شهدت منطقة الرملة في أم القيوين ميلاد الشهيد أحمد هيبتان البلوشي في العام 1985، حيث بشر رب الأسرة بطفل وديع ليكون الرابع في الترتيب بين أشقائه والثامن بين شقيقاته، كما سرت به والدته أيما سرور.
هي الأم، أم الشهيد التي وضعت حياتها بين يدي أبنائها، ودفنت أحلامها في أعماق قلبها، ونسجت من أحزانها ثياب فرح كست بها اطفالها، وصنعت من عوزها غنى لنفس وروح صغارها، فقدمت قصة كفاح فريدة اختلطت فيها الدموع بالعرق.. ومشاعر الأرق والضني بالحب والرضا، وبكل تلك المعاني السامية ظلت تكافح حتى ربت أبناءها على معاني الفخر وحب الوطن.
سلوك إيجابي
وروى شقيق الشهيد الاكبر عبدالغني البلوشي تفاصيل نشأة الشهيد قائلاً «الشهيد احمد ترعرع وسط الدفء والحنان طفلا مدللا، تحيطه الأسرة بعناية فائقة، تشجعه عن طريق المكافأة في حال ارتكابه الاخطاء والتي كان لها تأثير سحري في تعزيز القيم الإيجابية في نفسه لأنها كانت تقترن بتشجيع السلوك الإيجابي له بدلاً من التركيز على السلوك السلبي وعقابه عليه، وعندما بلغ الخامسة من عمره كانت طفولته هادئة مسالمة بعكس اطفال الحي المشاغبين قليلاً، ولكنه اذا غضب فكانت غضبته ثائرة لا يرجع عنها الا بعد ان يخرج الى الساحة المجاورة لبيت الاسرة، وهناك يقضي ساعة او يزيد ينفس فيها غضبه ويطرد الشحنات السالبة، ثم يأتي معتذرا لمن أخطا في حقه.
في سن السادسة في العام 1991 التحق احمد بمدرسة راشد الابتدائية في أم القيوين وظل حتى الصف الثالث، ثم انتقل الى مدرسة الامير ودرس فيها من الرابع الى السادس، ثم مدرسة الضياء، وظل بها حتى الاول الاعدادي، فجأة انقطع عن الدراسة رغم انه كان مميزا فيها بشهادة معلميه، الذين احبوه لما لمسوه فيه من هدوء وسكينة ما ميزه من دون أصدقائه، وبادلهم حبا واحتراما وتقديرا، حيث وصفوه بالطالب الوديع الذي لا يثير الشغب ولا يفتعل المشاكل، فكان مثالا يحتذى في النضج والطاعة.
حيث الوالدة المربية الأولى كانت متواجدة في سكناته وحركاته فأكسبته تلك المعاني السامية، ولكن الامر كان كالصاعقة وقعه على والدته واشقائه، حيث باءت كل محاولاتهم ومعلميه بالفشل حتى يعدل من قراره ويعود الى مقاعد الدراسة ولكن هيهات، معللا بأنه يريد ان يلتحق بالجندية التي هي شرف لكل رجل عزيز قوي سليم البنية، كما انه كان شغوفا بالانضمام الى لوائها وحمل رايتها حتى يدافع عن أرضه وعرضه وامن بلاده في حال وقوع الملمات».
نيل الشرف
وما هي إلا شهور حتى حقق احمد رغبته وحلمه بالانضمام الى القوات المسلحة مصنع الرجال ليكون جنديا مخلصا مطيعا لمرؤوسيه، فكانت سيرته عطرة خلالها، عطرها بصدقه واخلاصه وخفة دمه وروحه الطيبة، وبشاشته التي لم تفارق محياه، ما جعل أترابه وزملاءه في العمل يكنون له كل الود والتقدير والتبجيل، فيتحلقون امامه في اوقات الفراغ، قاصا عليهم اجمل القصص الطريفة من مخزونه القصصي الذي كان في جعبته، وهكذا كانت حياته العسكرية، حيث احبها واحبته، فأعطاها كل ما يملك من قدرات وخبرات، حتى جاء اليوم الموعود، فاختير من ضمن كوكبة من ابناء الامارات البررة ممن استؤنست فيهم الكفاية والقدرة على تحمل المسؤولية التي زرعتها فيه اسرته الخيرة منذ نعومة أظفاره، فكان عند الوعد وحسن الظن، فجاءت استجابته سريعة لبى خلالها نداء الوطن، فاجأ بها أسرته الصغيرة وأشقاءه ووالدته، حيث الاتجاه الى اليمن لنصرة الاشقاء ورد الضيم عنهم.
تواصل
كان الشهيد أحمد اجتماعيا من الطراز الاول بحكم خفة دمه وتواصله الدائم مع الاصدقاء والأقرباء والجيران، ومشاركاته الفاعلة في أفراحهم قبل اتراحهم، وعندما فكر في الزواج مليا كانت الوالدة النبراس الهادي له لاختيار رفيقة العمر، فكان نعم الاختيار الذي فرح له الشهيد وباركه، فيوم زفافه في العام 2009 كان يوما مشهودا في الرملة مسقط رأسه، يوما يحفر في الاذهان ولا يفارق الخيال، فالأفراح استمرت اسبوعا قبل الزفاف، وامتلات الساحة الخارجية بالأصحاب يأتون فرادى وزرافات، حيث الزغاريد والتبريكات، ثم الذهاب الى عش الزوجية، فكانت حياة هنيئة ملؤها الحب والتحنان، فأثمرت نجلاء 5 سنوات ومروان 3 اعوام وأحاطهما حبا ورعاية، ناثرا السعادة في طريقهما، وفي مطلع اكتوبر الماضي جاء خبر استشهاد احمد إلى اهله في ام القيوين واستبشروا خيرا نيله الشهادة في ميدان القتال مدافعا عن الحق ورافعا راية الوطن عالية.

