مفهوم المسؤولية الاجتماعية يتعزز في مجتمعاتنا يوما بعد يوم، وبذلك يرقى إلى التطبيق ليعكس وعي الأفراد به، ولأجله انطلقت المبادرات لتعبر عن تلاحم وتكاتف المجتمع وبمختلف فئاته. وعليه قام الكثير من المتطوعين بتقديم خدماتهم ومد يد العون لفئات مختلفة تحتاج لطاقاتهم وللالتفاف حولهم. وانطلاقا من ذلك وبرعاية ودعم من مجموعة الخاجة للضيافة، وبتنظيم من مؤسسة كوتوبيا للمسؤولية الاجتماعية وهي العضو في مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة المختصة بإعداد وتنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية لشركات ومؤسسات القطاع العام والخاص، نظمت مؤسسة كوتوبيا مبادرة إفطار الشواب في مركز البرزة لكبار السن في دبي.
شملت المبادرة فطورا للمسنين بمشاركة فعالة من المتطوعين والمتطوعات الإماراتيين من أعضاء مجموعة فزعة دبي للتطوع، وبعد الإفطار أقيم مجلس رمضاني شارك فيه المتطوعون مع المسنين في حديث عن ملامح رمضان في الماضي وعن سمات التكاتف بين أفراد المجتمع الواحد، كما شملت المبادرة فقرة أسئلة وأجوبة للترفيه عن المسنين.
ونستمزج عددا من الآراء في تلك المبادرة والبداية مع يوسف العبيدلي المدير التنفيذي لمؤسسة كوتوبيا للمسؤولية الاجتماعية حيث قال: تأتي رعاية ودعم مجموعة الخاجة للضيافة وهي إحدى أهم شركات قطاع الضيافة الوطنية في دولة الإمارات كجزء من التزامها الدائم نحو المجتمع وإيماناً منها بأهمية تطبيق المسؤولية الاجتماعية للمساهمة في التنمية المستدامة.
وأكد على أن أباءنا و أمهاتنا من المسنين هم أساس هذا الوطن، وهم المدرسة التي يجب على أجيال المستقبل التعلم منها، وأن هذه المبادرة ليست إلا جزءا بسيطا من واجب رد الجميل لهم ولما قدموه لوطننا الغالي.
أما محمد عبد الرحمن علي البشري أحد كبار السن الذين كانوا موجودين في المركز فكان حديثه حول المبادرات التي تطلقها المؤسسات الحكومية والأفراد : إن المبادرات التي تطلقها المؤسسات والأفراد كثيرة ومتنوعة، تخلق لنا جواً من الفرح والسعادة خاصة عندما نلمس حرص فئة الشباب المستمر على على حضورهم ووجودهم معنا، ويضيف البشري: أزور هذا المركز منذ ما يقارب تسعة أعوام، وأنا مستمر في ذلك وصادفت الكثير من المبادرات وهي التي زادت من انتمائي وغرست فيّ حب المركز.
إضافة إلى ذلك ألتقي بأصحابي الذين قضيت طفولتي معهم، وأملأ وقت الفراغ في أشياء تعود علي بالنفع، ولو تحدثت عن المبادرات لا أستطيع حصرها لأنها متكررة ومستمرة، ومن أكثر المبادرات التي أميل إليها تنظيم الرحلات إلى مختلف إمارات الدولة وشواطئها والتي تذكرني بأيام طفولتي وشبابي، وأشيد في الحقيقة بدور المؤسسات الحكومية والخاصة والأفراد على هذه المبادرات النابعة من حرصهم واهتمامهم الدائم بكل شرائح المجتمع.
أبطال الأحداث
أما الوالد ثاني بن بخيت العويس فقد كان ايقاع حياته مختلفاً، حيث يرى أن اللقاء الذي سادته مشاعر المودة والرحمة والأجواء الرمضانية مما أعاده إلى الماضي، وما صاحبه من رحلات سفر كانت تمتد إلى أربعة أشهر وأكثر، ويضيف:
عشقت البحر وأهواله، وركبت أمواجه في سن مبكرة جداً، ولم يكن الدافع لاكتشاف أسراره سوى الإصرار والعزم والإرادة، هذه الصفات التي صاحبتني كانت اقتداء برجال البحر الذين غزوه سابقاً، ونقلوا تجاربهم معه الينا فتأثرنا بالحكايات التي رووها لنا ونحن أطفالاً فرسخت في أذهاننا وتشكلت أفكارا غرست في نفوسنا العزيمة، وها أنا ذا أستذكر تلك الأيام التي سكنتني منذ الطفولة، وأسبح في بحر من الذكريات لأعيش بها ومعها، وأضاف: أنا لم أتعلم القراءة ولا الكتابة في صغري لكنني دفعت أبنائي وحفزت أحفادي للتوسع في التعليم وعدم الاكتفاء بمرحلة.
