في ظروف استثنائية بلغ فيها القلق مبلغاً عاليا في نفوس مختلف الأوساط العربية جراء التوغل الإيراني وتدخلاته في شؤون دول عربية، جاءت كلمة الحسم في مارس من العام الماضي 2015، حيث عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية التي ردّت على تلك الأبواق التي زعمت أن العرب سيقفون عاجزين ولن يحركوا ساكناً أمام محاولات إسقاط اليمن في يد أذرع طهران الخارجية لتكون «العاصمة الرابعة» التي تخضع للمشروع الإيراني.
غيّرت عاصفة الحزم - التي يمر عليها الآن عام كامل مليء بالتطورات على الصعيد الميداني والسياسي في اليمن والمنطقة بشكل عام - المعادلة داخل الأراضي اليمنية، حيث نجحت في تحقيق جل أهدافها الرئيسية في استعادة الشرعية في نحو ما يقارب 80 في المئة من الأراضي اليمنية، فضلاً عن درء المساعي الإيرانية لاستخدام اليمن كساحة حرب لتهديد أمن المنطقة بصفة عامة.
رسائل العاصفة
رسائل عاصفة الحزم العسكرية والسياسية كثيرة ومتعددة كما نتائجها المُحققة على الأرض هناك، العديد من الرسائل والنتائج التي يحددها خبراء ومحللون يمنيون في تصريحات متفرقة لـ«البيان» مؤكدين خلالها أن عاصفة الحزم خطوة تاريخية فاصلة أنقذت اليمن، في الوقت الذي تحدث فيه خبراء في الشؤون الإيرانية حول تأثير عاصفة الحزم على المخططات الإيرانية في المنطقة. ولم تقف آثار عاصفة الحزم عند حد اليمن والحد من الدور الإيراني وتقدم الحوثيين بل إن آثارها قد امتدت إلى أبعد من ذلك حيث التأثير بصورة غير مباشرة على عدد من الملفات الأخرى في المنطقة عقب أن أظهر العرب بقيادة المملكة العربية السعودية قوة وقدرة في حماية الأمن القومي العربي.
ظروف استثنائية
في البداية، قال وزير خارجية الجمهورية اليمنية السابق د. رياض ياسين إن عاصفة الحزم انطلقت في مارس 2015 في ظل ظروف استثنائية صعبة ومعقدة خصوصاً عندما كانت قلوب وعقول العرب تتحسر في كل يوم على ما يحدث في سورية والعراق وليبيا، وكان التشاؤم أن أحداً لن يحرك ساكناً وسيكون اليمن مسرحاً آخر للانهيارات والفوضى، والعاصمة الرابعة التي تسقط في يد دمى إيران ويتم السيطرة عليها من خلال الحوثيين؛ لكن قرار العاصفة - وقبل بدء أعمال القمة العربية في شرم الشيخ (2015) - كان له في الحقيقة أثر ومفعول «سحري» - إذا جاز التعبير - في رفع المعنويات وفي تأجيج الحماس وإعادة الروح إلى العرب والقمة العربية التي كادت توشك أن تكون مثل سابقتها لا تتعدى جلساتها وبياناتها في حدود الشجب والإدانة.
وتابع ياسين القول معبّراً عن اعتقاده بأنّ «أول نتيجة مهمة لعاصفة الحزم هي جمع دول عربية والتضامن والتفاهم بقيادة المملكة العربية السعودية في لحظات فاصلة لاتخاذ قرار تاريخي عسكري فاصل والتنفيذ الفوري».
وتابع القول: «هنا تأتي عاصفة الحزم لتكون غير مسبوقة أيضاً» في هذا السياق. وهنا أستطيع أن أقول إن القيادات الحكيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وقطر والكويت وبقية دول التحالف تكونت لديها الرؤية الواضحة وتبلورت العزيمة مع الخبرة والإرادة واتفقت أن الكارثة ستتضاعف في حالة التردد.
ولفت إلى أنّ «النتيجة الثانية هي إدراك القوى الكبرى أن دول مجلس التعاون الخليجي في اتحادها واستقرارها ونموها تشكل قوة لا يستهان بها، وأنها تعمل أيضاً من أجل السلام والاستقرار الدوليين ولن تقف متفرجة؛ بل فاعلة ومتفاعلة، خصوصاً في ما يتعلق بالمنطقة». أما النتيجة الثالثة والأهم فهي «ازدياد معيار الثقة والتفاهم واللحمة والاطمئنان للقيادات الرشيدة والحكيمة في المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت وكل دول التحالف واليمن وبين الشعب خصوصاً أن معركة تحرير اليمن استشهد فيها وأصيب عدد من أبناء كل هذه الدول ولهم منا كل التقدير والاحترام والامتنان».
