الحفاظ على السلم والاستقرار، والأمن بشقيه الوطني والقومي، هما عنوان أساس لاستجابة الدولة وقيادتها الرشيدة، لاستغاثة الشعب اليمني وقيادته الشرعية، طلباً للعون والمساندة في مواجهة الانقلابيين، الذين أغوتهم المطامع الخارجية بالاستيلاء على القرار اليمني، وتجييره لغير أهله وبلاده.

ومن يتأمل قول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يتيقن مع كل عبارة من قوله أن هذه ليست فكرة طارئة، بل واقع حال مقيم بكل ما فيه من تفاصيل توقظ العقل والحواس، في آن، على حقيقة المخاطر التي تتهدد الأمن العربي ككل، ومن شأنها أن تتركه نهباً لأهواء الأيادي العابثة لصالح الخارج.

وهنا، في هذا المقام، يحضر على الفور قول سموه: «لم نذهب إلى اليمن لتحقيق مطامع خاصة، ولم نعتد على أحد. لم نسع إلى الحرب، ولم نطلبها؛ فليس هذا نهجنا، أو طريقنا. بل فرضت علينا فرضاً بعد استنفاد كل طرق الحل السلمي». ويلفت سموه إلى أن «عاصفة الحزم» أضحت فرضاً «بعد أن أصــبح اليمن، بموقعه الاســـتراتيجي المهم وارتباطه الوثيق بمنظومة الأمن القومي العربي، في قبضة ميليشيات مسلحة لديها مشروع طائفي مدمر، ليس له فقط، وإنما للمنطقة كلها».

فصول عزة ومجد

وهذا التأكيد يتكرر في أكثر من مقام، ولعل من أبرزها قوله: «إن مشاركة قواتنا المسلحة الباسلة ضمن عملية عاصفة الحزم وعملية إعادة الأمل بقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة في اليمن الشقيق تضيف فصلاً جديداً من فصول المجد والعزة إلى تاريخ العسكرية الإماراتية»، لافتاً إلى أن هدف «العاصفة» إبقاء اليمن، كما كان دائماً، «عمقا استراتيجيا لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وليس مصدراً للتهديد والخطر، كما أرادت العصابات المتمردة ومن يدعمها أو يتحالف معها»، وأن تشكيل التحالف العربي انطوى على رسالة مهمة مفادها أن العرب لديهم القدرة والإرادة على العمل المشترك لحفظ سيادتهم ووحدة أوطانهم.

وهنا يتوجب أن نستذكر أن علاقة الإمارات باليمن وأهله «أبناء العمومة» ليست طارئة، ولا هي مصادفة، ولا صلة حديثة النشأة. وها ما يشير إليه سموه حينما يلتفت إلى إرث كريم ويستحضره، فيقول مخاطباً الأشقاء اليمنيين: «نحن شاركناكم في الدم. وزايد بن سلطان، رحمه الله، سبقنا إليكم». ويعاود سموه الالتفات إلى التاريخ، فيستذكر دلالاته الرمزية الكبيرة، فيذكر أن جنود الإمارات البواسل شاركوا بقوة، إلى جانب زملائهم من قوات التحالف العربي الأخرى، في تحرير سد مأرب. سد مأرب الذي أعاد بناءه، المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه في ثمانينيات القرن الماضي، كرمز للتعمير والنماء. لافتاً إلى أن بواسل الإمارات سجلوا مأثرة استعادة السد من أيدي عصابات الشر والدمار والطائفية المقيتة ليؤكدوا بمأثرتهم هذه أن دولتهم تقف دائما في كل الأزمان والعهود إلى جانب البناء ضد الهدم.

إرادة مواجهة التحديات

ويرى سموه أن في وثبة الإمارات لنصرة اليمن «واجبها القومي لإرساء دعائم الأمن والاستقرار، والتصدي لأية مخططات أو أجندات إقليمية لها مآرب وأطماع في الأراضي العربية ومقدراتها التاريخية والدينية وثرواتها الوطنية». ويتعهد أن الإمارات «ستبقى دائماً سنداً لدعم الأشقاء، ولن تترد أو تتأخر بمد يد العون لهم ومؤازرتهم لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة».