وإنما الارتقاء بأنفسهم خاصة وأن الدولة أنشأت الكثير من المؤسسات التعليمية في الداخل وتبتعث المتفوقين للدراسة في خارج، أما الآن أصبحت معظم التخصصات متوفرة في الدولة، ومضى قائلاً: أسعدني اللقاء بأبنائنا الشباب اليوم، وابتهجنا بما قدموه لنا فلم نشعر بشيخوختنا ولم نضجر، فقد كان لقاء أسريا واحتفالا روحانيا، حفته أجواء رمضانية افتقدناها كثيراً.
إضافة إلى وجود أصدقائي ممن يقاربوني سناً، وقد أخذتنا أحاديث الذكريات معا إلى جماليات زمن مضى، لكنها تأرجحت بنا بين الحاضر والماضي، وأطلقت أحاديثنا فأخرجت ما بخواطرنا، فتبادلنا الأفكار على مائدة الإفطار، أحداثا كنا أبطالها خاصة على شواطئ دبي حيث جمعت بيننا الفرجان التي اتسمت بتقارب الجيران.
وترابط الأواصر بينهم خاصة في رمضان حيث تراهم أسرة واحدة مترابطة مع بعضها، لا تقف جدران الطين حاجزاً بينهم، وهذا ما ينقصنا مع ما نراه اليوم حيث تفرق الجيران القدامى عن بعضهم ودخلت مستجدات ومفاهيم جديدة، وتابع: أتمنى أن يعي أبناء الجيل الحالي أهمية صلة الرحم والمثابرة على ديمومتها حتى لا تندثر هذه السمات المجتمعية الحميمة تحت طائلة التطور الذي وصلناه في جميع نواحي الحياة.
في السياق نفسه يلتقط خيط الحديث الوالد سويدان الميل الهاشمي قائلاً: للجلسات في رمضان متعة خاصة، حيث أنني من الحريصين على ارتياد المجالس والتعرف إلى ما أخذتنا إليه ظروف العصر من تطورات وذلك من خلال اللقاء الدائم والمباشر مع شباب هذا الجيل، واستحضر الجلسات قديماً تعتمد في المنازل، وعلى شواطئ البحر السيف، ونتبادل في جلسات السمر ما يزيح الهموم عنا ويزيلها، خاصة أننا كنا نرتاد البحر باستمرار ونتعرض في رحلاتنا وأسفارنا للمخاطر التي سلبت منا أحياناً أصدقاءنا، وفرضت علينا الحزن والأسى في سبيل البحث عن اللؤلؤ.
أما في مرحلة الطفولة، وفي هذا الوقت من رمضان كنا نستمتع بالسباحة في البحر بعد خروجنا من المسجد فجراً، وبعد أن تتشبع أجسادنا بمياه البحر المالحة نعود إلى المياه العذبة ونستحم بها حتى تتخلص أجسادنا من شوائب البحر. أما عن المواقف الجميلة التي أتذكرها من طفولتي فإن أجمل وأطرف المواقف حينما كنت مع أصدقائي صائماً، وقبل أن يبزغ نور الفجر كنا نحتفظ بالخبز وما تبقى من الطعام لنتناوله في فترة الظهيرة.
ونتوجس خيفة أن يرانا أحد بين أشجار النخيل حيث كنا لا نعي أهمية الصيام ونحن صغاراً ولكن ما أن جرت السنوات قليلاً حتى استوعبنا أهمية الصيام وأبى الصغير منا قبل الكبير تذوق الطعام في النهار، ولكنها كانت من أجمل اللحظات وأطرفها التي تستحضرني دائماً. ثم ذكر حالته الصحية اليوم بقوله:
أصبحت مقعداً لا أستطيع الحراك عن الكرسي، والسبب حادث تعرضت له منذ سنوات، مما حتم علي العجز عن الوقوف على قدمي، والبقاء على المقاعد من دون حراك في المجالس وحتى الصلاة، لذلك أناشد الشباب جميعهم، وأطلب منهم التماس النصيحة مني كي لا تغريهم السرعة في القيادة على الطرقات، ومن ثم الوقوع في مستنقع الأحزان جراء الوفاة أو العجز، مما يفرض على ذويهم الأسى والخسارة نتيجة قيادة أبنائهم المتهورة.
