يحفظ التاريخ بأحرف من ذهب النظرة الإنسانية لمؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث امتدت أيادي زايد الخير إلى كل بقاع العالم، إذ كان في مقدمة الملبّين لنداءات الواجب والضمير الإنساني. فلطالما اشتهر الشيخ زايد بحبه للخير ومساعدته للفقراء في أنحاء العالم كافة، فلم يكن تفكيره منحصراً داخل دولة الإمارات فحسب، بل امتدت إنجازاته وأعماله العظيمة خارج الدولة، ليصبح رمزاً عالمياً للخير والعطاء، كيف لا وهو الذي أنفق مليارات الدولارات لمحاربة الفقر في نحو 40دولة في أرجاء المعمورة كافة.
عندما بدأت موريتانيا تخطو أولى خطواتها بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، وجدت نفسها وحيدة تواجه مشاكل التأسيس التي لا حصر لها، موارد مالية قليلة، بنية تحتية شبه معدومة: لا طرق لا مستشفيات، لا مدارس، دولة فتية تبحث عن ذاتها في رمال الصحراء المترامية الأطراف، دفع هذا الواقع الصعب أول رئيس لموريتانيا وهو المختار ولد داداه إلى البحث عمن يمد له يد العون ليعبر بموريتانيا إلى مرحلة الدولة. ومن حسن حظ ولد داداه وحظ الموريتانيين أنه كان على الطرف الآخر من الوطن العربي يعيش رجل مسكون بهموم الأمة العربية، لا يهدأ له بال ولا يغمض له جفن وهو يشاهد واقعها المتردي حينها، كان يحلم باليوم الذي يراها فيه تنهض لتسابق الأمم وتقود ركب الحضارة العالمي، لم يكن هذا الرجل سوى المغفور له بإذن الله مؤسس دولة الامارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
زراعة أمل
وجد الرئيس المختار ولد داداه في الشيخ زايد ما كان يبحث عنه، زعيماً وقائداً لديه فكر نير واستراتيجية طموحة للبناء والتطور، وفوق هذا وذاك يمتلك القدرة المادية ولديه الحماس لمساعدة أشقائه العرب والمسلمين، توطدت أواصر الصداقة وتعززت مع الوقت لتتوج بتبادل الزيارات بين الزعيمين، حيث قام المختار ولد داداه بزيارة رسمية للإمارات في 28 أبريل 1974 رد عليها الشيخ زايد بزيارة رسمية وتاريخية لموريتانيا بدأها 13 أغسطس 1974 واستغرقت ثلاثة أيام، وعندما قدم إليها لم تكن موريتانيا بالنسبة له بلدا غريبا أو بعيدا، فقد شعر الشيخ زايد بأنه بين أهله وقومه، احتسى الشاي الموريتاني وارتدى الزي الشعبي، وحضر سباقات الهجن الموريتانية الأصيلة. وحسب ما ينقل الكثيرون عنه أنه أحب العادات الموريتانية وأحب البساطة والبداوة العربية العريقة التي تميز الشعب الموريتاني، وأحس أن ما يجمعه بالموريتانيين يتجاوز حواجز البعد الجغرافي ليمتد عميقا في ذاكرة الزمن ناسجاً خيوطاً من الثقافة والتاريخ المشترك لشعوب هذه الأمة.
زيارة الشيخ زايد إلى موريتانيا زرعت الأمل في قلوب الموريتانيين وبعثت في نفوسهم قدراً من الارتياح والطمأنينة للتغلب على بعض الصعاب التي تواجههم في معركة البناء، ولم يخيب الشيخ زايد ظنهم فيه لأن يده البيضاء سرعان ما امتدت بسخاء إليهم ابتداء من ذلك التاريخ.
قرض سخي
وتصادفت زيارة الشيخ زايد لموريتانيا مع شروع ولد داداه في تشييد طريق رئيسي يشق البلاد من غربها إلى شرقها ويربط مدنها الرئيسية، ينطلق الطريق من نواكشوط على المحيط الأطلسي إلى النعمة في أقصى شرق البلاد مرورا بمدن: ابي تلميت، ألاك، مكطع لحجار، كيفة، لعيون، وعشرات القرى والتجمعات السكانية الأخرى التي هي في أمس الحاجة لفك العزلة عنها، ونظرا لحيوية وأهمية هذا الطريق أطلق عليه الموريتانيون «طريق الأمل». كانت يد الحكومة الموريتانية في ذلك الوقت قاصرة عن استكمال المشروع الطويل المكلف، وفي المقابل كانت الحاجة إليه لا تترك فرصة للحكومة للبقاء في وضع الانتظار ريثما يظهر ممولون وداعمون من خارج الحدود، وهو انتظار قد يطول ويطول خصوصا بعد اليأس من وعود فرنسا الفارغة، لكن الأمل في تشييد الطريق تجدد بعد زيارة الشيخ زايد، حيث لم تمض فترة طويلة حتى أعلنت دولة الإمارات عن أول قرض سخي استثنائي لموريتانيا بلغت قيمته 40 مليون درهم إماراتي لتمويل جزء مهم من الطريق.
ترك القرار في نفوس الموريتانيين أثراً طيباً، وأصبحت الإمارات بالنسبة لهم الظهر والسند القوي، وبالفعل توالى الدعم الإماراتي لموريتانيا بعدها، فقدمت الهبات والقروض الميسرة لاستصلاح الأراضي ودعم شبكة الكهرباء والمياه وإنشاء المستشفيات والتدخل في الحالات الإنسانية الطارئة.
شريان الحياة
بعد أن اكتمل مشروع طريق الأمل وتم تشييد ما تبقى من مقاطعه بفضل الدعم الكبير الذي قدمه الشيخ زايد تحول هذا الطريق إلى شريان حياة حقيقي لا غنى عنه للموريتانيين، فقد أصبح بمقدور المواطن الموريتاني أن ينتقل بسهولة بين العاصمة والولايات الداخلية دون عناء.