وبعين ترى إلى طبيعة التحديات والمخاطر الماثلة، التي «تستوجب اليقظة المستمرة والجاهزية والاستعداد الدائم لحماية مكتسباتنا التنموية، وأسلوب معيشتنا وخططنا المستقبلية في الخليج العربي، ولردع كل من يضمر الشر لمنطقتنا العربية»، يؤكد سموه أن الإمارات «لن تغض الطرف عن المتغيرات والتطورات في المنطقة وانعكاساتها على الأمن القومي العربي». وهذه الرؤية، التي تصر على مواجهة التحديات، وتوخي عدم تجاهلها، أو التهرب من مواجهتها، لطالما كانت بحاجة إلى إرادة خليجية مماثلة.

وهذه الإرادة الخليــــجية، التي توافرت، يعرفها ويحددها قول صاحب السمو : «نرى في حزم وحسم الملك سلمان بوصلة عملنا وجهدنا الجماعي والمشترك لحماية المكتسبات ورفع راية العزة والكرامة التي غدت خفاقة عالية في التحدي الذي يواجه العرب في اليمن»، ويلفت «أن هذه الوقفة الشامخة سترسم المسار السياسي والتنموي في المنطقة لعقود قادمة».

تغيير نوعي

ويمكن للمرء أن ينظر ملياً، فيرى أن «عاصفة الحزم» شكلت، على عدة مستويات ومقاربات، تغيرا نوعيا في استراتيجية دول الخليج العربية، لجهة التحول من سياسة احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة إلى سياسة الحسم والمواجهة، مدشنّة إنشاء منظومة إقليمية، جوهرها عربي وامتدادها اسلامي، تفرض إيقاعها على سياق الأحداث المتلاحقة؛ وهذا ما يعبر عنه سموه بقوله: «بينت التجارب والتحديات أن تكاتف العرب هو الضمان الأساسي للمنطقة درءاً للمخاطر وسدا ضد المطامع».

ويمكن، هنا، الربط بين تبني مجلس الأمن الدولي لمشروع القرار الخليجي بشأن اليمن وما أظهرته «عاصفة الحزم» من قيمة يتمتع بها الحضور العربي، وما يمتلكه هذا الحضور من قوى كامنة، تعيد بها رسم التوازنات الإقليمية في مواجهة تفرد طهران والاستثمار الإيراني المديد في أخطاء السياسة الأميركية بالمنطقة، ودأبها على فرض سلطة أتباعه بقوة العنف والترهيب. وتحضر هنا مطالبة سموه، خلال القمة الخليـــجية الأميركية، «المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة ان يدرك ان أمن واستقرار الخليج العربي مرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن العالمي».

وفي المسافة الزمنية بين وقف «عاصفة الحزم» واطلاق عمليات «إعادة الأمل»، يمكن ملاحظة المكاسب السياسية، التي أعادت شيئاً، ضرورياً وهاماً، من التوازن في المعادلات السياسية والاستراتيجية في المنطقة.

مكاسب استراتيجية

وفي الحديث عن المكاسب، وفي صدارته، يمكننا الحديث براحة عن إعطاب محاولات طهران الرامية إلى التأثير على مسار تشكل نظام دولي جديد ليتجاهل أهمية دول هامة، وأخرى رئيسية عربية، وإحلال نظام إقليمي جديد في سياقه تحت إدارتها الحصرية؛ وأهمية «الحزم» و«الأمل»، هنا، أنهما لغمّا مسار هذه المحاولات الإيرانية، بإرادة عربية حاسمة، وفاجأه بحجوم وأوزان خليجية لفتت انتباه العالم، الذي كان قبل ذلك يركز نظراته باتجاه إيران.

