يتسم شهر رمضان المبارك بعبق الدفء الأسري، وتتميز سهراته ولياليه، بتقريبها العائلات من بعضها البعض، فموائد الإفطار وليالي السمر والسحور، تساهم في إعادة الحميمية إلى علاقاتنا الاجتماعية التي تصاب بالبرودة في كثير من الأحيان، بسبب إيقاع العصر الحديث.

ولأن الإمارات تفتتح أحضانها وتأوي عدداً كبيراً من أبناء الجاليات العربية والمسلمة، ولأن نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون على أرض الدولة، بعيدا عن ذويهم، فإنهم يشعرون بالشجن والحنين خلال أيام رمضان، غير أنهم يلجؤون إلى التكيف مع ظروفهم، بما يسمح لهم بأن يستمتعوا بشيء من الدفء الذي يخفف عنهم ألم ابتعادهم عن ذويهم.

فكيف يقضي هؤلاء أيام الشهر الكريم ولياليه؟

وهل يمارسون طقوساً خاصة للتغلب على شعورهم بالحنين وإضفاء شيء من الحميمية إلى حياتهم؟

وهل تناول الطعام في المطاعم والتوجه إلى الخيام الرمضانية يساهم في كسر رتابة الوحدة التي يشعر بها هؤلاء العزاب؟

تعاون وتكاتف

يقول حسن الصالحاني: أسعى في شهر رمضان إلى التغلب على الوحدة بتغيير نمط حياتي كلياً، فالحنين الذي يعتري نفسي إلى الجو العائلي، يدفعني إلى التقارب مع أصدقائي المغتربين في الإمارات، حيث نتجمع بعد أعمالنا يومياً، في منزل أحد الأصدقاء، ثم نبدأ تحضير مائدة الإفطار، على أن يقوم كل منا، بإعداد وجبة رئيسية من بلده يومياً، وهكذا تصبح وجبات الإفطار عامرة بالتنوع والتعدد.

ويضيف: من المشكلات التي كثيراً ما يواجهها العزاب، أن البعض يزعم معرفته بفنون الطبخ، خلافاً للحقيقة، وعندما يحين موعد تناول الطعام، نكتشف بأن ما تم تحضيره للإفطار، لا يصلح للاستخدام الآدمي على حد تعبيره، مما يضطرنا إلى التوجه إلى أحد المطاعم، غير أن السيف في معظم الحالات يكون قد سبق العزل، لأن المطاعم وقت الإفطار، تكون قد ازدحمت عن آخرها.

وهو الأمر الذي يجبرنا على تناول الإفطار بعد موعده بساعة على الأقل، مشيراً إلى أن مثل هذه المفارقات الطريفة، تخفف من حدة الشعور بالحنين إلى ذويهم في رمضان، وتصبح مادة للتندر وإطلاق النكات فيما بعد.

ويقول: ومما يخفف أيضاً من حدة الشعور بالغربة، أن زملاء العمل والأصدقاء، ممن يعيشون مع أسرهم، يحرصون على دعوة العزاب لتناول الإفطار معهم ومع أسرهم في رمضان، إلى درجة أننا نضطر أحياناً إلى الاعتذار عن عدد من الدعوات، لأن الجدول مزدحم بالكثير من المآدب.

ويحرص البعض في رمضان على القيام بالزيارات والنزهات في المساء حيث يقول مازن اورمي: في رمضان نحرص على زيارة الأقارب المتواجدين في الدولة، وزيارة أصدقائنا في بعض المناطق البعيدة، حيث نقوم أنا وما يقارب الأربعة من أصدقائي بالذهاب معاً إلى أصدقائنا في مختلف الإمارات.

وهكذا نروح عن أنفسنا ونزور كل إمارات الدولة، ونمضي الشهر الفضيل في أجواء الدفء الأسري، موضحاً أن هذه العادة السنوية تعيد تقوية العلاقات بين الأصدقاء، وتحقق الترابط والتلاحم بينهم، وتساهم في تفعيل التواصل الاجتماعي، وبعد الإفطار عادة ما يتجمع الأصدقاء فيصلون التراويح ومن ثم يتوجهون إلى احد المقاهي الشعبية أو الخيام الرمضانية، مما يجعل ليل رمضان ذات طبيعة خاصة.

ويقول: من الأمور الطيبة أننا نهتم خلال رمضان بتقريب وجهات النظر بين الأصدقاء في حال كانوا مختلفين وعقد الصلح بينهم إن كانوا متخاصمين، وهذه ميزة من مميزات الشهر الفضيل، حيث تسمو فيه النفوس وتترفع عن الصغائر. 

إفطار صائم

ويشير خالد خلف إلى أنه يتوجه وقت الإفطار إلى أحد المساجد القريبة من بيته، فيصلي المغرب، ثم يتناول الإفطار مع المصلين، وهو طقس يحرص عليه سنوياً، كون الأجواء الرمضانية تعزز الألفة مع المصلين، ويبقى بعد ذلك في المسجد حتى ينتهي من صلاة التراويح.

ويضيف: ليس لدي الوقت الكافي لإعداد الفطور، وتناول الطعام يومياً في المطاعم قد يشكل انهاكاً للميزانية، مما يجعل الإفطار ضمن مشروع إفطار صائم، من أفضل الخيارات، موضحاً أنه فيما مضى، كان يواجه صعوبة في تناول الفطور لأنني كنت أقطن بعيداً عن المطاعم والمحلات التجارية، أما الآن فلا يواجه هذه الظروف بعدما انتقل حديثاً إلى منطقة تتوفر فيها جميع المطاعم والخدمات الأخرى.

ويقول: يحدث في بعض الأحيان أن أشعر بالرغبة في تناول وجبة بعينها، فأتوجه إلى أحد المطاعم المتخصصة فيها، ومن ثم أتناولها، ومن الأشياء التي تعلمتها في الإمارات، هي أنني تعودت على مختلف أنواع الطعام، فلم أعد أستسيغ الطعام اللبناني أو المصري أو الخليجي فقط، وإنما كل أنواع الطعام، وهذا الأمر يرجع إلى التنوع في جنسيات المقيمين على أرض الدولة.

ويتابع: ولحسن الحظ أن هناك خيمة إفطار قريبة من بيتي، لذلك أتوجه أنا وأصدقائي قبيل الإفطار إليها، والحقيقة إن رمضان بعيدا عن الأسرة يكون صعبا، لذلك فقد كنت أحرص على أن أحصل على الإجازة السنوية خلال الشهر الفضيل، غير أن ظروف العمل هذه السنة حرمتني من هذا الأمر، ولولا أني أوجدت لنفسي أصدقاء أشاطرهم فرحة الإفطار يومياً، لكان الأمر أصعب بكثير.

ويقول: أعيش في الإمارات منذ سنوات، ولا أنكر بطبيعة الحال أن الحنين يراودني دائما لأهلي ووطني غير أن هذه الأرض الطيبة تحتضن الجميع، حيث لا يشعر أي فرد منا بالوحدة لأننا وكما نلاحظ في رمضان يتعاون أهالي كل منطقة في تقديم وجبات الإفطار في المساجد القريبة.

ونشعر بالارتياح عندما نتذوق الطعام ونرى بأن هناك وجه تشابه بين الطعام الذي اعتدنا على تناوله في منازلنا والذي تقدمه لنا هذه الأسر، لذلك ولله الحمد تتوفر لنا الوسائل الكثيرة في مقاومة هذه الصعوبات التي يواجهها أي فرد منا في رمضان.