هدأت المعارك خلال الشهرين الماضيين، وبدأت الحياة تعود إلى طبيعتها بعد زوال الخطر الحوثي عن محافظة مأرب، شرقي اليمن، لكن شعلة النصر لاتزال تتقد وجذوته تتعمق يوماً بعد آخر في نفوس أبناء واحدة من أهم المحافظات اليمنية بالنسبة للشرعية.

وعلى مدار الساعة، تعج محافظة مأرب بالحياة، مدنها وقراها الصغيرة استوعبت خلال الشهور القليلة الماضية آلاف اليمنيين الذين فروا من جحيم الحوثي ليلتحقوا بصفوف الجيش الوطني والمقاومة الشعبية اللذين يجري تدريبهما في مأرب.

لم يستطع الحوثيون أن يسيطروا على مدينة مأرب، مركز المحافظة، ودارت على مشارفها أعنف المعارك، وذاق الحوثيون الويلات. تقول تقارير غير رسمية إن الحوثيين فقدوا آلاف مسلحيهم في مأرب وهو رقم معقول إذا ما قورن بالدمار الذي خلفته الحرب في تلك المناطق.

مركز

باتت المدينة القابعة وسط صحراء الربع الخالي مركزاً لقيادات التحالف العربي والحكومة اليمنية الشرعية، إذ أنشأوا فيها معسكرات تدريبية، ونصبوا فيها صواريخ اعتراضية (باتريوت) منعت وصول صواريخ الحوثيين إليها، ودفعت عنها خطر القذائف الصاروخية التي كان الانقلابيون يستهدفون من خلالها المدينة.

ومنذ أيام زارها نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية الفريق الركن علي محسن الأحمر وقائد القوات البرية السعودية، وقائد القوات الخاصة ووحدات المظليين اللواء الركن الأمير فهد بن تركي بن عبدالعزيز للاطلاع على سير جبهات القتال على تخوم العاصمة صنعاء والترتيبات التي تجري من أجل تحقيق ذلك.

ميدانياً، لا يزال آلاف الرجال يحتفظون بمواقعهم في الصفوف الأمامية لجبهات القتال، سواء كانوا من أبناء مأرب أو من خارجها، فلقد كانت معركة مأرب معركة كل اليمنيين، باعتبارها كانت معركة مصيرية إما أن تنتصر الدولة، وإما أن تتغلب الميليشيا. الدولة انتصرت في مأرب، ومنها ستكون معركة استعادة الدولة المنهوبة.

معسكرات

أصبحت مدن مأرب وصحراؤها مقرات لمعسكرات الجيش الوطني، ففيها يتم التدريب ومنها يتم الانطلاق نحو جبهات القتال، إضافة إلى أنها باتت مقراً لقيادات الجيش بمن فيهم رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن محمد المقدشي وبقية قيادات الألوية العسكرية الموالية للشرعية.

انتعشت أسواق المدينة ومثّل قربها من الحدود السعودية عبر منفذ الوديعة ميزة لها دون غيرها، فاكتظت بأصناف البضائع، صحيح أنه طرأ ارتفاع ملحوظ على أسعار المواد الغذائية إلا أن توفرها في وقت الحرب والأزمات أنسى الناس مرارة ارتفاع الأسعار.

أعلنت مأرب منذ شهور مضت قطع علاقاتها بالعاصمة صنعاء، التي تحتلها ميليشيا الحوثي وقوات موالية للمخلوع، وبدأت المدينة الصغيرة تدير أمورها من الداخل، وتستقبل واردات الغاز والنفط إلى خزينة البنك المركزي - فرع مأرب بدلاً عن توريدها إلى صنعاء.

خسائر

يقول سالم مثنى، وهو مراسل تلفزيوني من أبناء المدينة إن «مأرب لا تزال تحافظ على مكانتها المتقدمة في مقارعة القوى الانقلابية رغم مرور عام كامل من المواجهات مع ميليشيا الحوثي وصالح».

وأضاف مثنى في حديث لـ«البيان»، أن «القوى الانقلابية حاولت السيطرة على محافظة مأرب وخسرت مقابل ذلك المئات من مقاتليها ولم تفلح في الوصول لأهدافها»، في المقابل دفعت المقاومة الشعبية والجيش الوطني ثمناً كبيراً من أجل منع الميليشيا الانقلابية من السيطرة على مأرب التي صارت الملجأ الوحيد والآمن للمناوئين للانقلابيين، حيث فاق عدد الشهداء الألف شهيد من مختلف المحافظات. وتابع أنّه «بعد دحر الميليشيا من أغلب المناطق بالمحافظة وبعد أن كنا نتوقع أن أبناء مأرب أُنهكوا جراء الحرب المستمرة منذ عام وقبلها رباطهم في مطارح القبائل لعدة أشهر، نرى أن الجاهزية ما زالت قائمة وبقوة، حيث عاد أبناء القبائل بالآلاف لإقامة مطارحهم في نخلا والسحيل والتي كانوا غادروها» منتشرين بين الجبهات خلال العام المنصرم.

تطلعات وآمال

يعقد كثير من أبناء مأرب الآمال على الحكومة الشرعية ودول التحالف في إيلاء المحافظة النفطية أهمية خصوصاً في جوانب التنمية، وهناك وعود مباشرة من دول التحالف في إنشاء مطار في المدينة وتجهيز مستشفياتها، إضافة إلى استكمال مشروعات الكهرباء المتعثرة منذ سنوات.

يستبشر مواطنو مأرب خيراً، فلطالما ظلموا خلال السنين الماضية من قبل الحكومات المتعاقبة، ولم يُعطوا نصيبهم من السلطة والثروة، رغم أن مأرب ترفد ميزانية الدولة بمليارات الدولارات من عوائد النفط والغاز والطاقة الكهربائية؟

إضاءة

تقع مأرب شرقي العاصمة صنعاء وتبعد عنها حوالي 170 كيلومتراً فقط، ويبلغ عدد سكانها نحو 280 ألف نسمة موزعين على مناطق السهول والوديان والجبال. وأغلب أراضي المحافظة زراعية، فيما عدى مناطق الصحراء والرمال التي بها حقول النفط والغاز. وتكمن أهميتها نظراً لوجود حقول النفط بها، ومنها يمتد الأنبوب الرئيس لضخ النفط من حقول صافر إلى ميناء رأس عيسى على البحر الأحمر، كما يوجد بها أنبوب لنقل الغاز المسال إلى ميناء بلحاف في محافظة شبوة جنوب اليمن، إضافة إلى وجود محطة مأرب الغازية التي تمد العاصمة صنعاء وعدة مدن بالطاقة الكهربائية.