تفرض ظروف العمل على بعض الأشخاص أن تكون أعمالهم أكثر مشقة في شهر رمضان المبارك، ولعل العاملين في المطاعم وصالونات التجميل هم الأكثر معايشة لهذا الظرف، حيث يضطر بعضهم للعودة إلى عمله بعد الإفطار، بينما يبدأ عمل البعض الآخر قبل موعد الإفطار بساعة ليمتد إلى منتصف الليل، وقد قلب نظام الدوام الجديد هذا حياة معظمهم رأساً على عقب وأثر بشكل واضح على حياتهم الأسرية وعاداتهم الغذائية.
وقال بدر المزيك، مدرس لغة إنجليزية في معهد خاص لتعليم اللغة الإنجليزية: يفرض علي عملي العودة بعد الإفطار إلى المعهد، وهو أمر شاق بكل معنى الكلمة لأنني لم أعتد عليه سابقاً أثناء إقامتي في سوريا وقبلها في كندا، فالمعاناة لا تكمن في العودة إلى المعهد والطلاب بعد الإفطار، بل في أسلوب حياتي الذي تغير جذرياً في رمضان، حيث أصل إلى المنزل في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءً تقريباً ولا يكون هناك أي مجال لفعل شيء سوى الصلاة.
عادات مدرس اللغة الإنجليزية الغذائية تغيرت أيضاً بسبب اضطراره إلى العودة إلى المعهد بعد الإفطار مباشرة، وقال: أتجنب تناول الأكلات الدسمة التي أحبها حتى لا أشعر بعسر الهضم الذي يؤدي إلى الكسل والنعاس، كما أركز على تناول أنواع الحلويات لأنها تمدني بالطاقة اللازمة لتحمل ازدحام إمارة الشارقة أثناء ذهابي مرة أخرى إلى دبي مساء.
كوب القهوة لا يفارق يد بدر المزيك أثناء تواجده في المعهد، وقال: أستعين بالقهوة للتركيز مع طلابي قبل بداية الحصة، ولكن تفاعلهم معي لاحقاً يمدني بحيوية كبيرة وينسيني معنى التعب.
وتكاد تكون معاناة عباس فرض الله، مساعد مدير خدمة العملاء في شركة محلية، مختلفة تماماً، فهو يحرص على المشاركة في أعمال تطوعية بعد الإفطار، وقال: تسيطر علي حالة من السكينة والطمأنينة خلال الصباح، كما أنني أتعامل مع الزبائن بشكل راق مثلما اعتدت على معاملتهم في الأيام العادية، وبعد تناول طعام الإفطار على عجل أتوجه بسرعة إلى أم القيوين لأنني عضو في اللجنة التنظيمية لجائزة القرآن الكريم في أم القيوين.
ولا يشعر عباس فرض الله بإرهاق بقدر ما يشعر بسعادة كبيرة لأنه يقوم بعمل يشعره بقيمته كإنسان ويرفع تقديره لذاته، وقال مازحاً: معاناتي ستبدأ عندما أتلقى فاتورة المخالفات، فغالباً ما أقود بسرعة للحاق للوصول بالموعد المحدد.
يعمل محمد مرسي في أحد مقاهي دبي، ويبدأ دوامه خلال الشهر الكريم في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءً وحتى الساعة الثانية صباحاً، كما يتسع وقته فقط لأداء الصلوات الخمس، وقال: أقيم في دبي منذ سنة تقريباً وأنا مندهش من سرعة مرور الوقت، فطوال سنوات عملي في مصر لم أفوت يوماً ما صلاة التراويح أو صلاة قيام الليل في المسجد جماعة مع المصلين.
