مع تكبيرات أذان فجر يوم الجمعة 4 سبتمبر 2015، ملأ جنود الإمارات البواسل مقر معسكرهم في اليمن نشاطاً، يهرولون لأداء صلاتهم التي يؤمهم فيها «شهيد الحق»، سعيد المري، ابن إمارة دبي، وما هي إلا دقائق فرغوا بعدها ليتبادلوا الابتسامات والأمنيات بيوم جديد معطر بنصر من الله، حتى فاجأتهم أيادي الغدر ليرتقوا شهداء، وها هي ملائكة الرحمن التي كانت تتحلق حولهم في صلاتهم، لن تصعد وحيدة دون أرواحهم الطاهرة، التي ستلقى الله عز وجل لتخبره أنهم شهداء الحق ونصرة المظلوم، منتظرين ما وعدهم به سبحانه من جنات عرضها السماوات والأرض.
موقف صعب
مروان شقيق الشهيد، أوضح أنه حينما بدأت تتواتر أخبار استشهاد جنود الإمارات لتصل أسماع أشقائه، تلقت والدتهم نبأ استشهاد فلذة كبدها بثبات، ما يعكس إيماناً بقضاء الله وقدره، وعزيمة من ربت وصنعت الرجال، ليسطروا بتضحياتهم صفحة ناصعة في تاريخ الوطن. وفي جنازة البطولة، حُمل الشهيد سعيد المري على الأكتاف، وتبعه آلاف المشيعين، تكسوهم ملامح الفخر والاعتزاز، رغم أنهم سيفقدون الأخ والصديق والأب والبطل وصاحب الابتسامة الدائمة.
شخصية محبوبة
وقال مروان إن الشهيد ولد عام 1970، وكان ترتيبه العاشر بين أشقائه، وكان محبوباً من الجميع، بملامحه التي توحي هدوءاً، فضلاً عن أخلاقه التي كانت تميزه، والتي تعكس تربية أسرية ودينية ملتزمة، مشيراً إلى أنه في المرحلة الثانوية، كانت قد بدأت تتشكل شخصية الشاب سعيد المري، حيث كان الصديق الخدوم المحب لزملاء الفريج والمدرسة، لا يتأخر عن تقديم المساعدة لأحد مهما كان.
وذكر أنه تأثر بأبناء العائلة، الذين انضم كثير منهم لصفوف القوات المسلحة الإماراتية، فكان قرار الشهيد أن يحذو خطوات الآخرين، وينضم متطوعاً في عام 1990، لتبدأ رحلته في خدمة القوات المسلحة.
حلم تحقق
وأبان أن الشهيد سعيد بعد تحقيق حلم الانضمام للقوات المسلحة، انتقل إلى مرحلة الزواج، وكان عمره 25 عاماً، لتمر بعدها السنوات سريعة، وقد ترقى فيها بين عدة رتب، أثناء خدمته داخل الدولة وخارجها في البحرين واليمن، بدأها جندي أول، ثم عريف، وعريف أول، ثم رقيب، ورقيب أول، فوكيل، وآخرها وكيل أول، وبين هذه الترقيات سنوات تمضي من الحياة، فهؤلاء أبناؤه وقد شب عودهم بين شباب وفتيات، أكبرهم عبد العزيز، وراشد، وبعدهما عبد الله وماريا وميرا، وأخيراً غيث ذو الستة أشهر.
والد عظيم
وأضاف أن الشهيد حلم أن يكون أبناؤه أشخاصاً نافعين لأنفسهم ولوطنهم، ولذلك، فقد كان حريصاً على توفير كل ما يمكن لأب أن يوفره لأولاده، من تعليم جيد، فضلاً عن تربية صالحة ملتزمة، بين أم فاضلة، ووالد لم تمنعه غياباته في خدمة الوطن، أن يكون حاضراً بنصائحه وقت الغياب، وبنفسه أثناء الإجازات التي كان ملازماً فيها لعائلته الصغيرة والكبيرة بين أشقائه وشقيقاته ووالديه، اللذين كانت تجمعهم جلسات يوم الجمعة المنتظمة، التي كانت عيداً للجميع، يلتقون خلاله، كعادة ظلت سنوات وسنوات لم تنقطع، تؤكد على مشاعر صادقة وحب من القلب يحيط بالجميع.
