أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد عن تأجيل الترتيبات الخاصة بعقد اجتماعات جنيف 2 التي كان مقرراً لها نهاية أكتوبر الجاري، وذلك بسبب «تفاوت مواقف» الأطراف المعنية بالأزمة، محذراً من أن وضعاً إنسانياً كارثياً يضع أغلب البلاد في حاجة ماسة إلى المساعدة.

وقال ولد الشيخ أمام مجلس الأمن الدولي، أول من أمس، إن الحرب اتسمت بتجاهل صارخ لقوانينها، مشدداً على أن القرار الدولي 2216 هو قاعدة التفاوض، لكنه «اتفاق إطار»، ويعود إلى الأطراف اليمنية توضيح كيفية تطبيقه.

وقالت مصادر في الرئاسة اليمنية لـ«البيان» إن موعد المشاورات سيكون بعد أسبوعين على الأقل، وعند الاتفاق على وضع جدول أعمال اللقاء وبرنامج زمني لتنفيذ قرار مجلس الأمن.

وأكدت المصادر أن السلطات الشرعية ترفض أي مراوغة من قبل المتمردين الحوثيين وصالح في تنفيذ قرار مجلس الأمن، كما ترفض الشروط السبعة التي وضعوها للالتفاف على القرار، ولهذا طلبت وضع جدول أعمال واضح للمشاورات وبرنامج زمني محدد لتنفيذ القرار بشأن انسحاب المتمردين من المدن وتسليم الأسلحة.

وذكرت المصادر أن الرئيس عبد ربه منصور هادي أبلغ الأمم المتحدة أنه شكّل لجنة فنية لوضع جدول الأعمال وبرنامج زمني، تضم ممثلين عن الرئاسة والحكومة والقوى السياسية لتجنب فشل المفاوضات كما حصل في جنيف 1.

وحسب المصادر، فإن الموقف الرئاسي كان وراء سحب مقترح ولد الشيخ أن يتم عقد المشاورات في جنيف نهاية الشهر الجاري، وأن هذا الأمر سيؤدي إلى تأجيل الموعد المقترح نحو أسبوعين على الأقل.

المصادر الرئاسية أوضحت أن الجانب الحكومي سيطلب ضمانات دولية كافية لتنفيذ المتمردين قرار مجلس الأمن، كما سيقترح تشكيل قوات حفظ سلام عربية تتولى مهمة الإشراف على تسلُّم المناطق التي سيطر المتمردون عليها، وحفظ الأمن في البلاد، والإشراف على إعادة تأهيل قوات الأمن والجيش، كما سيطالب بلجنة خبراء دوليين تشرف على عملية نزع أسلحة الميليشيات وتسليمها للسلطات الشرعية.

مساعٍ

ويرى مراقبون أن ما لم يتحقق بالقتال يريد الانقلابيون تحقيقه على طاولة المفاوضات المنتظر أن يلتئم حولها ممثلو هؤلاء مع السلطة الشرعية المعترف بها دولياً الشهر المقبل، وهو ما يقلل من الآمال التي يمكن أن تعلق على المفاوضات في إنهاء التمرد ووقف القتال والبدء بإعادة إعمار ما دمرته مغامرات المتمردين.

السلطة الشرعية أعادت التأكيد أكثر من مرة أنها لن تذهب إلى جنيف إلا بعد أن يتم الاتفاق على جدول أعمال واضح وبرنامج زمني محدد لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، في خطوة ترى أنها ستكون الضمانة لنجاح المشاورات، وستمنع أي حديث عن أي قضايا خارج إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي ولتجنب مراوغات المتمردين.

التفاف

الحوثيون الذين يقولون إنهم قبلوا بتنفيذ قرار مجلس الأمن، يسعون من خلال ما تسمى النقاط السبع إلى الالتفاف على هذا القرار وتحقيق مكاسب سياسية عجزوا عن تحقيقها بالقوة والانقلاب على السلطة الشرعية واستباحة المناطق والمدن اليمنية وقتل المدنيين، فهم يرفضون حتى اللحظة عودة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته إلى البلاد، ولا يشيرون في ورقة مسقط للنقاط السبع إلى رئيس البلاد، واكتفوا بالنص على عودة حكومة خالد بحاح لممارسة مهامها بصفتها حكومة تصريف أعمال لفترة لا تتجاوز 60 يوماً يتم خلالها تشكيل حكومة وحدة ‏وطنية.

الورقة التي أكد الحوثيون أنهم سيحملونها إلى جنيف تتضمن الاتفاق على رقابة محايدة تتولى الإشراف على تنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه بإشراف الأمم المتحدة، كما التزموا بإطلاق سراح المعتقلين، ‏بمن فيهم من وردت أسماؤهم في قرار مجلس الأمن، كما أنها تنص على تسهيل أعمال الإغاثة الإنسانية والسماح بدخول كل البضائع التجارية ‏ دون قيود، على أن يعقب ذلك استئناف وتسريع المفاوضات التي ستجرى بوساطة الأمم المتحدة، وفقاً لقرار مجلس الأمن.

