بمرور عام على انطلاق عمليتي التحالف العربي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» للتصدي للتمرد الحوثي ومساندة الشرعية والشعب اليمني بقيادة تحققت على أرض الواقع إنجازات ونجاحات متتالية، وبات الجيش الوطني والمقاومة اليمنية يسيطران معظم أراضي البلاد، كما تتجه «عاصفة الحزم» نحو فرض الحل السياسي بعد أن أظهر الانقلابيون استعدادهم لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 والاعتراف بالشرعية ووقف الهجمات على أراضي المملكة العربية السعودية. ويجمع الخبراء والمحللون السياسيون والعسكريون في تصريحات لـ «البيان» على أن إعلان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، في الساعة الثانية صباحاً من يوم الخميس الموافق 26 مارس 2015، بانطلاق «عاصفة الحزم» ضمن عملية عسكرية بمشاركة 10 دول عربية تقودها السعودية استجابة لطلب الرئيس الشرعي لليمن عبدربه منصور هادي بعد انقلاب الميليشيات الحوثية وأتباع صالح عليه، مفاجأة سياسية وعسكرية كبرى، كشفت عن أن الاستراتيجية السعودية مهما بدت لينة في أوقات السلم، إلا أنها قادرة على التحول إلى أنياب في وجه الحرب تقضي على كل من يهدد أمن المجتمع السعودي أو يعرّض سلامة أراضيه للخطر.

تحقيق الأهداف

وأكد الخبير الاستراتيجي رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية بجدة، والمستشار في اللجنة الخاصة بمجلس الوزراء السعودي اللواء أنور عشقي أن «عاصفة الحزم» نجحت في تحقيق جميع أهدافها، وتمكنت من إنقاذ اليمن من الهيمنة الإيرانية ومنعت طهران من بناء منصة إقليمية جديدة في اليمن، وتكوين قاعدة سياسية عن طريق حكومة موالية لها، يشكلها الانقلابون (صالح والحوثيون)، تكون تابعة ومنقادة لملالي طهران ومنصاعة لهم.

وأضاف عشقي أن القيادة السعودية أدركت حجم التحديات التي تشهدها المنطقة العربية في المرحلة الحالية، فجاءت ترسخ العلاقات بين الدول العربية والإسلامية من خلال بناء تحالفات عسكرية قوية لأول مرة في تاريخ المنطقة، وهما التحالف العربي الذي يشارك في «عاصفة الحزم»، و«التحالف الإسلامي» الذي تشكلت نواته العسكرية من خلال مناورات رعد الشمال، مشيراً إلى أن السعودية باتت ركيزة مهمة للتعاون العربي والإسلامي، وبناء مستقبل الأمة.

تحول جوهري

وقال: «لا شك أن عملية (عاصفة الحزم) فرضتها متطلبات الحفاظ على الأمن القومي العربي، وقد أحدثت بلا شك تحولاً جوهرياً في معادلة الأمن بمنطقة الشرق الأوسط، وساهمت في بلورة نظام إقليمي جديد ينهي حالة (السيولة) العربية، ويضع حداً للتدخلات الخارجية القائمة على تأجيج الطائفية والصراعات الداخلية». وأوضح أن الأزمة اليمنية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن أمن الخليج خط أحمر، وأن دول مجلس التعاون لا يمكن أن تصمت أو تتهاون إزاء التحركات المعادية والتدخلات الإقليمية الرامية لتهديد مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.

باب المندب

من جهته أكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي السابق طلال ضاحي أن اكبر تحدٍ واجه قوات التحالف العربي هي عملية تحرير مضيق باب المندب، نظرًا لحساسية المعارك في المضيق الاستراتيجي على ممر الملاحة الدولية. وأوضح أن التخطيط الدقيق للعملية والمهارات والقدرات القتالية العالية التي تميزت بها القوات مكنتها من تحرير هذا الممر الاستراتيجي دون أن تتأثر حركة الملاحة الدولية فيه، حيث تمت من خلال عملية عسكرية خاطفة، لم تتجاوز خمس ساعات فقط، فيما تمكنت القوات الشرعية من تأمين «جزيرة ميون» المشرفة على ممر الملاحة، ومضيق باب المندب الاستراتيجي، التابع لمحافظة تعز، والتقدم نحو مديرية ذوباب الواقعة على البحر الأحمر.

وأضاف ضاحي أن عملية عاصفة الحزم فرضت احترام العرب وأوقفت سخريتهم إقليمياً ودولياً وأعادت للأمة العربية هيبتها وعزتها، مشيراً إلى أن اليمن يمثل إحدى الدوائر المهمة لمعادلة الأمن والاستقرار لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وأن ما يشهده من تطورات وتحــــديات تتـــأثر بها كل الدول المجاورة لها وفي مقدمها السعودية بسبب الحدود الجغرافية الطويلة معها.

