أنهت عاصفة الحزم عاماً على بدئها بتمكّنها من هزيمة الانقلاب في اليمن. واستعادت الشرعية السيطرة على معظم مناطق البلاد وفتحت الباب أمام المسار السياسي لاستكمال مرحلة بناء اليمن الاتحادي وفقاً لمقررات مؤتمر الحوار الوطني.

قبل عام كان الانقلابيون يسيطرون على 80 في المئة من الأراضي اليمنية والرئيس عبدربّه منصور هادي وحكومته في المنفى، وبدا ان الجماعة المدعومة من طهران قد انفردت بالحكم، لكن ذلك انتهى اليوم حيث أضحت الحكــــومة الشـرعية تســـــيطر على اكثر من 80 في المئة من أراضي الدولة، والجيش الوطني يدق أبواب صنعاء، والانقلابيون يبحثون عن مخرج سياسي يجنبهم الهزيمة الكاملة.

في فبراير 2015 تمكن الرئيس عبدربّه منصـور هـــادي من الافلات من قبضة الانقــــلابيين الذين وضعوه تحت الإقامة الجــــبرية ووصل إلى عدن معلنا سحب الاستقالة التي تقدم بها مُكرها إلى مجلس النواب وألغى كل القرارات التي اتخذت منذ دخـــول الانقلابيين الحوثيين إلى صنعاء بمساعدة الرئيــس المخلوع علي عبدالله صالح.. وهو امر جعل الانقلابيين يفقدون صوابهم حيث وجهوا الطــــائرات الحـــربية لقصف مقر اقامة الرئيس هادي في عدن وتوجهوا نحو احتلال المدن والمحافظات حتى وصلوا مشارف مدينة عدن ولم يجد الرئيس لنفسه وحكومته مكاناً آمناً داخل البلاد ما جعلهم يغادرونها إلى العاصمة السعودية الرياض.

وساطة محلية

قبل ذلك كان الانقلابيون وضعوا رئيس الوزراء خالد بحاح وعدداً كبيراً من وزرائه قيد الإقامة الجبرية في منازلهم في صنــــعاء قبل أن يوافقوا على السماح لهم بالمــــغادرة بـــعد وساطة محلية ودولية بشرط ان يكون ذلك إلى خارج البــــلاد وأن يلتزم هؤلاء بعدم ممارسة العمل السياسي خشية ان تنتقل الحـــكومة إلى عدن لتمارس مهامها من هناك وإسقاط الانقلاب.

وفي حين كان الانقلابيون يعيشون نشوة الانتصار على الشرعية ويتقاسمون مقدرات الدولة اليمنية والسيطرة على شعبها جاءت عاصفة الحزم لتبدد تلك الأحلام وتعلن بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة واليمن عنوانها الحزم، ومضمونها الأمن القومي العربي الذي اخترق في اهم مواقعه خدمة للمشروع الايراني الذي يسعى لتصدير الفتن المذهبية وتمزيق شعوب الأمة العربية.

بعد مضي عام على بدء عمليات عاصفة الحزم في اليمن تشكل الجيش الوطني الذي يضم عشرات الآلاف من كل مناطق البلاد بعد ان كانت وحدات الجيش ذات انتماء جهوي واحد يخدم السيطرة والغلبة الجهوية، والسلطة الشرعية تُمارس مسؤولياتها في المهرة وحضرموت وشبوة ومأرب وأبين وعدن ولحج والضالع والجوف، وتسيطر على أجزاء واسعة من مدينة تعز ومن محافظة حجة والمقاومة والجيش الوطني يخوضان معارك يومية في تعز والبيضاء وإب والضالع وحجة.

عشية انطلاق عاصفة الحزم كانت الحكومة الشرعية من دون جيش او أجهزة أمن، إذ سيطر الانقلابيون الحوثيون وشريكهم الرئيس المخلوع على وحدات الجيش لاعتبارات جهوية كما دمر الانقلابيون بقية وحدات الجيش والأمن ذات الولاء الوطني والمؤسسات الأمنية واستولوا على المؤسسات المدنية، واعتقلوا الآلاف من النشطاء المعارضين للانقلاب وتوجهوا صوب السيطرة على منابع النفط والغاز في محافظتي مأرب وشبوة.

ضربات سريعة

ومع بداية العاصفة تم تدمير المقاتلات الجوية ومعظم منظومة الصواريخ، كما أغلقت الأجواء وأخضعت السواحل لرقابة قوات التحالف لمنع ايران من إرسال الأسلحة والخبراء للانقلابيين. وحددت أهداف العملية باستعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب ومن ثم استكمال المسيرة السياسية وفقا للمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمـــن ومقررات مؤتمر الحوار الوطني.

