في كلمات دالة ومفتاحية يحدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، أهداف ومنجزات عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، فيرسم صورة واضحة تنقل العقل إلى وضوح الرؤية، ونبل المسعى، الذي يقود جنود الإمارات البواسل في مأثرة الانتصار للشرعية في اليمن، وإغاثة الشعب اليمني الشقيق، في موقف يحيط به الإجماع الوطني الذي يعكس «روح الاتحاد» والبيت المتوحد.
وفي جوهر ومضمون هذه الكلمات الدالة والمفتاحية يعثر المرء على هواجس أساسية، يتحوط لها السياسي الحصيف والقائد صاحب الرؤية، وتتعلق بأبعاد الأمن، في مجالاته الحيوية الثلاثة: أمن النموذج الريادي الإماراتي، وأمن المحيط الحيوي ممثلاً بدول الخليج العربية، وأمن البعد العربي بمعناه القومي الشامل، لا سيما في هذه المرحلة، التي تتداعى فيها دول عدة في كثير من زوايا الواقع الجيوسياسي العربي.
في المجال الأول، يقول سموه: «لقد قدمت قواتنا المسلحة بأداء فرسانها في البر والجو والبحر تأكيداً جديداً على جدارة وصواب نهجنا في التنمية الشاملة، فقد كان بناء جيش عصري بكوادر وطنية على أعلى مستوى في مقدم أولويات حقبة التأسيس منذ انطلاقتها في مثل هذا اليوم قبل أربعة وأربعين عاماً بقيادة والدنا ورمز اتحادنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهي الأولوية التي تعززت في حقبة التمكين والتميز بقيادة أخي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وإشراف ومتابعة أخي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظهما الله».
ويتابع سموه في قول آخر: «نحن أهل سلم وبناء تنمية. كنا وسنظل كذلك. لكن إذا استهدفنا أحد بالشر تصدينا له بكل إمكانياتنا وإذا فرضت علينا الحرب فنحن أهل لها»، مضيفا «لم نبادر يوماً أحداً بعداء لكننا متأهبون دائما لمواجهة من يحاول الاعتداء علينا». ويستدرك قائلاً: «من دون توفير أسباب القوة الذاتية يكون الحديث عن التعايش السلمي وحسن الجوار وحل المشاكل بالحوار كلاماً مرسلاً، لا قيمة له، ولا وزن، ولا مضمون».
وهنا، يكمن المغزى، فالرؤية التي تبني دولة ونموذجاً رائداً، ترتقي بقدرات مواطنيها إلى مستويات مدنية؛ لتستكمل عملية البناء المستمرة بلا توقف، في بناء جيش يحمل قيماً مستمدة من الرؤية المؤسسة، والنموذج الرائد.
وفي المجال الثاني، يقول سموه: «العمل الخليجي اليوم يتجه لمزيد من التكامل والتنسيق وتوحيد الجهود تعزيزاً لأمننا وحماية لمكتسبات شعوبنا.. خليجنا واحد.. كان وسيبقى».
كلمات استثنائية
وفي الواقع، لهذه الكلمات أهمية استثنائية، ربما كان الآباء المؤسسون لمجلس التعاون لدول الخليج العربية هم خير من يقدر هذه العبارة، التي تسير على خطوهم؛ كما ليس غريباً أن تصدر عن سموه، وقد طرحت فكرة «المجلس» أول مرة في عاصمة الدولة، أبوظبي، في مجلس الأب المؤسس الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، خلال استقباله أواسط السبعينات الراحل أمير دولة الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح. ثم رأت النور في أبوظبي، 25 مايو 1981. ولا يمكن ألا ينتبه المرء أن فكرة «المجلس» ببعدها الخليجي تستلهم «روح الاتحاد» ببعده الإماراتي.
ورغم ذلك، علينا أن ندرك أن تأكيد سموه على العمل الخليجي المشترك، كما أثبتت المشاركة الإماراتية البارزة في «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، ليس مجرد تأكيد يتوخى الإشارة إلى أهمية استراتيجية الآباء المؤسسين في التعاضد بين دول المجلس وحسب، ولكنه يستقرئ الواقع المعاصر المعقد، الذي يهدد بتلاشي العمل العربي المشترك، دون تعزيز النواة الناظمة الوحيدة الباقية.
هذه القراءة، تفرض حضورها واقعياً بحكم المعادلات المعقدة غير المتزنة والعدائية، التي أنتجت تحالفات عربية مع دول إقليمية ليست خالية الطرف من المآسي التي يشهدها العالم العربي؛ وأبسط مظاهر ذلك، حقيقة مفجعة تمثلت في أن التحالف الأقدم في منطقتنا هو الذي يشد بلداناً عربية، مثل سوريا ولبنان (ولاحقاً العراق) بالمشروع الإيراني في المنطقة. ولهذا، فإن مجلس التعاون هو الفرصة العربية لصياغة معادل موضوعي قادر على وقف التغلغل الخارجي المنطقة على حساب الحضور العربي.
مواجهة الأخطار
وفي المجال الثالث، يقول سموه: «الإمارات وأشقاؤها في دول مجلس التعاون الخليجي والوطن العربي ككل، لا تقبل كل ما من شأنه أن يهدد التراب العربي ومكتسبات شعوبه، ونأمل أن يخرج اليمن وشعبه من هذه المحنة كما عهدناه، وتعود كل الأطراف للعمل والتنمية والاستقرار». ويضيف: «أنا متفائل بأن ميادين العمل العربي المشترك التي اتسعت في الآونة الأخيرة.. تعزز آمالنا ومساعينا لتأسيس بنية عربية قوية ومتماسكة تمنح نظام الأمن الجماعي فاعلية تردع الطامعين والمغامرين وتوفر متطلبات حماية الدول والمجتمعات العربية من أية أخطار تهدد مصالحها ووجودها».
