«غادرناها وهي مزروعة سمسم، وعدنا إليها بعد نحو أربعة أشهر وهي مليئة بالألغام والمتاريس»، هكذا استهل علي صوفان حديثه واصفاً مزرعته التي اتخذها الحوثيون مركزاً كبيراً أثناء هجومهم على مدينة مأرب من جهة الجنوب، قبل أن يطردوا منها في الخامس من الشهر الجاري. وذاع صيت منزل صوفان خلال الأشهر الماضية، حيث دارت في محيطه أعنف المواجهات بين المقاومة الشعبية ومسلحي الحوثي، لكنه بدا اليوم عبارة عن بقايا منزل حولته حرب الانقلابيين إلى ما يشبه خرابة مهجورة.

وتحيط بمنزل صوفان مزرعة للبرتقال والسمسم، لكن الحوثيين حولوها إلى أخاديد تمتد لعشرات الأمتار، وحفروا بين كل أربعة أمتار ما يشبه الغرفة الصغيرة خصصوها لتخزين الأكل والذخيرة، وربما يتخذها المقاتلون كاستراحة لهم.

ويقول إنه وعائلته وثلاثة من أشقائه غادروا منازلهم منذ الرابع من يونيو الماضي، تاريخ دخول مسلحي الحوثي منطقة الفاو جنوب مدينة مأرب، ولم يعودوا إليها إلا في الخامس من أكتوبر الجاري عندما حررت المقاومة والجيش الوطني مناطق مأرب الجنوبية والغربية من الحوثيين.

رحلة وألغام

ويسرد صوفان، والحسرة تبدو على ملامح وجهه، تفاصيل رحلة من النزوح استمرت أكثر من أربعة أشهر تعرضوا خلالها للمشقة والعناء، إذ عاشوا أياماً عصيبة في ضيافة أقارب لهم، واصفاً ذلك بـ«التجربة المريرة أن تعيش أنت وعائلتك، لأول مرة، في العراء وبلا مأوى، فيما تشعر أن منزلك الأصلي مستباح للميليشيات، تتخذه مترساً في هجومها وعدوانها على مدينتك».

ويضيف، وهو يؤشر باتجاه المنزل المwتضرر تماماً: «لم يعد منزلنا صالحاً للسكن، لا ماء ولا كهرباء، لا ظل، أضف إلى ذلك أن الألغام مزروعة في كل مكان، فالثلاثاء (أول من أمس) انفجرت أربعة ألغام بجانب المنزل راح ضحيتها 5 أشخاص، منهم أربعة من عائلة واحدة». ويتابع: «من الصعب جداً تخيل اللحظة التي تفقد فيها كل شيء، منزلك ومزرعتك، هذا كد وعمل سنين، وفجأة يذهب كل شيء».

مسؤولية الانقلابيين

ويقول صوفان رداً على سؤال بشأن شعوره للوهلة الأولى وهو يعود إلى منزله بعد الدمار الذي لحق به: «وصلنا مباشرة يوم 5 من أكتوبر الجاري بعد تحرير المنطقة من الحوثيين، ورأينا عربة تابعة للمقاومة وهي تحترق نتيجة انفجار لغم أرضي. رأينا منازلنا مدمرة، في الحقيقة لم تعد إلا بقايا منازل، لم نستطع الدخول إلى المنازل تخوفاً من الألغام، تصور أن تفصل بينك وبين منزلك أمتار معدودة، لكنك لا تستطيع أن تدخله، لقد عشنا المأساة على حقيقتها».

وأردف: «الحوثيون يتحملون المسؤولية تجاه ما حدث، والمقاومة الشعبية دافعت عن شرف مأرب وكرامته بأرواح أبنائها، ولولاها لما عدنا اليوم إلى هنا». ويضيف: «وجود مهندسي الألغام جعل الناس تطمئن إلى خلو بعض المنطقة من الألغام، لكنها مع هذا لم تعد صالحة للسكن، وهي بحاجة إلى ترميم قد يأخذ أسابيع أو أشهر، والناس محتاجة إلى خيام أو ما شابه ليسكنوا فيها حتى يتدبروا أمرهم».

ضرر الحوثيين

ويتكئ حمد لصوع أمام منزله ومستودعه اللذين طالت حرب الانقلابيين بعض أجزائهما. ويقول: «عدت إلى هنا يوم التحرير، وتفاجأت بحجم الدمار الهائل في المنزل، والمستودع التجاري الذي خسر الملايين جراء الحرب». ويبدو لصوع أكثر تفاؤلاً وهو يقول: «سنعوّض ما لحق بنا من خسائر، لو يروح كل شيء طحين، المهم الا نخضع لسلطة الحوثيين الذين منعونا من دخول منازلنا إلا بأمر مسؤول الميليشيات في المنطقة». لكنه استدرك: «تضررنا كثيراً. فقدنا المنازل، المحال التجارية، فقدت نحو 7 ملايين ريال هي قيمة زيت وشحم احترقت داخل المستودع، كما أن الحوثيين نهبوا كل شيء».

خسارة وتوثيق

ويتدخل عبدالله البيضاني، وهو مهندس سيارات يمتلك ورشة في الفاو تعرضت للتدمير، بالقول: «طردونا الحوثيون في شهر رمضان من منازلنا وأعمالنا ومنعونا من الدخول إلا بإذن أحد القيادات الحوثية، لذا اضطررنا للمغادرة وترك منازلنا وأماكن أعمالنا». ويضيف وهو يصفق بإحدى كفيه على الأخرى : «خسرنا كل شيء، تضررت الورشة، السيارات، تسبب الحوثيون لنا بدمار شامل في كل شيء». ويتابع: «نريد لجنة توثيق للتاريخ. لا بد من توثيق لجرائم الميليشيات والعبث الذي خلفته في هذه المنطقة».