«عاصفة الحــــزم» لم تكن قراراً بالحرب ضد إيران وميليشياتها في المنطقة وحسب، بل كانت أعمق من ذلك عودة الهوية العربية تحت راية عسكرية، ورسالة تنبّه «من يهمه الأمر» أن للأمة سياجاً من قوة ينهض بإرادتهـــا ويرعى أمنها ومصالحها.

هذا المعنى هو ما أكده سياسيون أردنيون علّقوا لـ«البيان» على أهمية العاصفة التي أكدت الدور الاستراتيجي لدول الخليج خصوصاً، والدول العربية عامة لحماية أمن ومكانة الأمة في المنطقة والعالم. فمبكراً، استطاعت العاصفة أن تحقق تحولات دراماتيكية شديدة الانعطاف في حالة الأمة.

وعلى حد وصف الخبير الأردني في الصراعات الدولية عدنان برية لـ«البيان» فإن أبرز ما كشفته «العاصفة» هي الرسالة السياسية التي أوصلتها لكل من يهمه الأمر بأن دول الخليج مستعدة وقادرة، وأنّ فعلها خاطف.

وقال السياسي الأردني والوزير الأسبق ممدوح العبادي لـ«البيان» إنّه «بات من المستحيل تكهن المراقبين لما يمكن أن يجري في اليوم التالي».

العبادي كان يتحدث عن المفاجأة التي وقعت للجميع يوم بدأت عاصفة الحزم. ويقول: «في السابق رأينا كم أن اتخاذ القرارات بطيئة لكنها اليوم باتت أكثر إيقاعاً حتى يظهر للمراقب أن المنعطفات الحادة يصعب التكهن بها أو حتى رؤية ملامحها» من بعيد.

حزم وشدة

فجأة ودون سابق إنذار، تفجّرت عاصفة الحزم في وجه من يريد أن يكيد للأمة، ويريد لها سوءاً. بحزم وبكثير من الشدة راحت عاصفة الحزم تطيح بكل المخططات التي أرادت أن تحاصر الأمة، عندما حركت إيران أذرع ميليشياتها الحوثية لتحتل اليمن، بهدف تخريبها خصوصاً وبناء تهديد لخاصرة الخليج عامة.

حالة عربية

انطلقت أول مقاتلات عاصفة الحزم فشعر العرب أن أمورهم أصبحت بخير، ليس في اليمن وحسب، بل بين شعوب المنطقة بأسرها، فالعاصفة لم تؤسس لعودة العدالة إلى اليمن فحسب، بل وشكلت منطلقاً ومعنى لتؤسس حالة عربية تذهب بمصالح الأمة نحو الرعاية القصوى.

ومع فشل إيران وميليشياتها في اليمن، وخروج قوة الروس الرئيسية في سوريا أصبح المحللون يسألون إذا ما كان هناك عدة أشكال لعاصفة الحزم منها العسكرية كما ظهر في اليمن، لكن منها أيضا المالية والاقتصادية، إضافة بالتأكيد إلى السياسية كما ظهر في بيروت، بعد أن تحولت لبنان إلى مستعمرة إيرانية.

هذا تحديداً ما نسف رغبة طهران المعلنة في جعل سوريا الولاية الإيرانية رقم 35، فالأمر ليس مرتبطاً بالأجندات الإيرانية في اليمن فقط. هي سلة من المصالح الإيرانية استطاعت عاصفة الحزم أن تبددها.

الحوثي يتجرع السم

عندما انفجرت عاصفة الحزم بدأ الحوثيون بتجرع السم الذي أرادوا سقايته للعرب، بعد أن تحولوا إلى مجرد أداة بيد الإيرانيين. وهذا ما يدركه الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، لهذا قال في تصريح له مؤخرا: «لولا عملية عاصفة الحزم لسقط اليمن وأصبح إيرانياً»، محذرا من أن «طهران هدفت إلى ابتلاع الجزيرة العربية كلها».

صفحة جديدة

من أجل ذلك دأب المراقبون والمحللون السياسيون على التأريخ بعاصفة الحزم لبدء مرحلة سياسية جديدة ليس فقط لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بل وفي الأمة بأسرها.

وفي هذا السياق يؤكد الوزير الأردني الأسبق د. ممدوح العبادي أن العالم بات أمام صفحة جديدة من طريقة التعاطي مع الأزمات الإقليمية غير المتعارف عليها تاريخياً، فالقرارات مفاجئة وسريعة بطريقة لم نعتد عليها. ويضيف: «في السابق حيث كنا نرى قرارات لأمور تأخذ مجرى مختلفاً وطويلاً من ثم يعلن القرار... لكن ومنذ عاصفة الحزم كل شيء تبدل، وبطريقة دراماتيكية».

ما يدعو إلى الاستغراب ليس في هذا وحسب، بل وفي كون من الصعب على المراقبين التكهن بسيناريوهات المرحلة المقبلة، وذلك بفعل ما أكدته عاصفة الحزم من عوامل مفاجئة، يقول العبادي إنّه «بعد عاصفة الحزم بتنا غير قادرين على التكهن بشيء وعلى أي محلل أن يقف بحذر لأيام بل لأسابيع قبل أن يتوقف ويرى ما يجري ويسأل نفسه ماذا سيجري غداً».

