن، كالتي نراها في المحنة العراقية، وكذلك التي نراها في تعليق الدولة وتعطيلها في لبنان، وبالتالي كان من الضروري أن يتم الانتباه لهذه المسألة وأمر طبيعي أن يكون هناك مبادرة عربية وخليجية بالتحديد وبالدرجة الأولى وبتضامن عربي واضح المعالم، وأيضاً بتضامن واسع في الأفق الدولي، لوقف هذا المد الذي يعتدي على الجغرافيا والتاريخ في الجزيرة العربية».
وأكد عبد العزيز أنه إذا لم يتم تدخل التحالف العربي في الوقت المحدد كان هذا المشروع سيمتد في اليمن، وسيؤسس لنموذج ولاية الفقيه في اليمن، وسيعيد الإمامة التاريخية اليمنية في أسوأ تجلياتها، وبالتالي كان الأمر سيؤدي إلى انتعاشه في هذا المشروع الذي كان يتباهى علناً «برابع عاصمة عربية في قبضتنا»، كما قال أحد المسؤولين الإيرانيين.
ماذا فعلوا في تدخلهم في العراق ماذا فعلوا في لبنان وماذا يفعلون في سوريا، هذا ما كانوا سيفعلونه في اليمن.
أسباب
قال المحلل الأمني والسياسي السعودي إبراهيم آل مرعي عن أسباب تغير السياسة الخليجية والعربية وتحولها إلى الحزم، «إن أهدافاً استراتيجية وضعتها إيران في العام 1979 وهي تسعى لتحقيقها ولم تحيد يوماً عنها، وقد حققت منذ ذلك الوقت عدداً منها، ومنها أنه أصبح لديها مقعدان دائمان في جامعة الدول العربية ممثلة في العراق ولبنان، وهي تسعى لتحقيق جميع أهداف الثورة الإيرانية لتصل أن تكون هي القوة الإقليمية المسيطرة في منطقة الشرق الأوسط وأن تمتلك السلاح النووي، وأعتقد أنها نجحت في تحقيق جزء كبير من الهدف الأول وسنصحو يوماً على تحقيقها للهدف الثاني، ولذلك تغيرت السياسة الخليجية والعربية».