مواجهة إيران
وحول سبل مواجهة إيران في اليمن، قال وزير خارجية اليمن السابق إنّ «النظام الإيراني وضع نفسه في فخ آخر بتدخله المباشر في اليمن، خصوصاً بعد انقلاب علي صالح والحوثيين على الشرعية في اليمن ابتداءً من 21 سبتمبر 2014، فعندما استولى الحوثيون على مطار صنعاء وصعدة وميناء الحديدة بدأت الطائرات والسفن الإيرانية تصل تباعاً محملة بكل أنواع السلاح والمعدات التقنية المتطورة وبشكل مفضوح يؤكد أن مخططاتها للإرهاب والتخريب والسيطرة ليست بخافية وأنها تنتهز الفرصة دون تردد».
وحدد ياسين ثلاثة سبل لمواجهة الأطماع الإيرانية في اليمن خصوصاً والمنطقة عموما: أولها، أن تدرك أن رهانها على مساندة ميليشيات أو أقلية أو طائفة أو جماعة إرهابية لزعزعة استقرار اليمن والمنطقة لن يجدي. ورأى أنّ الأفضل لإيران إنْ أرادت أن تكون لها مصالح تجارية أو سياسية أو اقتصادية أن تأتي مباشرة إلى الحكومات الشرعية وتتفاوض معها؛ فذلك أسلم لها وأفضل.
وثاني هذه السبل، أنه «من المهم أن تدرك إيران بعد نجاح عاصفة الحزم أنه مهما كانت البلاد العربية - وخاصة بلدان مثل اليمن - تعاني من ظروف صعبة واستثنائية فإنها لن ترضخ للسيطرة الإيرانية التي تفرق بين السنة والشيعة والموالين والمعارضين وتتعامل بفوقية واستعلاء على شعوب المنطقة؛ فقد أصبح جيران اليمن وأشقاؤها قادرين على الدفاع عن اليمن وعن أنفسهم». وثالثًا، أنّه «لا سبيل لمواجهة إيران إلا بالوضوح وعدم التغاضي والسكوت عن تدخلاتها المستمرة كما يحصل في البحرين والعراق وسوريا ولبنان واليمن.
ولا بد من المواجهة الصريحة من خلال إجراءات صريحة وشفافة وواضحة في تجميد للعلاقات أو قطعها واتخاذ الإجراءات القانونية والدولية إذا استمرت» في ذلك.
تحرير الأراضي
وبدوره، قال عضو الهيئة العليا للتكتل الوطني لإنقاذ اليمن بليغ المخلافي إنه لا شك في أن عاصفة الحزم حققت معظم وأهم أهدافها في اليمن، وكان أبرزها تدمير القدرة العسكرية للانقلابيين، وهذا الأمر تحقق بنسبة تصل لأكثر من 80 في المئة، فضلاً عن عودة الشرعية، فهناك أكثر من 75 في المئة من الأراضي اليمنية مُحررة، كان آخرها مهمة تحرير تعز (جنوب غرب)، مشيراً إلى أن هناك الآن نحو عشر محافظات خارج سلطة الحوثيين تشكل جغرافيًا المساحة الأكبر.
وفي ما يتعلق بصنعاء، قال المخلافي إن هنالك خصوصية لصنعاء؛ كون مساحتها تصل إلى أكثر من خمسة كيلومترات مربّعة ما يدفع بوجود تحديات خطيرة تقف كعقبات في طريق تحريرها لتجنب الخسائر التي قد تحدث انطلاقًا من تزايد عدد السكان، موضحاً أن الواقع الجاري يؤكد وجود خطة لإسقاطها وتحريرها بأقل الخسائر الممكنة. وأكد أن الانقلابيين يدركون الآن أنهم انتهوا ولا سبيل لديهم إلا الاستسلام. مشيراً إلى أهمية قرار مجلس الأمن الدولي الخاص باليمن 2216 والذي صدر في 14 أبريل من العام 2015.
ردع كبير
وإلى ذلك، قال المحلل السياسي اليمني الحقوقي فيصل المجيدي إن عاصفة الحزم حققت معظم أهدافها باستعادة الشرعية في نحو ما يقارب 80 في المئة من الأراضي اليمنية، كما أنها حققت ردعاً كبيراً داخلياً وخارجياً سواء لميليشيات إيران الداخلية (جماعة الحوثي) أو لإيران نفسها باعتبارها المنبع الرئيسي.