الانقلابيون رفضوا في بداية الامر الإقرار بشرعية الرئيس هادي وحكومته وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 على اعتبار انهم يسيطرون على معظم الأراضي، وتمسكوا بهذا الموقف بعد ذلك رغم الهزائم المتتالية التي لحقت بهم بدءاً من محافظة الضالع التي كانت عاصمتها أولى المدن التي تحررت مرورا بمحافظة عدن ثم لحج فشبوة ومأرب وأخيراً الجوف غير انهم ومع وصول قوات الجيش الوطني إلى مشارف صنعاء أدركوا أنّ النهاية حتمية.

وخلال الجــــولة الاولى من محادثات السلام استهان الانقلابيون بتفاصيل المعركة وبقرارات الأمم المتحدة وذهـــبوا إلى جنيف دون ان يلتزموا بالعدد المحدد لفريق التفاوض وهددوا بنقل المعركة إلى داخل الأراضي الســــعودية، قبل ان يتلقوا بعد ذلك صفعة تحرير مدينة عدن وقبلها الضالع وبعدها شبوة ثم لحج، كما قطعت شرايين امداداتهم عبر التهريب الذي كان يتم من خلال البحر عندها ارتفعت اصواتهم المطالبة بإنهاء الحرب، ولكن استمروا في رفض الإقرار بشرعية الرئيس هادي والانسحاب من المناطق التي يسيطرون عليها.

الهزيمة تلوح

وقبل نهاية العام الماضي كان الانقلابيون قد أدركوا قرب الهزيمة فاقترحوا خلال الجولة الثانية من محادثات السلام تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى استلام المدن ودمج المليشيات متجاهلين نص قرار مجلس الأمن ومتجاوزين المطلب الدولي بتسليم كل الاسلحة الثقيلة التي استولوا عليها من مخازن الجيش، وعدم منازعة السلطة الشرعية اختصاصاتها، كما رفضوا الإفراج عن وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي وشقيق الرئيس هادي والقيادات العسكرية والمدنية والنشطاء من سجونهم، بل ورفضوا رفع الحصار عن عشرات الألوف من المدنيين المحاصرين وسط مدينة تعز، وظهر المخلوع علي صالح مهدداً بأن الحرب لم تبدأ بعد وأنّه مستعد للقتال 20 عاماً.

ولأن الأوضاع تغيرت على الأرض بشكل مختلف جذرياً عما كانت عليه مع بداية عاصفة الحزم، وخلافاً لتقديرات الانقلابيين عادت الحكومة للعمل من الداخل، وأضحت قوات الجيش الوطـــني والمقاومة على مشارف صنعاء في حين أنّ وحدات اخرى من هـــذا الجيش الذي تم تشكيله وتأهيـــله في زمن قياسي تتقدم في الساحل الغربي نحو ميناء الحديدة. وتمكنت وحدات من هذا الجيش من فك الحصار عن تعز.. ما دفع إلى تغيير مواقف الانقلابيين بشكل كامل.

ووسط هذا التقدم الكبير ذهب الانقلابيون إلى المملكة العربية السعودية خاضعين وأوقفوا هجماتهم عبر الحدود، وبدأوا بنزع الألغام التي زرعوها على جانب الشريط الحدودي كما أبدوا استعدادهم لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي وتخلوا عن لغة التعالي التي كانوا يتحدثون بها منذ سيطرتهم على العاصمة في 21 سبتمبر 2014.

ولم يكتف الانقلابيون بإظهار الرغبة في تنفيذ ما كانوا يرفضون الالتزام به من قبل بل خرج منظر الجماعة يوسف الفيشي بتصريح غير مسبوق رد فيه على نائب رئيس أركان الجيش الايراني عن استعداد بلاده إرسال خبراء عسكريين إلى اليمن لمساعدة الانقلابيين كما حصل في سوريا. وانتقد الفيشي تدخل طهران في الشؤون اليمنية وطلب من المسؤولين فيها الكف عن استغلال الملف اليمني.. في موقف يوضح بجلاء خيبة الأمل التي أصيب بها هؤلاء وانتهاء التطلعات الإيرانية بالسيطرة على جنوب الجزيرة العربية.

حقائق

مع بداية عاصفة الحـــزم كان الانقلابيون يسيطرون على 20 محافظة وظلت محافظات حضرموت والمهرة وسقطرى خارج نطاق سيطرتهم. أما اليــوم فتسيطر الشرعية على 11 محافظة تمثل نحو 80 في المئة من مساحة البلاد. والمحافظات التي باتت ترفرف عليها راية الشرعية هي: عدن، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى، ومأرب، والجوف، وشبوة، وأبين، والضالع، ولحج، ونحو 70 في المئة من محافظة تعز.. فيما تدور المواجهات بين الجيش الوطني والمقاومة في خمس محافظات هي: تعز، والبيضاء، وصنعاء، وحــــجة، وإب، وعلى أطراف محـــافظة الجوف مع محافظة صعدة.

ولم يعد الانقلابيون يسيطرون إلاّ على العاصمة ومحافظات: صعدة وعمران والمحويت وذمار والحديدة وريمة.