يعد شهر رمضان دورة مكثفة للمسلمين من أجل المحافظة على الصلاة، والتقرب من الله بالأعمال الصالحة وقراءة القرآن، وهو فرصة لا يجب أن يفوتها الإنسان أو أن يتعامل معها بشكل سلبي.. هذا ما أكده محمد ومضى، قائلًا: ليس لدي وقت إلا للراحة والنوم والاسترخاء وأحمد الله أنه ما زال يقويني على أداء الصلوات الخمس، فمنذ بدء شهر رمضان لم أعتكف يوماً واحداً في المسجد، لأنه ليس لدي وقت فراغ على الإطلاق، كما أنني أظل منشغلاً بتلبية طلبات الزبائن ولا تكون هناك فرصة لذكر الله أو للتسبيح، وأتمنى أن يغفر الله لي ويسامحني على ذلك.
وأضاف: نكون عادة في بيت العائلة في مصر عندما يحين موعد الصلاة، ويبدأ أشقائي والجيران بتذكير بعضهم بالوضوء للصلاة جماعة في المسجد، كما أننا كنا نشجع بعضنا بعضاً على أدائها من أجل نيل الأجر والثواب والتقرب من الله، ولكن حالياً نصلي على عجل حتى نشعر براحة نفسية بسيطة، بالرغم من ضغط المدير الذي يرى أن خدمة الزبائن هي الأهم.
وقالت كريمة عيسى، صيدلانية، التي تضطر إلى العودة إلى عملها بعد الإفطار: في الصباح أكون نشيطة وسعيدة وصاحبة مزاج رائع، ولكن بعد الإفطار يتغير الحال كلياً، حيث تظهر على ملامح التعب والإرهاق والكسل، ولا أكون قادرة على متابعة عملي أو التعامل مع الزبائن بسلاسة، كما أصبح سريعة الغضب وشخصية متوترة إلى حد ما.
وعن زبائنها في رمضان قالت: أحاول أن أكون صبورة إلى أقصى الحدود عندما أتعامل مع زبائني المدخنين، لأن حالتهم المزاجية السيئة تشجعهم على استفزاز من حولهم وإثارة غضبهم بأي وسيلة.
وفي الإطار نفسه قالت سامية محسن مصففة شعر في مركز تجميل: ساعات العمل في المؤسسة الأجنبية التي أعمل فيها تجعلني عصبية ومتوترة طوال الوقت، لذا أتمنى أن يكون هناك احترام أكبر لهذا الشهر الفضيل من جانبهم، وأن يكون هناك نظام ورديات للمسلمين الصائمين حتى يتقربوا أكثر إلى ربهم بالصلاة وقراءة القرآن الكريم، فعند عودتي ظهراً من العمل أضطر لدخول المطبخ على عجل لتحضير الطعام لأسرتي، وبعد الإفطار أذهب مرة أخرى للعمل دون أن آخذ قسطاً من الراحة يعيد طاقتي وحيوتي إلى أعلى مستوياتها.
وافقتها الرأي لبنى إسحاق موظفة استقبال في صالون تجميل، وقالت: لدينا استراحة لمدة 30 دقيقة لتناول وجبة الإفطار، ولكن يتم حرماننا منها غالباً بسبب تواجد زبونات في الصالون، حيث نكتفي بشرب الماء ونكمل عملنا حتى الساعة العاشرة ليلاً.
وعن تأثير اقتراب موعد العيد على عملها، قالت: نكون داخل الصالون مثل خلية النحل، حيث الشعور بالتعب ممنوع.
أما حسام ثابت، موظف في محل عطور، فأوضح أنه يحاول أن يتكيف مع أجواء العمل خلال الشهر الفضيل، وقال: كانت صدمة كبيرة لي عندما علمت أنا وبقية الزملاء أننا سنعود إلى العمل بعد الإفطار مباشرة، ولكن ما باليد حيلة.
وحول حالته النفسية بعد الإفطار، قال: أتجنب الحديث مع الآخرين، وأقنع نفسي بضرورة التفاؤل.
واستطرد قائلًا: تتساهل معنا الإدارة خلال النصف الأول من شهر رمضان في حال تأخرنا 15 دقيقة كحد أقصى، ولكن بعد ذلك يكون هناك ضغط كبير نظراً لاقتراب عيد الفطر.