أما أمين عام الحزب الوطني الدستوري د. أحمد الشناق فوصف لـ«البيان» عاصفة الحزم بأنها مهدت لـ«تحالفات إقليمية متينة تهدف لحماية أمن واستقرار المنطقة بعيدا عن الطائفية والفكر الميليشياوي والطائفي وحماية للأمة من التفتيت والهيمنة والنفوذ»؟

ويتابع الشناق القول: «لقد استطاعت عاصفة الحزم أن تحيط مصالح الأمة بسياج نهج يحارب الفكر الطائفي، وينظر إلى التحزّب الميليشياوي على أنه خطر على الأمة»، مشيرا إلى أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي لدول الخليج، والأمة بصفة عامة.

عقيدة من سلام

النائب الأردني خليل عطية، فيقول لـ«البيان» إن «الأمة العربية، التي تتخذ من السلام عقيدة، تقترب يوماً تلو الآخر من امتلاك إرادتها الوطنية والقومية، التي فقدتها على مدى عقود عديدة»، فيما جاءت عاصفة الحزم لتكريس تلك الإرادة في قوة عربية ـ إسلامية.

بدوره، يقول العقيد الركن المتقاعد من المخابرات الأردنية خالد المجالي لـ«البيان» إن «عاصفة الحزم جاءت في سياقات طبيعية، خصوصا وأن التهديدات العسكرية الأمنية والمصالح الاستراتيجية العليا للأمة صارت مهددة بصورة لم يعد بالإمكان الصمت عليها». ويؤكد المجالي على أن توقيت هذا الفعل العربي الحازم «كان مهماً لجهة استعادة التوازن في الخاصرة الجنوبية ثم تحقيق النصر» بعد أيام طويلة من المواجهة التي مالت العمليات فيها بالبداية لصالح المليشيات الانقلابية المدعومة من إيران وبعد أن قبل الرئيس المخلوع على نفسه أن يتحول إلى مجرد قاتل لشعبه». ويراهن المجالي على «القوة العسكرية لعاصفة الحزم، إضافة إلى قوتها الأخلاقية والسياسية في العالم، للنهوض بالمنطقة والإقليم في مواجهة المشروع الفارسي». ويقول: «هذه ليست حرباً فقط بل هي أرضية للتأسيس على تحالف أخلاقي متين للأمة».

لم شمل المنطقة

من جانبه، وصف النائب العراقي طه اللهيبي تحركات عاصفة الحزم بـ«الخطوة المهمة للأمة بأسرها، وليس فقط لليمن»، واصفاً العملية بـ«الخطوة نحو لم شمل العالم الإسلامي بعد أن اتضح أن العالم بأسره يقف في صف إيران من أجل إبادة أهلنا في اليمن».

وقال اللهيبي لـ«البيان» إن الأمة العربية «ليس لها خيارات إلا أن تقف متحدة بعد أن كشر العالم كله عن أنيابه ضدها»، مشيراً إلى أن «على العرب أن يتحركوا سريعاً بعد مقتل الآلاف من اليمنيين إضافة إلى التحرك الإيراني للسيطرة على جنوب الجزيرة العربية بما يشكل خطرا محدقاً ليس على الخليج وحده بل على الأمة والعالم بأسره». وأعرب عن أمله أن تكون نتائج عاصفة الحزم انقلاباً في ميزان القوى.

هوية جديدة

ويقول الخبير في الصراعات الدولية عدنان برية لـ«البيان» إنّ عاصفة الحزم انطلقت من القلق الخليجي على الأمن الإقليمي بسبب ما كان يجري في اليمن من تبدلات في موازين القوى، إلا أن الأمر تجاوز كونه مجرد اشتباك عسكري إلى ما يمكن وصفه أنه مشروع عربي ـ إقليمي يهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق ورفع كلفة التدخل الإيراني في المنطقة، في سياق توقيفه وقد نجح. ويضيف: «سبق ذلك خطوات هيأت فيها إيران لنفسها محاولة أخذ قيادة الشرق الأوسط الجديد بعد تغير مراكز القوى، فقامت أذرع طهران وميليشياتها في المنطقة بدور كاد أن يطيح بكل أمن المنطقة» مستغلة انشغال العرب بمجريات الأحداث في عدد من الدول العربية.

قات سياسي

يدرك الخبير الأردني في الشؤون الإيرانية فتح رضوان أن معركة اليمن الكبرى هي إنهاء سنوات من عبث المخلوع.

ويقول رضوان لـ«البيان» إنّ عاصفة الحزم «تعمل على خلع تخدير القات السياسي الذي فرضه علي عبدالله صالح على البلاد سنوات طويلة».

ويشير إلى أنّ ما فعلته عاصفة الحزم هو «وضع حد لمواصلة القات السياسي في إهدار عقول وإمكانيات وأموال» اليمنيين الجبارة، منوها بان «الحزم» أوقفت النزيف العربي في اليمن بحرصها على وحدة البلاد والعباد، من دون أن يتحول اليمن إلى خاصرة الأمة الأضعف بل المصانة.