قوة جديدة

المحلل السياسي إبراهيم بن نايف الرشيدي قال من جهته إن يوم السادس والعشرين من مارس العام الماضي كان يوماً فصلياً في تاريخ السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث عرفت دول العالم بأن قوة جديدة اختارت أن تواجه الأخطار ضمن تحالفات تنبع من عناصر قوتها التي لا حصر لها، ففاجأت السعودية دول العالم بتحالف لدعم الشرعية في اليمن التي استولت الميليشيات الحوثية الإيرانية فيه على معظم مفاصل الدولة بدعم من الرئيس المخلوع علي صالح.

وأضاف الرشيدي «عاصفة الحزم حققت كل أهدافها الرئيسة، وأهمها منع التمدد والهيمنة الإيرانية على اليمن، مشيراً إلى ان توقيتها كان دقيقاً ومفصلياً لدرجة أنها لو تأخرت مجرد ساعات فقط، لحلت الكارثة، ولكان الإيرانيون أنزلوا في اليمن الآلاف من عناصر الباسيج والحرس الثوري، وكانوا سيطروا على المياه الإقليمية اليمنية، وحينها كان العرب سيحتاجون إلى عشرات الأعوام حتى يخلصوا اليمن والمنطقة من هذه الهيمنة.

«معركة القادسية»

ومن ناحيته قال الباحث في الشؤون الإيرانية حســــين بن فهد الأهدل إنه يشبه «عاصفة الحزم» بـ (معركة القادسية) التي دارت بين العرب والفرس عام 636 وقضت على الإمبراطورية الفارسية إلى غير رجـــعة، وأصبحت مقدمة لفتح المدائن ودخول إيوان كسرى، مشيراً إلى أن «عاصــــفة الحزم» و«رعد الشمال» هي تحالفات عسكرية قوية تؤكد بأن الأمة العربية والإسلامية عازمة على التصدي للعدوان والأطماع الإيرانية المهددة لاستـــقلالها وسيادتها الوطنية.

وأشار الأهدل إلى أن من أهم الدروس المستفادة من عملية «عاصفة الحزم» هو أن الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، والوحدة والتضامن باتت ضرورة ملحة وليست خياراً كما أن التغريد خارج السرب لحسابات خصوصاً أو مصالح آنية لن يجدي نفعاً، على اعتبار أن هناك تحديات قائمة، وتطورات متلاحقة يصعب التنبؤ بها. وأوضح أن من أبرز المكاسب التي حققتها عاصفة الحزم، هو عودة الحكومة اليمنية برئاسة خالد بحاح لممارسة مهامها الرسمية من عدن.

ملفات استراتيجية

من جانبه قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود صالح بن عبد الرحمن العفلق إن «عاصفة الحزم» التي هبت بقيادة السعودية لدعم الشرعية في اليمن يمكن تقييمها بعد مرور سنة من اندلاعها بأنها حركت عدة ملفات استراتيجية أهمها تحقيق التضامن العربي إذ لم تعلن أي دولة عربية رفضها لتحالف «عاصفــة الحزم» باستثناء العراق والجزائر.

وأضاف العفلق أن «عاصفة الحزم» أسست أيضاً لتدخلات عربية أخرى حماية للأمن القومي العربي، فضلاً عن اتخاذ العرب لزمام المبادرة، وذلك لأول مرة في التاريخ دون انتظار موافقة مجلس الأمن أو حتى الأمم المتحدة، فعلى الرغم من أن القادة العرب اجتمعوا يومي 28 و29 مارس2015، وأيدوا عملية «عاصفة الحزم»، إلا أن السعودية لم تنتظر قراراً من القادة العرب، بما يؤسس لتدخلات عربية مستقبلاً في الأزمات دون انتظار لقرار من الجامعة العربية.

توازن

اعتبر الباحث في الشؤون اليمنية عبد الله العبدلي أن مرور عام على اندلاع عاصفة الحزم ذكرى مهمة لها دلالاتها على الصعيدين العربي والدولي، مشيراً إلى أن العملية أعادت بعضاً من التوازن في الميزان الإقليمي وأوقفت حالة التوسع الإيراني غير المسبوقة في المنطقة، كما رسخت التأكيد على أن السعودية وبالتعاون والتنسيق مع شقيقاتها الخليجية والعربية – وليس القوى الإقليمية الأخرى أو حتى الولايات المتحدة - هي من تصيغ الترتيبات الأمنية والإستراتيجية في المنطقة.