في نهاية فبراير من العام الماضي كان الحوثيون على وشك تحقيق مخطّطهم، ومخطّط من يحرّكهم، لحكم اليمن كاملاً بالتحالف مع المخلوع علي عبدالله صالح لولا تمكن الرئيس عبدربه منصور هادي من الإفلات من الإقامة الجبرية التي فرضها الحوثيون عليه في صنعاء.
مع توجه هادي إلى عدن تمادى الإنقلابيون في حربهم على الشرعية، إثر قرارهم الزحف جنوباً والاستيلاء على عدن. واليوم يتمركز الحوثيون في محافظات شمالية بعد هزيمتهم في معظم المناطق التي تمددوا فيها بعد فبراير 2015، بما في ذلك تعز التي توشك أن تخرج من أيديهم كاملة.
ما كان لسيطرة الحوثيين أن تنحسر لولا تدخل تحالف عربي تشكل بقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة. وجاء هذا التحالف العربي بعد طلب قدمه الرئيس هادي لدعم الشرعية وإنهاء الانقلاب على مخرجات الحوار وخطف الدولة اليمنية.

مرجعية 2216
في موازاة المعارك الميدانية، شهدت الأروقة الدبلوماسية عربياً ودولياً حرباً طويلة كرست فيها الدول العربية عدم شرعية الانقلابيين، ليصبحوا «خارجين عن القانون» يمنيا وعربيا ودوليا. وخُصّص لهذا المسار السياسي الطويل والشائك جهد دبلوماسي مكثف، تمثل أولاً في شرعية التدخل في اليمن استنادا إلى موافقة دولية، ففي القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي (2216) في 14 أبريل 2015، أشار إلى الرسالة التي أبلغ فيها الرئيس هادي الأسرة الدولية بطلبه تدخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، بما فيها التدخل العسكري، لـ«حماية اليمن وشعبه من استمرار عدوان الحوثيين» كما جاء في نص القرار.
وبات القرار 2216 المرجعية الرئيسية للحل السياسي في اليمن، وشكلت دقة صياغته وشفافية بنوده حجر عثرة أمام وفد المتمردين في محادثات جنيف لإحداث أي اختراق أو تحوير لبنود القرار، فكل أبواب الالتفاف باتت مسدودة، وبالتالي أصيبت المراوغات التي اتبعها الانقلابيون والتي اشتهر بها علي عبدالله صالح على مدى تاريخه، بشلل وفقدان الفاعلية إلا في حالة الاستجابة بإنهاء الانقلاب وتسليم السلطة ومؤسسات الدولة للشرعية.
إحباط ثغرة
ولم يحل ذلك دون حدوث عقبات كبيرة للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، حيث تركز الخلاف على مصير الرئيس عبد ربه منصور هادي. وكاد الحوثيون يحدثون ثغرة في القرار الأممي عبر ما عرفت بـ«مبادئ مسقط» وتضمنت التزام جميع الأطراف لتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بما فيها القرار 2216 وفقا لآلية التنفيذ التي يتم الاتفاق عليها ودون التعدي على السيادة الوطنية ، ومع تحفظات بشأن فرض عقوبات ضد المواطنين اليمنيين، ووقف إطلاق نار دائم وشامل من قبل جميع الأطراف لسحب جميع الجماعات المسلحة والميليشيات من المدن وفقا لآلية متفق عليها لتجنب أي فراغ أمني وإداري إلى جانب رفع الحصار البري والبحري والجوي، واتفاق على أداة رصد محايد من أجل التحقق من تنفيذ الآليات المذكورة أعلاه التي سيتم الاتفاق عليها تحت رعاية الأمم المتحدة ، إلى احترام القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك العناصر المتعلقة بحماية المدنيين والإفراج عن الأسرى والمعتقلين من جميع الأطراف ، بما في ذلك تلك الواردة في قرار مجلس الأمن.

