يعد سد مأرب الواقع ضمن نطاق المحافظة التي تحمل الاسم ذاته، مأرب، واحداً من المعالم التاريخية التي تشهد على عمق تاريخ هذه البلدة التي عرفت قديماً بأرض سبأ ومملكة بلقيس.

وللسد رمزيته التاريخية لدى اليمنيين، والمأربيين على وجه الخصوص، كونه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحضارتهم وبني على أكتاف أجداده الأولين.

وحين غزت ميليشيا الحوثي والمخلوع صالح محافظة مأرب، ركزت بشكل رئيس، على السد والجبال المحيطة به، وهي سلسلة جبلية غاية في الوعورة، والأهمية الاستراتيجية كونها تطل على معظم الطرقات من وإلى مدينة مأرب، مركز المحافظة.

ارتباط تاريخي

واستناداً إلى أحاديث السكان المحليين من أبناء القبائل، فإن المأربي شعر إبان سيطرة الحوثيين على السد بأن حضارته تنتهك، وأن وجود الميليشيا في محيطه قد يعرضه للتدمير، كما هو الحال بالنسبة لأماكن أثرية أخرى، حولها الحوثيون إلى مخازن للذخيرة، فاستهدفها طيران التحالف، ما أدى لتدميرها.

قرر الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، مدعومين بطيران الأباتشي التابع للتحالف تحرير سد مأرب من قبضة الحوثيين، فرسموا خطة محكمة لتلك العملية، واقتحموا السد من أغلب الجهات.

يقول محمد سمران، أحد عناصر المقاومة الذين نفذوا عملية تحرير السد، إن غرفة العمليات المشتركة للجيش الوطني والمقاومة الشعبية وقوات التحالف قررت تحرير منطقة سد مأرب، وأعدت العدة اللازمة لذلك قبل أن تقتحمه وتخلصه من الحوثيين.

رصاص في الهواء

وأضاف سمران في تصريح لـ«البيان»: «قبل بدء المعركة قررت القيادة المشتركة استنزاف الميليشيا الانقلابية من خلال القصف المكثف للطيران الحربي والأباتشي، إضافة إلى القصف المدفعي المركز على معظم تلك المناطق، استمر هذا نحو أربعة أيام متواصلة، ما أدى إلى تدمير غالبية أسلحة الحوثيين وحلفائهم، وتكبيدهم خسائر في الأرواح والممتلكات».

ولفت إلى أن المقاومة قررت في الليلة السابقة لتحرير السد، أن تنصر، وهي عبارة عن إطلاق الرصاص في الهواء ابتهاجاً بأمر سار، وكان لهذا الفعل أثر بالغ على معنويات العدو، رغم أن تلك المناطق لا تزال تحت سيطرتهم، إلا أنهم انسحبوا من أغلبها، وقاوموا بضع ساعات في بعضها.

وأردف: «شاركت إلى جانب الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، وحدة خاصة من قوات التحالف مجهزة بتقنيات عالية وأجهزة حديثة، سهلت مهمة دخول المشاة، ورصدت بدقة تحركات الميليشيا في محيط سد مأرب، والأهداف والمواقع لضربها بالطيران».

استنزاف القوى

ويروي عبدالله القادري، وهو صحافي من أبناء مأرب تفاصيل المعركة التي كان أحد شهودها، بالقول : «قبل بدء المعركة الحاسمة بأيام كثفت طائرات الأباتشي ومدفعيات التحالف والجيش والمقاومة قصف مواقع الحوثيين في محيط سد مأرب وبشكل منظم وتنسيق دقيق مع المشاة على الأرض حتى استطاعت إلحاق الخسائر الكبيرة في معدات الحوثيين العسكرية، فضلاً عن الأرواح».

وأضاف في تصريح لـ«البيان» أن هذا الاستنزاف الهائل في قوى الحوثي والمخلوع لمسناه بعد التحرير، وشاهد الناس عشرات الآليات المدرعة والدبابات وغيرها من المعدات وهي محترقة على جنبات الطرق وفي المواقع التي فرت منها الميليشيات، وهذا ما أضعف عزائم الحوثيين واستنزفهم بشكل كبير.

وينقل القادري عن شهود عيان أنهم وجدوا عبوات ناسفة كان الحوثيون يجهزونها ويربطونها بالأسلاك لتفجيرها عن بعد، لكن المقاومة والجيش والتحالف فاجأوهم على حين غفلة، ففروا مخلفين وراءهم من الأسلحة الشيء الكثير.

وتابع: «يوم الجمعة الموافق 28 من سبتمبر الماضي، وفي ظل القصف المكثف من طائرات الأباتشي ومدفعيات التحالف والمقاومة وبفضل التنسيق الدقيق بين القوات جواً وبراً، تقدمت قوات المشاة من الجيش الوطني والمقاومة الشعبية مسنودين بقوات التحالف وتمت السيطرة على سد مأرب ومحيطه في غضون أقل من ساعتين، وسط ذهول من الجميع».

وقال القادري إنه صعد مع المقاتلين السد، ووثق بكاميرته تلك اللحظات، وبثها عدد من القنوات الفضائية، وتناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، لكن قناصاً واحداً بقي يعتلي السد من الجهة الشمالية حتى اليوم التالي، وتم تمشيط المكان بطيران الاباتشي حتى تم تطهيره بالكامل.

وأكد أن الجيش والمقاومة عثرا على غنائم كثيرة، دبابات، وعدد من رشاشات الكلاشينكوف، والكثير من الذخائر بأنواعها، والألغام كانت مزروعة في أغلب طرق المقاومة وبشكل مهول، إلا أن كاسحات الألغام بدأت عملها، وعلى عجالة فتحت بعض الطرق أمام المقاومة، في حين قامت فرق الألغام وعدد من ذوي الخبرة بتفكيك عشرات الألغام.

تفكيك ألغام

تمكنت فرق تفكيك الألغام من تفكيك مئات الألغام الأرضية من مناطق الفاو والجفينة والمنين بمأرب، بعد أن كانت قد فتكت بحياة عدد من المدنيين. وأوضحت المصادر أن عدداً من تلك الألغام الأرضية تعمدت ميليشيا الحوثي وصالح زراعته أمام أبواب منازل المواطنين الذين غادروا منازلهم الأشهر الماضية بسبب الحرب، وعاد عدد منهم قتلوا في تلك الألغام، حيث تعرضت أسرة لانفجار لغم أرضي عند باب المنزل عقب عودتهم إليه ما أسفر عن مقتل امرأة وابنها وبنتها، وجرح عدد من أفراد الأسرة.