تطبيق

الحكومة، برغم الضغوط التي تتعرض لها من قبل الدول الراعية للمبادرة الخليجية، جددت التأكيد أن استئناف الحوار لن يتم إلا بعد تطبيق قرار مجلس الأمن، وبالذات الإقرار بشرعية الرئيس هادي وحكومة بحاح، والانسحاب من المدن وتسليم الأسلحة، وأن المشاورات المنتظرة في جنيف يجب أن تركز على وضع آلية لتنفيذ القرار، وبما يضمن عودة السلطات الشرعية والبدء بالانسحاب من المدن وتسليم الأسلحة.

قوة عربية

ولهذا الغرض ستقترح الحكومة تشكيل قوة حفظ سلام عربية تتولى الإشراف على عملية استلام المدن وحفظ الأمن فيها، وإعادة تأهيل قوات الأمن والجيش لتؤدي مهامها بكفاءة، لكن المنتظر أن يعارض الحوثيون هذه الفكرة بسبب الإجماع العربي الداعم للشرعية والرافض للانقلاب.

الحكومة تستند في موقفها إلى قرار مجلس الأمن الذي ينص على أن يقوم الحوثيون وصالح بسحب قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها بما في ذلك العاصمة صنعاء، والتخلي عن جميع الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، والتوقف عن جميع الأعمال التي تندرج ضمن نطاق سلطة الحكومة الشرعية، والامتناع عن استفزاز أو تهديد الدول المجاورة، والإفراج عن وزير الدفاع محمود الصبيحي وعن جميع السجناء السياسيين.

وفي المقابل، يتمسك الانقلابيون بورقة مسقط التي كانت عرضت على الشرعية ورفضت في حينه قبل أن تعدل أكثر من مرة، لأنها وإن نصت على وقف دائم وشامل لإطلاق النار من جميع الأطراف وانسحاب كل الجماعات والميليشيات المسلحة من المدن وفقاً لآلية تؤدي ‏إلى سد الفراغ الأمني والإداري ورفع الحصار البري والبحري والجوي، فإنها تفتح المجال أمام المتمردين للمراوغة، حيث سيطالبون بانسحاب فصائل المقاومة مقابل انسحابهم من المدن، كما أنهم يريدون إشراك ميليشياتهم التي ضموها إلى صفوف قوات الجيش التابعة للرئيس السابق، بل يذهبون إلى رفض الاعتراف بالجيش الوطني.

الورقة، في بند آخر، تفتح المجال للمراوغة والتهرب من تسليم الأسلحة التي أخذوها أو سلمت لهم من مخازن الجيش، حيث تفرض على كل الأطراف تسليم السلاح الثقيل إلى الدولة، وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل، وهو أمر يعني أن هؤلاء سيطالبون بنزع أسلحة المقاومة، وسوف يقايضون ميليشياتهم بقوات الجيش الوطني، بل يذهبون في التعنت إلى حد رفض تنفيذ هذا البند ووضع اشتراطات تعجيزية، مثل المطالبة بنزع أسلحة الجماعات المسلحة الأخرى، مثل تنظيمي القاعدة وداعش أولاً.

إفشال

ولأن الورقة ملغومة بالكثير من النصوص التي تحمل بذور إفشال المباحثات، فإنها تنص على أن يكون نزع الأسلحة وفقاً لمقررات مخرجات مؤتمر الحوار، وهي بذلك تتجاهل المستجدات التي حدثت عقب انتهاء مؤتمر الحوار، مثل الانقلاب على السلطة والسيطرة على المدن، ونهب مخازن أسلحة الجيش، في حين أن ذلك النص كان خاصاً بنزع أسلحة الميليشيات الحوثية عندما كانت تسيطر على محافظة صعدة فقط.

كما أن من شأن الإقرار بهذا النص أن يرحّل قضية تسليم الأسلحة إلى نهاية الفترة الانتقالية المنصوص عليها في وثيقة نتائج مؤتمر الحوار الوطني، حيث تنص الوثيقة على أن إنجاز الدستور ومعالجة آثار الحرب في الجنوب وأيضاً آثار حروب الرئيس السابق في صعدة تسبق عملية نزع الأسلحة، كما تنص على إدماج ميليشيات الحوثيين في قوات الشرطة والجيش.

ما بين رؤية السلطة الشرعية المتمسكة بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي دون أي مراوغة، ورغبة فريق المتمردين في التحايل على القرار، يظهر انعدام الجدية وسوء نياتهم في تجنيب اليمن المزيد من الدمار، وتوقف تفاقم الأوضاع الإنسانية التي باتت تقترب من المجاعة الشاملة.