مناورة سياسية
وجه المناورة في النقاط السابقة تمثلت بـ«سحب جميع الجماعات المسلحة والميليشيات من المدن»، وهو تعبير مصاغ لتشمل أيضاً فصائل المقاومة الشعبية التي تقاتل إلى جانب قوات الشرعية، ومدخل أيضاً ليتم مستقبلا دمج قطعات موالية للرئيس المخلوع في إدارة الجيش. كما طرح الحوثيون في لقاءاتهم التمهيدية مع المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ فكرة «الانتخابات المبكرة» من أجل استبعاد الرئيس هادي من مرحلة الحل السياسي، وكان من شأن الموافقة عليه أن يخل أساساً بالقرار 2216، واحتمال خضوعه لإعادة بناء بما يخدم الحوثيين وحليفهم علي عبدالله صالح، أو على الأقل تخفيف وطأة تبعاتها على الفريقين المتحالفين.
أرضية عربية
وسبق صدور القرار 2216 القمة الـ26 لجامعة الدول العربية في 29 مارس 2015، أي بعد ثلاثة أيام من تدخل التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن. وشهدت القمة توافقاً مع التحالف باعتبار أن الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي هو من طلب التدخل، ومعه رئيس حكومته خالد بحّاح، وبالتالي حتى الدول غير المؤيدة للتدخل فإن موقفها اقتصر على التحفظ أو إبداء ملاحظات، لأن الرفض من حيث المبدأ يعني تأييد حكومة شرعية لانقلاب على الشرعية في دولة أخرى.
وفي البيان الختامي للقمة الـ26، أكد القادة العرب ترحيبهم وتأييدهم الكاملين للإجراءات العسكرية التي يقوم بها التحالف للدفاع عن الشرعية، آملين أن تؤدي هذه «الإجراءات العسكرية الاضطرارية إلى إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع اليمن بقيادة شرعيتها الدستورية والتصدي لكل محاولات جماعة الحوثيين وبدعم من أطراف خارجية رامية إلى تهديد أمن اليمن والمنطقة والأمن القومي العربي وتهديد السلم والأمن الدوليين وذلك عبر مصادرة الإرادة اليمنية وإثارة الفتن فيه وتفكيك نسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية».
وطالب القادة العرب جماعة الحوثيين بالانسحاب الفوري من العاصمة صنعاء والمدن الأخرى والمؤسسات والمصالح الحكومية وإعادة تطبيع الوضع الأمني في العاصمة والمحافظات الأخرى وإعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى السلطات الشرعية الدستورية.

محادثات جنيف
على هذه الأرضية من المساندة والدعم السياسي عربياً ودولياً شارك وفد الشرعية في محادثات «جنيف1» التي أجريت في 16 يونيو الماضي، واستمرت ثلاثة أيام فقط، بسبب اتهام الحكومة لوفد التمرد بعدم الالتزام بالقرار الأممي، ومحاولات المتمردين ضرب أساس المحادثات عبر مطالبتهم بالتفاوض مع المملكة العربية السعودية مباشرة.
في منتصف أغسطس 2015 سلمت الحكومة الشرعية خطتها الخاصة بتطبيق قرار مجلس الأمن 2216 للمبعوث الأممي ولد الشيخ، وتضمنت جملة نقاط تمثل وجهة نظر الحكومة والسلطة الشرعية من خلال وضع آلية تنفيذية لتطبيق القرار 2216. وفي الفترة ذاتها قام الحوثيون بتسليم المبعوث الأممي ما اصطلح على تسميته بـ«مبادئ مسقط»، والتي لم يتم الأخذ بأي من بنودها، في إخفاق آخر لفريق الحوثيين وصالح.
قام المبعوث الأممي بجولات مكوكية تأجل خلالها مؤتمر جنيف2، الذي كان مقرراً في 23 نوفمبر وليعقد أخيرا بتاريخ الـ15 من ديسمبر الماضي، وتكللت بنجاح نادر لوقف هش لإطلاق النار، لكن المحادثات لم تفشل مباشرة، بل تم الاتفاق على جولة أخرى ثانية لم تعقد حتى اليوم. وقاد عبدالملك المخلافي وفد الشرعية في «جنيف2» بعد تعيينه خلفاً لرياض ياسين.
تتويج الانتصار
وبات استكمال تتويج الانتصار النهائي للحكومة الشرعية مسألة وقت في ظل المعادلات الحالية، والتي كان بعضها مفاجئاً، مثل مهاجمة قيادي حوثي كبير للسياسة الإيرانية في اليمن طالباً منها الكف عن التدخل، مع ملامح لـ«تكويعة» حوثية محتملة باتجاه جوارها العربي، نتيجة الضغط العسكري الكبير عليهم في ساحات المعارك، والإخفاق الكبير في حلبة السياسة.

مضمون القرار الدولي
ينص القرار الدولي 2216 الصادر عن مجلس الأمن على فرض عقوبات على قادة الحوثيين تتمثل في تجميد أرصدتهم ومنعهم من السفر للخارج، إضافةً إلى حظر توريد الأسلحة لهم، وطالب القرار أيضاًَ الدول المجاورة بتفتيش كافة الشحنات المتجهة إلى اليمن.
كذلك، يطالب القرار الحوثيين بتنفيذ سبعة مطالب رئيسية، وأبرزها «الكف عن استخدام العنف وسحب قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها، بما في ذلك العاصمة صنعاء، والتخلي عن جميع الأسلحة الإضافية التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية».


