المجلس القرآني هو من السلوكيات القديمة التي كانت منتشرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان يطلق عليها في السابق " الكتاتيب" وهي عبارة عن حلقات صغيرة لتعليم القرآن، تقام في المساجد غالباً أو في مجالس أصحاب العلم.

ويتلو المقرئ "المطوع" آيات الله القرآنية ليسمع أصوات الطلاب خلفه تردد ما قرأه. هذا الفعل الإيماني حافظ عليه الدكتور عارف الشيخ في مجلسه، وسبقه والده الذي أنشأ مجلساً لقراءة القرآن، ويعود تاريخه إلى عام 1979 والذي شيد في منطقة الراشدية بدبي، فيجد الدكتور عارف الشيخ نفسه قد اتبع نهج والده في المحافظة على استمرارية المجلس إلى يومنا هذا.

وقال الدكتور إن الهدف من إنشاء هذا المجلس استثمار ليالي رمضان في تلاوة القرآن، وذلك امتثالاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يحث أصحابه على الإكثار من قراءة القرآن والذكر في رمضان، بالإضافة إلى تعويد الأطفال على قراءة القرآن بإتقان والتي أصبح يفتقدها أبناؤنا اليوم بشكل كبير, حيث يتخرج الشباب من الجامعات والكليات والمعاهد وهم لا يجيدون قراءة القرآن، وأيضاً يحفظ هذا المجلس أولاده وأبناء الفريج من مغريات الحياة التي فرضت صعوبةً في تربية هذا الجيل.

ويشير الدكتور عارف الشيخ إلى أن رمضان اختلف عما كان عليه في السابق، حيث يقول: لو تحدثنا عن الصائم في الوقت الماضي لوجدنا أنه كان يخاف من بلع ريقه خشية إبطال صومه، والمرأة في الماضي عندما يجوز لها الإفطار بسبب العذر الشرعي تجدها مبتعدة عن الأكل والشراب حتى أذان المغرب احتراماً لمشاعر الصائم.

أما اليوم أصبح الصائمون بعضهم يهمون في السهر واللهو طوال الليل، وفي النهار ينامون حتى اذان المغرب دون الشعور بتعب وإنهاك الصيام، وبعضهم يسافر هروباً من الصوم في رمضان، ويعود السبب إلى بعدهم عن التمسك بكتاب الله عز وجل.

ومضى الدكتور عارف الشيخ في الحديث عن مجلسه الذي نقله إلى منطقة الخوانيج عندما انتقل إلى منزله الجديد، حيث يفتح المجلس أبوابه من بعد صلاة التراويح إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل، ويتعلم الطلاب الملتحقون من ثلاثة إلى أربعة أجزاء يتلوها بتجويد صحيح، ويتلو المقرئ في كل مرة حزب ليردد خلفه الطلاب واحدا تلو الآخر، وعند قراءة أحدهم ينصت الباقون من أجل الاستماع له ويصحح المقرئ إذا أخطأ أحدهم.

وفي حالة غياب المقرئ أو تأخره لأي أسباب كانت يترشح أفضل الطلاب في القراءة ليتلو على زملائه. ويختم القرآن في هذا المجلس من ثلاث إلى أربع مرات خلال شهر رمضان كما يحرص الدكتور عارف الشيخ بتواجد أبنائه في كل يوم لهذا المجلس.

مواظبة وتشجيع

ويضيف فؤاد أحمد العدلي ـ إمام مسجد ـ وهو من أقدم المقرئين في مجلس الدكتور عارف الشيخ، والمعروف عنه حبه الكبير لهذا المجلس ـ قائلا: بدأت في التردد عليه منذ سن مبكرة، وأصبحت زيارتي له في رمضان لا شعورية، حيث أجد نفسي في كل يوم من أيام رمضان في هذا المجلس، والذي زرع تمسكي به حرص الدكتور عارف الشيخ على إحياءه منذ زمن بعيد.

وأنا أفتخر بكوني أحد المقرئين لهذا المجلس الذي أحيا سلوكا شرعيا قديما ساهمت في توجيه العديد من أبناء الجيل الحالي توجيها صحيحا، من خلال غرس تعلم القرآن فيهم وتدريبهم على القراءة الصحيحة, وتحسين مخارج الحروف والنطق لديهم، وأنا أرى بأن يكون هناك المزيد من المجالس للتشجيع على التمسك بالقرآن ، واستغلال أوقات أبنائنا في ما يخدم مصلحتهم.

وأشار محمد أحمد الذي لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة عاما عن سعادته بهذا المجلس الذي بادر في المشاركة فيه منذ أيامه الأولى، ويقول: حرصت على أن ألتزم الحضور منذ وقت مبكر من كل يوم، حتى أقرأ الأجزاء التي سوف نتعلمها من المقرئ بعد حضوره لاسيما أني وجدت ترحيباً من الدكتور عارف الشيخ عند التحاقي، وحظيت بالكثير من الاهتمام الذي زاد من مواظبتي على الحضور. ويضيف: تعرفت على الكثير من الأصدقاء الجدد من خلال المجلس، وأصبحت أتنافس معهم في حفظ القرآن وقراءته بصحة عالية، كما أصبحت أقضي وقتي في رمضان بشيء مفيد يعود لي بالنفع.

وقال ناصر أحد أبناء الدكتور عارف الشيخ والذي يدخل في السابعة عشرة من عمره، إنه منذ سن مبكر وهو يحرص على مزاولة المجلس بشكل يومي، واستمد حرصه من والده الذي كان يجلس معهم في حلقاتهم التعليمية، والتثقيفية وكان يشدد عليهم بأهمية تعلم القرآن الكريم.

ويؤكد قائلاً: والدي يحرص دائما أن نستغل أوقاتنا في شيء ينفعنا في الدنيا والآخرة، ويشجعنا باستمرار على أن نتواجد في المجلس، ويفرحني أن أختم القرآن أربع مرات خلال شهر رمضان، ودائما يوصينا والدي أن نحافظ على المجلس سواء كان في حضوره أم غيابه، كما يجتمع في المجلس المقابل مجموعة من أهل العلم، وسمح لنا والدي بعد الانتهاء من المجلس القرآني أن نستفيد من الحوارات الهادفة التي تناقش حول قضايا المجتمع المتعددة، وحلمي في المستقبل أن أكمل مسيرة والدي في إحياء هذه العادة.

وعبر ماجد عمر عن اعتزازه بهذا المجلس الذي يفتح أبوابه لجميع الفئات العمرية، ولم يضع قيود أو شروط معينة من أجل الدخول إليه بل ترك المجال مفتوحا للراغبين في الالتحاق، وأن المعاملة التي يحصل عليها الطلاب في المجلس تساعد على تحفيز الأشحاص الآخرين للانضمام إليه، بالإضافة إلى التشجيع المستمر من قبل الدكتور عارف الشيخ وأهل بيته، وحرصه الدائم على تقديم الجوائز التحفيزية التي تترك أثرها الكبير في نفوس الطلاب.

كما خصص فسحتين في المجلس، الأولى بعد انتصاف جلستهم ليتناولوا من خلالها الوجبات الرمضانية الخفيفة التي يحرص الدكتور عارف على وجودها في موائده، والفسحة الثانية بعد انتهائهم من المجلس القرآني ليقدم لهم بعد ذلك وجبة السحور.