وأكد المجيدي أن عاصفة الحزم حققت مشروعاً عربياً ذا أهمية كبرى، كان ذلك المشروع العربي ملهماً ومعززاً للعديد من المبادرات والمشاريع العربية المهمة، وعلى رأسها القوة العربية المشتركة الذي تم إقراره في القمة العربية الأخيرة، فضلاً عن انبثاق التحالف الإسلامي، بقيادة المملكة العربية السعودية، لمواجهة الإرهاب والتطرف في دول المنطقة، وجميعها تؤكد أن العاصفة كانت فاتحة خير لإيجاد مشروع عربي متكامل، كما أن عاصفة الحزم قد أكدت قوة المملكة العربية السعودية العسكرية في المنطقة وقدرة الدول العربية على المواجهة والتصدي للأخطار.
وأفاد المحلل السياسي اليمني بأن عاصفة الحزم نجحت في بلورة ذلك المشروع العربي المتصدي لإيران ومخططاتها في المنطقة بشكل عملي ومباشر، كما أنها كسرت المشروع الإيراني في اليمن، وكانت لها تداعيات أيضًا على ما يحدث في سورية؛ حيث التطورات الإيجابية التي تحدث عنها، من بينها انسحاب الروس وما إلى ذلك من تطورات لا يمكن فصلها عن مسار عملية عاصفة الحزم التي حققت ردعاً مباشراً وغير مباشر وبعثت برسائل مختلفة للمجتمع الدولي وأظهرت قوة السعودية والدول العربية. وأشار إلى أن عاصفة الحزم قد نجحت خلال العام الماضي في مواجهة المحاولات الإيرانية لخلق وتكرار نموذج حزب الله في اليمن، حيث حقق التحالف العربي بصفة عامة انتصارات ساحقة.
وأوضح المجيدي أن الحوثيين لقنوا درساً قوياً، وها هم يحاولون العودة للحوار.
وحول معركة «الطريق إلى صنعاء»، ذكر أنه يجب استكمال السيطرة على المناطق المحيطة بها من أجل «تطويقها»، لاسيما وأن زيادة عدد سكانها تصعب من مسألة استعادتها مباشرة، مشيراً إلى ضرورة استكمال كسر الحوثيين في المناطق المحيطة بصنعاء.. في الوقت الذي شدد فيه على ضرورة أن يتم الدخول إلى عقر دار الحوثيين في صعدة باعتبار أن ذلك يقضي تماماً على مشروعهم.
أذرع إيران
من جانيه، قال الخبير المصري في الشؤون الإيرانية محمد حسن أبوالنور إن عاصفة الحزم «أوقفت خطر الحوثيين المدعومين من إيران ومخططات طهران في التمدد وتهديد دول المنطقة». مردفًا القول إنّه «لو تأخرت عاصفة الحزم شهراً واحدًا فقط لكانت هناك تداعيات شديدة الخطورة على أمن المنطقة».
وأفاد أبوالنور بأن عاصفة الحزم «نجحت في التأكيد على عدد من الرسائل المهمة، يأتي في مقدمتها رسالة بقدرة العرب على التعاون والدفاع عن الأمن القومي العربي واستعادة الشرعية، كما أنها قد أوقفت التهديدات الإيرانية على الحدود مع المملكة العربية السعودية».
وأشار أبوالنور إلى النجاحات الميدانية التي تحققت في الأراضي اليمنية طيلة العام الماضي، وهي النجاحات التي تمكنت من خلالها قوات التحالف العربي من استعادة الشرعية في معظم الأراضي اليمنية.
متوقعاً في السياق ذاته مقاومة إيرانية واسعة لتلك النجاحات؛ حيث تحاول إيران التوسع في تنفيذ سياستها الخارجية الهادفة لنقل الصراعات من الداخل لفتح حروب بالوكالة من خلال دعم مجموعات في العديد من البلدان العربية مثل اليمن وسوريا والعراق ولبنان لدعم مصالح طهران ومشروعها في المنطقة.
عودة الأمل
أفاد الباحث المصري في الشؤون السياسية والاستراتيجية الخبير في الشؤون الإيرانية محمود كمال بأن عاصفة الحزم «أعادت أمل الاتحاد العربي والتكاتف العملي، فهي كانت بمثابة بداية حقيقية لم نشهدها منذ سنوات طويلة لتكاتف عربي وتحالف واسع لحماية الأمن القومي العربي».
ونوه بأن العاصفة حققت نتائج إيجابية واسعــــة منذ انطلاقتها قبل عام، غير أن ما أعاق تنفيذ كامل أهدافها هو الطبيعة التضاريسية الصعبة، وكذلك توزيعات السكان.

