بعد أشهر من الانقطاع، عاد طلاب جامعة عدن إلى مقاعد الدراسة متجاوزين مشاهد الدمار والخراب التي طالت كل ركن من جامعتهم، وكلهم أمل في غدٍ مشرق ومستقبل واعد.
السبت الماضي، دشنت محافظة عدن، ومدن أخرى جنوبية، كأبين والضالع ولحج، بدء العام الدراسي لجميع المراحل التعليمية بعد تأجيله أكثر من مرة، بسبب الحرب الدائرة، منذ مارس الماضي، فيما لا يزال هذا الأمر، متعثراً في المحافظات الأخرى التي لم تعلن حتى اللحظة، نتائج امتحانات الشهادتين الثانوية والأساسية، للعام الدراسي الماضي. وإن كانت عودة الحياة إلى كليات جامعة عدن، الحكومية الوحيدة في المحافظة قد شكلت انتصاراً حقيقياً على صنوف الموجعات التي اكتوت بها المحافظة عموماً، وما طالها من خراب وتدمير من قبل الانقلابيين الحوثيين، فإن بدء الدراسة يُعد نافذة جديدة لعصرٍ جديدٍ دافقاً بالنور، مشعاً بالعطاء، وفق ما يرى الكثير من طلابها.
أمل
في كلية التربية، بمدينة خور مكسر بالمحافظة، كانت الحياة قد دبت بشكل لافت في مختلف الأقسام، فما بين عناق الطلاب لبعضهم والأحاديث الجانبية وتجمعات الفتيات والأصوات المتعالية من بين القاعات، حيث تجري عمليات النظافة والتهيئة، كان عزان عبدوه قائد، نائب عميد الكلية لشؤون الطلاب يراقب طلابه وكله أمل بغد أفضل ومستقبل أجمل.
يقول قائد لوكالة أنباء الأناضول: «هذا يوم للتاريخ، لا لأننا قد دشّنا العام الدراسي الجديد بعد الليالي الحالكات التي مررنا بها، وإنما لوقوفنا اليوم صفاً واحداً، من هيئة تعليمية، وأساتذة، وطلاب، في وجه المعوقات، وتحدي المنغصات المتمثلة في التغلب على حالة الشتات التي خلفها عدوان ميليشيات الحوثي، وأثره السلبي على سير العملية التعليمية، وما تبعه من دمار طال مباني الجامعة عامة».
يلتقط الحديث نائب عميد الكلية لشؤون الدراسات والبحث العلمي، د. مهدي حسين جعبل، قائلاً: «أنت تشاهد حالة الحراك الموجودة الآن في مختلف الأقسام، بعد أن أطلقنا حملة طوعية شارك فيها كل منتسبي الجامعة، لتنظيف قاعات ومكاتب وساحات مختلف الكليات (الطب، والتربية، والعلوم الإدارية، واللغات، والآداب، والحقوق، والعلوم، والهندسة، والصيدلة وغيرها)».
ويضيف: «هذا أمر يعكس رغبة الجميع من أعلى هرم في الجامعة إلى آخر طالب، في العمل وحب التعليم ومغادرة ساحات الخمول والكسل التي جثمت على أنفاسنا طوال فترة الحرب».
من جهتها، رأت عميد كلية العلوم، نجاة علي مقبل، أن بدء الدراسة يمثل عودة حقيقية للحياة في عدن، وتتويجاً لانتصارات المقاومة ودحرها للميليشيات المتمردة على الشرعية.
في إحدى الساحات كان الطالبان، حسين بن علي المحرمي، وعلي عبدالرحمن جعفر، من قسم اللغة العربية، يتبادلان الحديث وقد علت وجنتيهما الابتسامة، فرحاً بالعودة إلى مقاعد الدراسة.
يقول المحرمي: «هذا يوم سعيد بكل تأكيد، فما أجملها من لحظات حين عانقت أعيننا باحة وأقسام الكلية، بعد فترة غياب قسرية غادرنا فيها قاعات الدراسة إلى ساحات الوغى والمعارك، وما حضورنا اليوم بهذه الكثافة إلا استكمالاً للعهد الذي قطعناه على أنفسنا ببناء هذا الوطن، والإخلاص له في مختلف الميادين».
في قسم الفلسفة والاجتماع، كانت علامات التعب قد بدت على رئيس القسم، فضل الربيعي نتيجة القيام بأعمال النظافة مع باقي الطلاب.
وقال: «سنفتح نافذة للنور، وما أحدثته ميليشيات الحوثي و(الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح)، لن تثنينا عن ممارسة عملنا، ولعلك قد رأيت كم هو رائع وجميل هذا التفاني والإخلاص من قبل الطلبة، والطالبات، وجميع الأساتذة، والمدرسين في العمل، من أجل إعادة العملية التعليمية إلى سابق عهدها».
وتابع: «كلنا أمل أن يكون هذا العام عاماً للنجاحات الكبيرة، فنحن في عدن لا نقبل الوقوف في مؤخرة الترتيب ونتطلع دوماً أن نكون في المقدمة».
عذراء حسن علي، مدير مكتب عمادة كلية العلوم، اعتبرت العودة إلى حرم الجامعة لحظة فارقة في حياتهم.
وقالت إن «حجم الخراب والدمار لا شك أنه كبير، لكنه أبداً لن يثنينا عن كتابة فصل جديد من الأمل».
وغير بعيد عن المكان، تتجول كل من الطالبتين زهراء اليهري، ودعاء طلعت، في قسم اللغة الإنجليزية، بين قاعات القسم، ولسان حالهما يقول إنهما لم تصدقا هذه اللحظة، لاسيما في ظل الوضع المضطرب الذي تشهده البلاد.
تقول اليهري: «سعادتنا لا توصف، وفرحتنا لا حدود لها، حين ولجنا إلى قاعة المحاضرات الخاصة بنا، كان ذلك أشبه بحلم ظل يراودنا طوال فترة توقفنا عن الدراسة».
وتضيف زهراء متحدثة عن عودتها للجامعة: «نعم نحن اليوم نحمل بين أيدينا أدوات النظافة، وغداً سنحمل الكتب والأقلام وسنرسم بها صورة مشرقة للغد الجميل، وسنخط بأيادينا حكاية شعب جبار لا يقبل حياة التخلف والجهل، وكل ما نتمناه هو أن يكون عاماً بلا مشكلات، وأن يحقق فيه كل الطلبة التوفيق والنجاح».
عوض مشبح، مأمور مديرية خور مكسر والذي كان في زيارة تفقدية لكلية التربية، كان له حديث مع الأناضول، قائلاً إن «دماء الشهداء، وآهات الجرحى، وبكاء الثكالى، لم يذهب هدراً، فها هي عدن ممثلة بصرحها العلمي الكبير تنفض غبار المعضلات، وتدشن عامها الدراسي الجديد الذي يعد تطبيعاً حقيقياً للحياة في المحافظة وباقي مدن الجنوب».
واستطرد: «الجامعة بعودتها تؤكد أن العزيمة والإرادة حين تكون حاضرة، لن يستطيع أحد الوقوف أمامها وفرملة عجلتها المنطلقة نحو البناء والتنمية، وإصلاح ما خربته أيادي العبث المتمثلة في ميليشيات الجهل والتخلف».
