تفخر جبالنا الشامخة شموخ سنديانها وتعتز بأبنائها الذين ولدوا وترعرعوا في مرابعها تنفسوا هواءها النقي الصافي وتربوا على الإباء والوفاء والإخلاص وحب تراب الأرض الطيبة..

هناك ومن إحدى مناطق قرية وادي أصفني ولد الشهيد «سلطان سالم عبدالله حميد المزروعي» الذي لا يعرفه الكثيرون من أبناء هذا الوطن، حيث حصل على نوط الشجاعة العسكري عند استشهاده في مهمة تدريبية.

هذا الشهيد الذي لاقى ربه فتيا، شهد مستشفى الذيد ولادته بتاريخ (17 مارس 1988).

وترعرع في حضن أسرة بسيطة وكادحة وعاش مرابع طفولته مع والديه (سالم عبدالله المزروعي وضحيوه سالم عبيد) وأشقائه الـ11 على ربوة من روابي «وادي اصفني» وهو المكان نفسه الذي يضم ترابه جثمانه راقدا إلى جوار والده وجده، هذه القرية التابعة لإمارة رأس الخيمة مازالت ترنو وسط الجبال والمناظر الطبيعية منذ مئات السنين ونبتت عروق الشجرة الطيبة هنا وهناك.

طائر الفينيق

نشأ «سلطان» ليحلق في السماء، متجولاً في حارات وأزقة «ممدوح» كما يطلق عليها حاليا كمنطقة من المناطق التابعة لوادي أصفني، ناثراً أحلامه كطائر مغرد على صفحات سنواته الأولى، ممسكاً بسحر الأرض وعشق الجبال وبالأسرار العميقة للوادي..

والتخيلات عن الأبطال القدامى، المبثوثة في قصص الجدات وكبار السن، مترعرعا بين «عزبة» العائلة وملعب الكرة الترابي الذي يقع أسفل الوادي ومازال على حاله.

وأخذت عيناه وعقله بالتفتح بوعي على الحياة الكبيرة، والمدهشة في تحولاتها، لم يلبث أن اشتد عوده قليلا وبلغ سنين الدراسة التعليمية بمدرسة وادي أصفني التي كانت تضم صفوفها من الابتدائية حتى المرحلة الثانوية دون أن يلتحق برياض الأطفال التي لم تكن موجودة بالمنطقة آنذاك..

وقطع المراحل الدراسية بنبوغ وفطنة لافتين، قد لامس وجدانه مع وصوله إلى بواكير المراهقة، فما كان منه بعد أن أكمل دراسته هذه، أن بادر بالانتساب إلى المدرسة الثانوية الجوية في عام 2003 كالفرد الوحيد من أبناء منطقته الذي يخرج في هذه السن للالتحاق بحلمه، متحديا حزنه العميق في فقده والده بحادث مروري مؤسف في عام 2001، خارجا بآلامه من وحشة المنطقة.

السماء المتسعة كانت الميدان الحقيقي لأحلام وطموحات «سلطان»، لذا اختار القوات الجوية، لفت الأنظار منذ ساعات تدريبه الأولى، فلقد تميز بسرعة البديهة..

والشجاعة والإقدام، فكان طياراً بالفطرة قبل أن يتمرس بالمران والدراسة، ونظراً لما تمتع به من سمات ذهنية وجسدية، وقع عليه الاختيار للمشاركة في دورة تدريبية متقدمة في استراليا رغم أنه لم يكمل سنته الأولى في الكلية، والخبرة القليلة في هذا الميدان. إلا أنه في 22 يونيو 2004 تحديدا كانت نهاية رحلته مع الحياة.

رفقة النهاية

استشهاد «سلطان» سبب لـ«عبيد» حالة من الذهول، مازالت تسيطر عليه كما ـ يروي ـ ويقول لـ«البيان» التي زارت منزل الشقيق الأكبر «سعيد» وسط لمة أشقائه:

«إلى ورود اتصال من مقر عمل شقيقه، ما يتطلب حضورهم، فعلى الفور توجه هناك ومنها إلى أستراليا، ليرى شقيقه متأثرا بجراحه بعد أن فقد الاتزان فجأة، وسقط على الأرض نتيجة عدم عمل المظلة التي كان يرتديها، ولم يعد هناك خيار، وبقي معه بالمستشفى وهو على حاله مدة 11 يوما ليلقى ربه».

وتابع «عبيد»: حزني على شقيقي أثناء دفنه لم يكن أكثر من الفراق الذي كان صعبا وخصوصا وأنه في مقتبل عمره، وكانت أحلامه كثيرة وبالأخص في أن يكون طيارا. لافتا إلى أنه منذ دفن «سلطان» يحرصون على زيارته كل يوم جمعة لقراءة القرآن على روحه.