حين عزم على الالتحاق بزملائه في القوات المسلحة المنضوين تحت راية «إعادة الأمل»، لرفع الظلم عن الأشقاء في اليمن، وقف عبدالرحمن إبراهيم عيسى البلوشي ليودع والديه وأشقاءه.. احتضنهم والتحمت روحه بأرواحهم، وكأنه يستشعر أن هذا العناق الأخير.

ولأنه مؤمن بالقضاء والقدر، مقبل على المعركة لا مدبر، استرخص عبد الرحمن الموت، وكحل عينيه بنظرة أخيرة إلى من سيتركهم وراءه، وابتسم ابتسامة أمل بالعودة إليهم إما شهيداً أو منتصراً لا مهزوماً.. أسرع نحو الباب ليهرب من دموع أمه وأبيه التي لا يقوى على رؤيتها، ثم مضى بثبات إلى ساحة الكرامة والعزة، متسلحاً بذخيرة حية من حبهم له، وكثرة الدعاء بحفظه ورعايته.

عبد الرحمن البلوشي كان دائم الاتصال مع أهله للاطمئنان عليهم، خصوصاً والدته التي ظل يهوي قلبها كلما سمعت رنين الهاتف، شوقاً لسماع أخبار بطلها، والاطمئنان على حياته، وظروف معيشته في أرض المعركة.

وتمضي الأيام، ويستمر عبد الرحمن في الاتصال بوالدته من ساحة القتال، ليسمع دعاءها، ويطمئن على أحوالها وأحوال والده وإخوته وأخواته، إلى أن حان وقت تكريمه بجائزة البطولة والشهادة، بعد أن فاضت روحه إلى الله بانقلاب شاحنة عسكرية في ساحة الحرب.

وبينما يروي بطلنا بدمائه الطاهرة أرض المعركة، ويسطر ملحمة بطولية تضاف إلى ملاحم الدولة البطولية في ميادين العزة والكرامة، والذود عن الحرية والإنسانية، تزاحمت الخواطر في مخيلة أم تنتظر سماع صوت ابنها بشغف، وإذا بجرس الباب يدق من قبل أحد أفراد القوات المسلحة: ابنكم استشهد في ساحة القتال.

وكما نعرف فإن الشهادة في سبيل الوطن هي خلود في موت رائع، إنها دعوة ووصية لكل الأبطال والغيورين على أوطانهم، ذلك كان لسان حال ذوي البطل عبدالرحمن البلوشي. عِطرُ خبر استشهاد عبدالرحمن، ملأ البيت، والفريج، ومنطقة الراشدية التي يقطنها أهله في دبي، وفاح في كل أرجاء الدولة، معلناً اكتمال فصل جديد من قصص التضحية والإيثار والبأس والشجاعة لأبطال الدولة المغاوير.

ألوان العلم

حضر جثمان الشهيد عبدالرحمن إبراهيم عيسى البلوشي متوشحاً بعلم الدولة الذي أخذ منه اللون الأحمر معبراً عن دمائه الطاهرة التي سالت فداء للدين والوطن والعروبة، وافترش من اللون الأخضر طريقاً إلى الجنة، وأخذ الأبيض كفناً لتشييعه، وأما الأسود فتركه وراءه في أرض المعركة.