وهنا، كلام لافت لسموه، في قوله: «نجحنا معاً بالتعاون البناء في التحالف العربي وبمساعدة الأصدقاء من خلال عملية إعادة الأمل في اليمن واستطعنا وأد مشاريع إقليمية كانت تسعى لبث الفوضى والخراب والفتن في المنطقة».

وبالحديث عن النظام الإقليمي البديل، الذي سعت طهران إلى إحلاله تحت إدارتها الحصرية، فإنه يقوم على بناء مجموعات مسلحة، فوق الدول المحلية، تتمتع بغطاء سياسي، وتكون بديلة عن الجيوش النظامية ذات طبيعة ميليشياوية، ولاؤها طائفي متشطط، تتمركز على جغرافيا سياسية حرجة، وتسيطر على منافذ وممرات وعقد استراتيجية في المنطقة العربية، بحيث تمتد هلالاً من شط العرب ورأس الخليج إلى ساحل المتوسط، بدءاً من الحدود التركية وحتى آخر نقطة لبنانية جنوبية على المتوسط، يقابله تمدد المليشيات الحوثية في اليمن، وهو ما يعني إحاطة دول الخليج العربي من الشمال والجنوب بنقاط توتر وجماعات تخريب.

وفي ملف آخر، أوقفت عملية «عاصفة الحزم» المقايضة الإيرانية الغربية بين مشروع القـــنبلة النـــووية ومشروع التمدد الإقليمي. وحينما تم توقيع الاتفاق النووي الإيراني، ضمنت عملية «عاصفة الحزم» ألا يتحمل العالم العربي كلفة هذا الاتفاق.

تأثيرات دولية

على المستوى الدولي، ظهرت تأثيرات «العاصفة» من خلال تعزيز إمكانية تحرير نظرة الولايات المتحدة وسياساتها من أوهام وأسطورة السطوة الإيرانية على المنطقة، وقدرة طهران على لعب دور «شرطي المنطقة»، وتبديد الأوهام الأميركية حول الرضوخ العربي المزعوم لهذا السيناريو الجهنمي. وهنا، كلام لافت آخر لسموه يعتبر إن انتصارات «عاصفة الحزم» «ترسل رسالة واضحة وقوية حول عالم عربي لا يرضى أن تكون أرضه وعرضه مشاعاً ومستباحاً».

ووجهت «عاصفة الحزم»، كذلك، أنظار الدول الصاعدة، مثل الصين وروسيا، إلى عوامل القوة العربية، ومنعت وقوع هذه القوى بوهم التفرد الإيراني بالقوة في المنطقة. كما أنها حررت الإرادة العربية من الشلل في التعامل مع السياسة الانكفائية الأميركية، بتقديم التحالف لنفسه قوة قادرة على سد الفراغ الذي سيخلفه الانكفاء الأميركي، وذلك بتمكين دول المنطقة وقواها المجتمعية من توفير مظلة الحماية لمصالحها.

البيت متوحد

وفي كل هذا، هنالك «بيت متوحد»، وإرادة وقرار إماراتي واحد مشترك، يستظل بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، وتدعمه رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي «رعاه الله»، وتسنده إرادة وعزيمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، الذي يؤكد أن دولة الإمارات لن تدخر جهداً في تعزيز أركان الأمن القومي العربي في مواجهة محاولات تهديده أو اختراقه، ويعطي جنود الوطن البواسل حقهم ويعد «أوسمة الشرف على أبدان الجرحى برهان عز وبطولة». سموه، الذي قال في واقعة جنود الوطن: «لم نعوِّد أهلنا على أن ثارنا يبات أو ينسى»، وكان أشد الثأر أنه أثبت أن الأهداف النبيلة لا تتوقف قبل تحقيق غاياتها الاستراتيجية، وحق له أن يردد الإماراتيون معه: «البيت متوحد وثارنا ما يبات»..!