تعد المجالس في دولة الإمارات منبراً حراً لطرح المواضيع الجادة ومناقشتها بين المواطنين باعتبارها احد البرلمانات الشعبية المفتوحة التي تتيح الحديث حول الشؤون الاجتماعية والخدمية وغيرها من الظواهر والمشكلات التي قد يقوم المجلس إلى توفير الحلول والاقتراحات المناسبة لها، بجانب أنها تفتح ملفات القضايا ومناقشتها بين المواطن والمسؤول بعيداً عن المخاطبات الرسمية داخل الهيئات والمؤسسات الحكومية.
وتبلغ أهمية المجالس في تعليم العادات والتقاليد للجيل الحالي باعتبارها مركزاً يستقطب الكبار والصغار، إضافة إلى المزايا التي تتصف بها المجالس من خلال دعم التلاحم الأسري وإسهامها في توطيد العلاقات بين افراد المجتمع. "البيان" زارت مجلس عبدالله محمد السلامي رئيس دائرة الطيران المدني بالفجيرة- نائب رئيس هيئة الاتحاد المدني بالإمارات- في منطقة دبا، لتتعرف على ملامح القضايا التي يناقشها المجلس ومدى أهميتها لدى سكان المنطقة وأهل الإمارات.
تربية وتعليم
المحافظة على استمرار الجلسات التي تقام في المجلس سمة حافظ عليها محمد السلامي بعد وفاة والده رحمه الله، مشدداً على أهمية مثابرة الجيل الحالي على ارتياد المجالس للاطلاع على الأحداث والخفايا وعوامل الطفرة المجتمعية الحديثة، يقول محمد عبدالله السلامي:
تعلمنا من آبائنا وأجدادنا العادات والتقاليد في هذه المجالس، فأصبحت مدارس اجتماعية تعرض من خلالها تجارب كبار السن وأهل العلم، ليتعلم منهم أبناؤنا أصول الدين والمهارات الحياتية بمختلف أنواعها، وزرع حب التعاون مع الناس لتسود الأخلاق النبيلة وتنغرس الصفات والأخلاق الحميدة التي أوصى بها الله والرسول صلى الله عليه وسلم من احترام وحب الآخرين.
وتساهم هذه المجالس في التوجيه والارشاد نظراً للمؤثرات الدخيلة على مجتمعاتنا من عادات يتعرض لها الجيل الحالي، وهي تحيط بنا عبر وسائل الإعلام المختلفة. وأضاف محمد السلامي بأن المجلس أصبح (الميراث المتوارث) حيث حرص والده رحمه الله على فتح باب المجلس في رمضان وباقي أيام السنة وفتح مجال النقاش بين الناس جميعاً لطرح قضاياهم .
حيث كان والده عضوا في المجلس الوطني، وكان حريصاً على الاستماع إلى هموم أبناء المنطقة، وتقبله لوضع الحلول المناسبة وعرضها على الجهات المختصة، كما أكد على أن جده كان صاحب المجلس قبل والده، ويعتبر هو المؤسس الحقيقي للمجلس الحالي، فحرص على أن يظل مفتوحا يتوارثه الأولاد والأحفاد من جيل إلى آخر.
وأشار إلى أن النظام المتبع في المجالس اختلف عما عهدناه في السابق حيث أضفت عليه المتغيرات الحديثة نقلة نوعية في الشكل والمضمون شملت بعض المواضيع المختلفة، وطريقة طرحها عما كانت في السابق بسبب التغيرات التي طرأت على المنطقة من معطيات خاصة مع ما تفرضه الكثافة السكانية المتزايدة، مع حفاظها على الدور الأساسي الذي تقدمه من كونها نقطة التقاء تجمع بين الأقارب وأبناء المنطقة معاً.
مواقف رمضانية
ويتحدث علي إبراهيم الكعبي-موظف حكومي- عن قصته عندما ابتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية لغرض الدراسة ذاكراً المواقف الجميلة التي تعرض لها أثناء الدراسة، وقال: في رمضان زارني أحد أصحابي، وافتقد المأكولات الإماراتية التي تقدم على المائدة الرمضانية مما دفعني وإياه إلى إعداد (الهريس) فما كان منا سوى البحث عن المكونات الخاصة بإعداد هذه الوجبة.
