انتظرته لتكملَ معه الحلم، وحياةً جميلة ببساطتها وتقاليدها، ولكن عندما يشاء القدر! خبر حالَ الموت دون أن تزفَّه الزوجة ويسمعَه الزوج، كانت تنتظره لتخبرَه بحملها ويكملا معاً اللّمسات الأخيرة لمنزلهما الجديد بمنطقة «سيح الغب في رأس الخيمة»، إلّا أنّ «فاهم سعيد أحمد المونه الحبسي» الذي ولد يوم 23 يوليو 1982 قضى شهيداً خلال مهمّته العسكريّة ضمن قوّات التحالف العربيّ بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة.
بساطة
«فاهم» أحد أبناء أسرة إماراتيّة مكوّنة من 10 أشقاء بينهم ثلاثة ذكور و7 إناث، ترعرع في «شعبية الزهراء» بمنطقة «سيح الغب»، المنطقة التي يحاصرها التاريخ من كلّ مكان، طفولته ما بين جبالها الشامخة وطبيعتها، زرعت في شخصيّته شدّة جبالها وبساطة أجداده، التي نقلها له والده..
هذا الرجل الذي كان يعمل في الهيئة الاتّحادية للكهرباء والمياه، علّمه كيفيّة معرفة الفصول الأربعة عن طريق النجوم والجلوس بمجالس الكبار مردّداً مقولة والده: «إنّ المجالس مدارس».
عاش طفولته في بيت الجدّة، كان مختلفاً عن سواه من أطفال الجيل الجديد الذين يملّون جلسات الكبار. فجلسات الجدّة «كتّاب الحياة» يعود معها إلى حكايات التاريخ وما شهده من حروب قديماً بين القبائل وإلى القصص الخرافيّة التي يحبّ، وكانت تتقن الجدّة روايتها لتوصلَ له تعاليمَ يتّبعها في حياته. فكان لها ما أرادت.
سلاح
العلم بالنسبة لفاهم السلاح القويّ الذي يصوّبه في وجه المستقبل وما يخفيه. حثّ راشد أخاه الأكبر على ضرورة الحصول على الشهادة الإعداديّة استعداداً لدخول المرحلة الثانويّة واستكمال دراسته الجامعيّة.
سلاح لا يقلّ بطولة عن السلاح الذي حمله في الحرب، سلاح تمرّس على حمله في ميدان الحياة فهو أيضاً أكمل دراسته بعد انقطاع، ونال شهادته الإعداديّة في شهر يونيو الماضي محتفلاً بذلك بوليمة كبيرة دعا إليها عائلته وأصدقاءه.
«فاهم» الذي نهل من بيئته ميزاتٍ عدّة، رسمت شخصيّته لتكتملَ معها لوحةُ حياة وإنْ كانت قصيرة وإنّما سطّرتها بطولاتٌ في الحرب وميادين الحياة. تعلّم الرماية، الهواية التي انتقلت به إلى صفوف القوّات المسلّحة وهو في عامه السادس عشر. عشق التراث وكلّ ما ورثه من أبيه وأسرته ومنطقته التي هام صعوداً في جبالها وجاب براريها في رحلاته مع العائلة والأصدقاء. ولم يكتفِ.
مساهمة
ففي عزبة العائلة كان يساعد أباه في تربية الإبل، هذا الوالد الذي رمى برحيله صدمة في طريق «فاهم» عام 2005 وعلى كتفيه جبال من المسؤوليّات تّجاه عائلته الكبيرة، صدمة جعلت من الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثة والعشرين من عمره أكبر بسنوات من عمره الحقيقيّ. فغياب السند أفقده طعم الحياة فكان نقطة تحوّل بدّلت مسار أيّامه. لم يتوانَ عن تعويض عائلتيه الصغيرة والكبيرة من فقدوه، خاصّة والدته التي أعياها المرض منتقلاً بها بين دولة وأخرى في رحلات علاج.
في ذلك المسكن الجديد الذي لم يكتمل، كان ينقصه الأثاث وبات الآن ينقصه «فاهم»، حرص على توفير غرفة مناسبة لوالدته، لتكون على مقربة منه ومن أطفاله الخمسة والسادس الذي لم يعلم بأنّه يتهيّأ للقدوم إلى الحياة.
همام
رجل لم يعترف يوماً بأنصاف الحلول، مقدام، بارّ لأسرته حريص على الاستماع للجميع، أخ وصديق لكلّ من عرفه عن قرب، ولم تنسِه متاعب الحياة علاقته بمن أحبّ من أصدقاء الطفولة، الشهيد «خالد الشحي» كان أحدهم، ليصبح صديق الطفولة والشهادة معاً.
فقبل أن يسلكا درب هذه الأخيرة، سلكا دروب البراري في رحلات جمعتهما أيّام وأيّام. احتفظا في ذاكرتهما بصور لن يغيّبها الموت حمّلاها إرثاً معنويّاً لمن حولهما وماديّة كهديّة وجدت في سيّارة «خالد» كان يحتفظ بها من «فاهم» قبل توجّههما للأراضي اليمنيّة.