أمهاتنا و آباؤنا سبيلنا في البر والإحسان
كبار السن جزء لا يتجزأ من المجتمع، والمبادرات التي تقام من أجلهم ليست تعاطفاً معهم، بل رداً لجمائلهم التي بذلوها وتكريماً لجهود في خدمة الدولة وتربية الأجيال، وخاصة الجيل الماضي فهم الجيل المكافح وهم من عاش في الظروف الصعبة فلم يتجرع صعوبتها تلك الجيل الحالي.
كما تسعى هذه المبادرات لجمع أكبر عدد ممكن من المتطوعين ومن الجنسين، خاصة لأهمية احتكاكهم بخبرات كبار السن والاستماع إلى تجاربهم، والتعرف بكيفية عيش آبائنا وأجدادنا لحياتهم في الماضي، أيضا تكريس مفهوم المسؤولية الاجتماعية لدى الأفراد والمؤسسات لخلق نوع من التكاتف الاجتماعي.
أما عن مبادرة إفطار الشواب فهي جديدة بالنسبة لمؤسسة أكتوبيا، وكبداية طبقت في العام الحالي على مستوى إمارتي الشارقة ودبي ونأمل أن ترى النور في الأعوام القادمة، والبرامج التي تقدمها المؤسسة ضمن إطار المسؤولية تقوم على تأهيل المؤسسات الخاصة والحكومية والأفراد كل بدوره نحو المجتمع من خلال تلبية احتياجات البيئة والاهتمام بالمواهب بالإضافة إلى مختلف مجالات الحياة.
المرأة الإماراتية نموذج يحتذى به
حديث الوالدة ليلى عبدالله أم سالم التي كانت سعيدة بهذه المبادرة، وفتح المجال أمامها للتحدث أمام المتطوعات الشابات عن معاناتها فقد كابدت المشقة في طفولتها، لذلك أحبت أن توجه رسالة إلى بناتها من الجيل الحالي لتسترجع معهن الماضي حيث قالت:
كنا نواجه مشقة في مواجهة الظروف الصعبة جراء غياب الرجال عنا فترات طويلة في البحار، فكنا لا نتردد في بيع الخضروات في السوق واستبدالها بالأسماك في ديرة وشراء الأرز من سوق مرشد في دبي، حيث نحصد ما يمكننا بيعه من المزارع، وهذا مؤشر على وجود فروقات بين نساء ذلك الجيل والآن، لذلك يمكننا إعلان الأفعال والمواقف التي ثابرت فيها وعليها المرأة القديمة سابقاً، وكانت توازي ما يقدمه الرجال.
وليس تشكيكاً في أنوثتها وإنما تأكيدا على صلابتها ومشاركتها الفعلية في صنع الحياة يدا بيد هي والرجل غير مبالية بصعوبة فانخرطت في الاسواق لبيع ما جادت به الأرض بغية توفير الطعام لأبنائها، وأضافت: أتمنى تحذو بناتنا اليوم حذو أمهاتهن وجداتهن في مواجهة الصعاب وعدم التقاعس في العمل مهما كان شاقاً. وتحدثت عن وسائل التكييف قديماً في الإمارات قائلة: صُنعت البراجيل قديماً كوسيلة للتكييف الطبيعي، وانتشرت على نطاق واسع من المنطقة، أما الماء فكنا نستخرجه من البئر الطوي، ونتخذه مصدرا رئيسيا في كل منزل.
فوائد العمل التطوعي
العمل التطوعي لا يقوم على الربح، ولا على الكسب، ولا يرتبط بغاية مادية سواء كانت عاجلة أو آجلة، بل هو موسوعة كبيرة لاكتساب الخبرة، ولتدريب النفس على حب الخير ومساعدة الآخرين، كما أنها في غاية الأهمية من حيث كونها تشعر الفرد بقيمته كإنسان، يقوم بعمل مفيد، ومساعد للآخرين، كما أنها تحقق للمتطوع خبرة في تعامله مع مختلف شرائح المجتمع، ويشعر المتطوع بمكانة خاصة في المجتمع، وذلك لأنه يؤدي دورا مهما في خدمة من هم في حاجته رغبة منه وحباً لذلك، وليس تكليفاً من قبل أي شخص.
ويقول العبيدي أنا أفتخر بشباب الإمارات والمجموعات التطوعية الذين يأتون من مختلف إمارات الدولة للعمل التطوعي، فهم يعبرون عن أصالتهم، وعن حبهم للعمل التطوعي، وعن قيمتهم كأفراد في هذا المجتمع، وبالتالي، فهم يؤدون دورا مهما في بناء صرح المجتمع الإماراتي من جهة، وفي تحقيق الصالح العام من جهة أخرى.