ولكن باءت المحاولة بالفشل بعد أن فقدت أهم المكونات وهي الحَب أو القمح، مما أجبرنا على استبدال المكونات الرئيسية بعناصر أخرى استخدمنا فيها الشوفان. وتطرق في حديثه للمهام والأدوار التي يقوم بها المجلس، وتمكينه من خلق مساحات واسعة للتواصل مع شخصيات جديدة من خلال الزيارات التي يقوم به البعض لمجالس متعددة والتي في شأنها أن تخلق نوعاً من التآلف والتقارب وتدعم صلة الرحم لدى الأقارب.
مقارنة
أكد محمد القرش - مدير أعمال - بأنه عاصر مجلس السلامي على مدى 25 عاماً رأى خلالها التعاون المتبادل بين الناس، وحالة الحب التي تسود بينهم أثناء الجلسات التي تقام باستمرار في مجلس عبدالله السلامي رحمه الله مؤكداً على المبادرات التي كان يطلقها لمساعدة الناس في المجلس، ومساعدة المحتاج، محققا دور المجلس الاجتماعي الجاد، وليس الدور الهامشي المقتصر على تبادل القصص والحكايات والروايات فقط.
فائدة شخصية
من جانبه يؤكد سلطان أحمد المؤذن عضو المجلس الوطني السابق: على أن المجالس تستقطب ذوي الاختصاص من المسؤولين ورجال المنطقة، وتساعد على تبادل الخبرات فيما بينهم لعرض ومناقشة القضايا بسعة صدر من دون تحفظ أو غبن أو شعور بالانزعاج من طرح مشكلة لها أولوية النقاش من غيرها، في المؤسسة الحكومية ذات الشأن، مؤكداً على أن المجالس تعتبر موقعاً خصباً لتبادل وجهات النظر المختلفة.
وأكد المؤذن على أنه شخصيا استفاد من تجربة المجالس خلال عمله كعضو في المجلس الوطني سابقاً، وذلك في الحصول على حقائق امتازت بالمصداقية والشفافية العالية، وأكد قائلاً: بعض المسؤولين نعجز عن اللقاء بهم بسبب زحام المراجعين والجمهور في مكاتبهم، أما في المجلس نستطيع أن نتوسع بقدر أكبر في مناقشة المواضيع ذات الأهمية لاتساع المساحة من حيث المكان والوقت في المجلس، باستثناء بعض المسؤولين وإن كانوا قلة يطلبون إعفائهم من النقاش إن كان يتعلق بمؤسساتهم ووزارتهم، فيرفضون الحديث عنها في المجالس.
البرزة والعمل الرسمي
ويتفق مطر صالح الكعبي مدير بلدية دبا سابقاً في حديثه مع المؤذن من حيث الخدمة التي تؤديها المجالس في قضاء حاجات الناس وتذليل مصاعبهم، ووصف وظيفة المسؤول بأنها متواصلة وغير مرتبطة بساعات عمله الرسمي حيث تدخل ضمنها ساعات المجلس ليتمم وظيفته عن طريق تواصله المستمر مع المواطنين.
وأشار إلى أن المجالس في المناطق الساحلية كدبا كانت تقام على التربة القريبة من البحر (السيف) يتناول فيها الناس قضاياهم البسيطة حول الصيد والغوص وأهوال البحر التي مر بها البحارة خلال رحلات الغوص والتجارة إضافة إلى الحديث عن الزراعة، مشيراً إلى أن دبا هي إحدى المناطق الغنية بالثروات الزراعية، وكانت تسمى هذه الجلسات بـ(البرزة) قديماً ومازال البعض يسميها كذلك (البرزة) حتى اليوم، وأضاف: أصبحت البرزة تركز على هموم المواطن والصعوبات الحديثة والمعاصرة التي يواجهها من المسكن.
القروض وغلاء المعيشة وغيرها، كما أصبحت نافذة تنبعث منها الأفكار والحلول للقضايا المطروحة، ولا شك أن قضايا المجلس تختلف وتتجدد بناء على الظروف والأحداث المحيطة. وختم حديثه بأبيات شعرية تؤكد أهمية المقيظ في دبا: (بنقيض في دبا وبنشوف قيضها/ يا نوخذايه ماقدر أسوب/ الحبل قطع لي ايديه/ أذكر دبا ومويهة الدوب).

