خاطفة كانت رحلة الشهيد عبد العزيز سرحان الكعبي في هذه الحياة، تحاكي تماماً خفة حركته وبساطته وهدوئه وعفويته وروح الدعابة والابتسامة على شفتيه.. في منتصف مارس 1991، كانت صرخة الميلاد في مستشفى الواحة، لطفل قادم إلى الحياة، معلناً انضمامه لأشقائه الستة: فيصل، علي، صقر، عمار، يوسف، محمد، وشقيقتين أخرتين. وقرر أبو فيصل وزوجته تسميته «عبد العزيز».

شخصية سمحة

يروي أفراد الأسرة أن عبد العزيز جاء كما طيور الصباح، معلناً بدء رحلة حياته القصيرة كما أعمار الزهور، حيث اتسم منذ صرخته الأولى في هذه الحياة، بملامح سمحة، فكان كما كانت تروي والدته لأبنائها، أنه منذ كان جنيناً، كان هادئاً وادعاً.

عاش طفولة هادئة مع أقرانه في الفريج بمنطقة الفوعة، تعفر برمالها، وشرب حليب نوقها، وصام وأفطر على رطب نخيلها، عاش طفلاً محباً ومحبوباً من الجميع، ترعرع في كنف والده سرحان الذي كان يعمل ضابطاً في القوات المسلحة، ما انعكس على تربية جميع أفراد الأسرة في امتلاك شعور عالٍ من المسؤولية، إذ انتسب جميع الأبناء إلى صفوف القوات المسلحة والشرطة، عدا واحد، ونالوا مراتب ورتباً مختلفة.. والجميع يدين للوطن بالولاء والانتماء.

قوات النخبة

تمر الليالي والأيام وينهي عبد العزيز دراسته في ثانوية خليفة بن زايد، قبل أن يقرر أن يلتحق كما إخوانه بصفوف قوات الشرطة، كان فيها مقداماً شجاعاً، انطلاقاً من شعور عالٍ بالمسؤولية الوطنية، وبعد ذلك فكر بأن يلتحق بصفوف القوات المسلحة، وانتقل إلى كلية زايد العسكرية، ليتخرج فيها ضابطاً، ونظراً لشجاعته وقدرته على المبادرة، تم اختياره ضمن «مجموعة الفرسان» في القوات الخاصة وهي قوات النخبة.

يقول عنه شقيقه علي إنه «كما الطائر، يحط ويحلق على حين غرة»، كان قدومه للمنزل كل أسبوع يضفي جواً من المرح والبهجة، كان ،رحمه الله، ودوداً لأخوته وأخواته وأبنائهم، حريصاً على إسعادهم وإبهاجهم في المناسبات العامة والخاصة، ومحباً لرحلات الصيد في البر والبحر، ومحباً للحياة كما كل الشباب.

يوم الاستدعاء

ويضيف: في يوم استدعائه لأداء مهمته الوطنية ضمن قواتنا المشاركة في اليمن في عملية إعادة الأمل التي تقودها المملكة العربية السعودية، حاول عبد العزيز أن يداري أمه، وظل إلى جانبها يسامرها حتى منتصف الليل، محاولاً أن يُخفف عنها، فهو قرة عينها، كان الأقرب لها، وعندما أيقن إنها استسلمت للنوم قرر الذهاب لمنزل خالاته، وغادر البيت كما عادته بهدوء دون أن يشعر به أحد، جلس إلى خالاته كما لم يجلس من قبل، وودعهن بحرارة، على غير عادته.

وفي الصباح وفيما أفراد الأسرة وقفوا لوداعه، وبروح الولد البار قبّل يدي والدته، داعب والده وإخوته قائلاً لهم بعيداً عن أمه: «سوف أعود إليكم، بإذن الله شهيداً، وسوف أكون شفيعاً لكم جميعاً»، داعب شقيقه الأصغر محمد الذي قبّله بحرارة، وكان مكمن أسراره، وودعنا جميعاً وخرج على عجل.

كان عبد العزيز وفياً لأصدقائه، قبل مغادرته، بيوم قدم مساعدة «عينية» لأحد الأصدقاء بمناسبة زواجه، كونه لن يستطع حضور حفل زفاف صديقه، وكلف شقيقه محمد بأن يقوم هو بتقديم الهدية نيابة عنه، وذلك بعد أن سلم جميع ممتلكاته الشخصية من بطاقات وأوراق خاصة لشقيقه محمد، وطلب منه أن يأخذ بطاقة الصراف الآلي ويسحب مبلغاً بمناسبة عرس صديقه، ومبلغاً آخر يشتري به هدايا وعيدية لأمه وشقيقاته والأبناء الصغار.

حلم الزواج

في تلك الأثناء استمرت الأسرة في البحث له عن عروس، وتم تحديد أسماء عدة ليختار واحدة منهن بعد عودته، كي تكتمل فرحته. كان ،رحمه الله، يتقمص شخصية والده عندما تواجهه أية مشكلة، يضيف شقيقه؛ ويسأل نفسه كيف كان والدي سيتصرف في مثل تلك الحالات؟ فكان يقوم بتأدية التزامات وواجبات العائلة، ومساعدة المحتاجين، عندما يغيب الوالد أو يتعذر عليه ذلك، ما عزز لدية روح المبادرة والشهامة والنخوة.

نال عبد العزيز شرف الشهادة، ونال مجداً وتكريماً في الحياة الدنيا، وشرفاً لا يدانيه شرف في الحياة الآخرة، بين الأنبياء والصديقين.

خبر الشهادة

صبيحة يوم 17 أغسطس 2015، في يوم رمضاني والناس صيام، وقبل عيد الفطر بثلاثة أيام، فوجئت الأسرة بزيارة قريب صديق للوالد، زائر الصباح هذا كان مرتدياً زيه الرسمي العسكري على غير عادته في الزيارات السابقة للأسرة، على الفور أدرك الجميع أن أمراً ما قد حصل، وبالفعل أبلغ الزائر والد عبد العزيز بنبأ استشهاده، الذي ارتقى للقاء وجه ربه بدماء طاهرة زكية.