وهنا، يبرز الترابط، الذي تعكسه رؤية سموه، في العلاقة ما بين أبعاد الأمن، في مجالاته الحيوية الثلاثة: أمن النموذج الريادي الإماراتي، وأمن المحيط الحيوي ممثلاً بدول الخليج العربية، وأمن البعد العربي بمعناه القومي الشامل، ويجد هذا الترابط تجسيده الواقعي في مأساة اليمن، ويد التغلغل الخارجي، التي تعمل عبر أياد محلية، ولا تتوقف غاياته الخطرة عند حدود اليمن، وتتجاوزها إلى معان تتعلق بأبعاد الأمن الشاملة، ومجالاته الحيوية الثلاثة.
وفي هذا، يقول سموه: «لقد عميت قلوب المعتدين عن حقيقة وحدة أمن دول مجلس التعاون الذي هو جزء من الأمن العربي.. وعميت قلوبهم عن حقيقة ارتباط أمن دول المجلس بأمن اليمن، وبأن دول المجلس لن تسمح بتحول اليمن إلى مصدر خطر على أمنها واستقرارها».
ثوابت وطنية
لا يفوت كل من يتأمل رؤية سموه أنها تنطلق من ثوابت وطنية تستند على قيم حضارية راسخة تتمثل بالسلام والاستقرار والنماء والازدهار، وهو ما يؤكد عليه سموه بقوله: «منذ تأسيس دولتنا اخترنا الالتزام بمبادئ القانون الدولي وتوخينا التعايش السلمي مع جيراننا وتوسيع دائرة صداقاتنا وتعاوننا مع دول العالم كافة ونبذ استخدام القوة أو التلويح بها لحل الخلافات وتسوية النزاعات». ويؤكده متابعاً: «لم نرفع السلاح يوما إلا في وجه الظلم والطغيان وقوى الشر الخبيثة، التي تضمر لنا السوء، وتريد النيل من حاضرنا وسلبنا الحق في رسم ملامح مستقبلنا كما نريده».
وهذه الرؤية تمثل مقدمة لفهم الحالة اليمنية، التي استدعت لعلاجها «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، ويتجسد الموقف منها واضحاً جلياً في قول سموه: «إن قواتنا المسلحة وهي تشارك في عاصفة الحزم وإعادة الأمل إنما تخوض حربا فرضت علينا. لقد لبينا وأشقاؤنا نداء اليمن نصرة لشعبه وشرعيته ودفعا للعدوان عليه قبل أن يستقر ويتمدد، وإخماداً لنيران الغدر قبل أن يتطاير شررها ويشعل الحرائق في منطقتنا ويعرض استقرار دولها وأمن أهلها ومكتسباتهم لخطر جسيم».
وهنا، يؤكد سموه أن الإمارات، وشقيقاتها دول مجلس التعاون، لم تلجأ للخيار العسكري في مواجهة العبث الخارجي في اليمن إلا بعد استنفاذ الوسائل السياسية والاقتصادية، فيشير إلى أنه «منذ انفجار الوضع الداخلي في اليمن في مطلع العام 2011 ودول مجلس التعاون تسعى بكل إمكانياتها لمساعدة الإخوة اليمنيين على الخروج من عنق زجاجة الخلافات والعنف إلى رحاب المصالحة والتنمية». «وتحركت جهود المجلس في مسارين سياسي تمثل في المبادرة الخليجية واقتصادي تمثل في مؤتمرات المانحين وأصدقاء اليمن. وتحقق النجاح في المسارين وانطلق اليمن في طريق السلم والإعمار والبناء إلى أن وقع الانقلاب على الشرعية، عاصفاً بكل ما تم إنجازه ومنذراً باضطراب طويل الأمد يتحول فيه اليمن إلى مصدر تهديد دائم لأمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون كافة التي باتت تتحمل عبء النهوض بالوضع العربي إلى حال مغايرة لحاله الراهنة».
قوة الإرادة
وأمام هذا العبث اللامسؤول، والانقلاب على الحلول والشرعية، يصبح الخيار واحداً من اثنين، التمسك بالإرادة أو الرضوخ للقوة؛ ولكن الإمارات بعزيمة وحكمة قيادتها، تختار أن تحدد موقفها برؤية جسدها سموه بقوله: «إننا في دولة الإمارات سنظل نؤمن ونتمسك بقــوة الإرادة، لكنـنا نرفض إرادة القوة».
في رؤية سموه، فإن «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» ليست بحال من الأحوال عملية بأهداف نهائية ذات طبيعة عسكرية، بل هي وثبة جبارة لانتشال اليمن من مستنقع التناحر الداخلي العدمي، إلى طريق العمل التي تقود إلى التنمية النماء.
وهو إذ يؤكد أن «الإمارات بقيادتها وشعبها ستظل منارة للسلام والعدالة والتعايش، مهما عظمت التحديات الإقليمية والدولية»، يوصي جنود الإمارات البواسل قائلاً: «اقهروا العدوان، واضربوا بقــــوة على يد أصحابه، وانشروا ضياء الأمل من جديد لتقهر ظلمة الشر». ويؤكد عليهم: «اغرسوا بذور التفاؤل في النفوس ليحل محل اليأس والقنوت».
ويتمنى سموه «أن يخرج اليمن من هذه المحنة وتعود كل الأطراف إلى العمل والتنمية والاستقرار»، و«أن يخرج اليمن وشعبه من هذه المحنة كما عهدناه، وتعود كل الأطراف للعمل والتنمية والاستقرار».