مواقف إنسانية
وشرح مروان أن حياة الشهيد سعيد المري، كانت مليئة بالمواقف التي تنم عن شخصية نبيلة معطاءة، تؤثر على نفسها الخير، لتعطيه لمن يحتاج، ومن ضمنها، أنه كان قد وضع اسمه بين أفراد القوات المسلحة الذين سيذهبون لأداء فريضة حج هذا العام، لكن، ومع تطور الأوضاع والأحداث في اليمن، آثر أن يكون بين رفاقه في أرض المعركة.
ولذلك، كان دائم التواصل مع المسؤولين عن الحج داخل الإمارات، يبلغهم بأن يمنحوا مكانه في رحلة الحج لمن يرونه محتاجاً له، وما ذلك الفعل، إلا تأكيد على نفس نبيلة تريد أن تنشر الخير، ولا تطمع فيها لنفسها فقط.
خدمة الوطن
وعلى كثرة المواقف كان من أشدها قيمة ومعنى، ذلك الطلب الذي كان قد ألح على قادته في القوات المسلحة بقبوله، وهو التعجيل بابتعاثه للمشاركة ضمن الجنود الإماراتيين في اليمن، وإصراره أن يرافق زملاءه الذين جمعتهم به عشق خدمة الوطن وترابه ورد الجميل، وهذا ما حدث بالفعل، حيث سمح له بالسفر مع زملائه من الجنود المشاركين في العمليات العسكرية هناك.
وكان يحثهم دائماً على أن تكون نيتهم الشهادة في سبيل الوطن وإعلاء قيمة الحق، وهو ما ناله بعد أن ضرب أروع الأمثلة، حيث كان الابن البار بوالديه، والأخ المحب لإخوانه، فضلاً عن الأب والزوج الذي جعل من حياته طاقة نور تضيء لهم حياة ملؤها السعادة والحب، والصديق الذي كان عوناً وسنداً لمن طلب مساعدة أو نصيحة.
إمام الشهداء
ذكر مروان شقيق الشهيد سعيد، أن زملاءه أطلقوا على عليه «إمام الشهداء»، وهو لقب له من المكانة والفخر ما تعجز عن وصفه الألسن، لشخص كان مثالاً في كل شيء، أحب الناس فأحبوه، وأخلص في عمله، فكان المثل والقدوة، وتعلق قلبه بدينه، فاختاره الله سبحانه وتعالى ليكون بجواره مع الصديقين والأنبياء والصالحين، وأخلص لوطنه، فكان التقدير والعرفان بما فعله من قادة الإمارات، الذين كانوا في أول الصفوف، يشدون من أزر أهله ومحبيه، ضاربين أروع الأمثلة في كيفية تلاحم الشعب مع قادته.
مفارقة
أكد ذوو الشهيد سعيد المري، أن ولديه «عبد العزيز وراشد»، لطالما تمنيا أن يكونا كأبيهما، وينضما للقوات المسلحة أو الشرطة، وبالفعل، نجحا في اختبارات القبول «طيارين»، وفي الوقت نفسه، مرشحين ضباط في الشرطة.
وأوضح شقيق الشهيد، أن أخاه البطل كان دائم السؤال والمتابعة لخطوات أبنائه، رغم وجوده ضمن قوات التحالف في اليمن، وينتظر مرور الأيام ليعود إلى أسرته ويحتفل معهم بنجاح ولديه.. ويشاء الله أن يكون يوم استشهاده، هو اليوم نفسه الذي قُبل فيه ولداه كمرشحين انضما لبدء الدراسة في كلية الشرطة.

