قد تتحقق أحلامهن المادية في الغربة كما قد يتمكنّ من تطوير أنفسهن مهنيا وتكوين شبكة واسعة من المعارف والصداقات تعوضهن عن حنان أسرهن وتملأ حياتهن الاجتماعية بشكل عام، ولكنهن في شهر رمضان يتمنين العودة إلى أحضان العائلة لتذوق طعام أمهاتهن الشهي والاستمتاع بأجواء الشهر الحميمة.
حيث يقضين ساعات طويلة في العمل ويعدن إلى منازلهن مرهقات ومتعبات قبل موعد الإفطار بساعة، ومنهن من تعتمد على وجبات المطاعم السريعة لانعدام خبرتهن في الطهي ومنهن من تدخل المطبخ فقط في أيام الإجازات وتقوم بتحضير مائدة الفطور لبقية الصديقات والزميلات ذوات الخبرة المطبخية المتواضعة جدا.
لطالما تمنت الشابة الأردنية منى أحمد، 24 سنة، ترك عائلتها والسفر إلى دبي بحثا عن وظيفة مناسبة تمكنها من تحقيق أحلامها، وقد تحقق حلمها حين عملت في صالون تجميلي كمصففة شعر.
وقالت: أحن إلى عائلتي دائما ولكنني في شهر رمضان بالتحديد أشعر بمدى حاجتي لدفئهم واشتياقي للجلوس معهم حول مائدة الإفطار التي تحضرها والدتي وتزخر بما لذ وطاب، فأنا لا أجيد الطهي ولا أحب الوقوف في المطبخ كما أنني أعود إلى منزلي قبل موعد الإفطار بنصف ساعة وأحيانا أصل بعده بساعات نتيجة ازدحام الشوارع المؤدية إلى إمارة الشارقة، ولا أجد أمامي إلا الوجبات السريعة لسد جوعي.
وبينما كانت منى تتحدث عن معاناتها اليومية مع وجبة الإفطار واضطرارها لتناول وجبات الهمبرغر، قالت ضاحكة: أشعر بالغثيان بعد تناول تلك الوجبات السريعة ولكن ما باليد حيلة. وأضافت: لزميلاتي في العمل حياتهن الخاصة مع أزواجهن وأطفالهن ولا أستطيع فرض نفسي على مائدة إحداهن.
كما أن زميلاتي بالسكن لسن من النوع الاجتماعي الودود، وهذا العالم الكئيب الذي يعيش فيه الناس بعزلة عن بعضهم يؤجج في داخلي مشاعر الحنين إلى أهلي وأقاربي وصديقاتي.
وحول مصروفها في رمضان، قالت منى: لا أستطيع توفير خمسة دراهم في رمضان، لأن الصيام يفتح شهيتي على الأكل والتسوق والذهاب إلى السينما والكثير من الأمور الترفيهية المسلية.
ولا يختلف الحال كثيرا مع الشابة التونسية آمنة بوسيلمي، موظفة في محل ماكياج، التي يزداد إسرافها في خلال شهر الصيام المبارك، وقالت: التحكم بالمصروف خلال شهر رمضان معادلة صعبة للغاية، فأنا لست طاهية ماهرة مثل والدتي كما أنني لا أحب تناول سندويشات الهمبرغر والدجاج المقلي ووجبات الطعام الاقتصادية، بل أطلب بشكل يومي فور وصولي إلى المنزل وجبة الإفطار التي يصل سعرها إلى 45 درهما من مطعم متخصص في إعداد الأكلات التونسية، حتى أشعر على الأقل أنني لا أزال في بيت العائلة الكبير.
حنين
أما الشابة السودانية سلمى عيسى، 23 سنة، التي تدرس تخصص طب الأسنان في الفلبين، فتواجه مشكلات عديدة في الغربة خلال الشهر الكريم، أبرزها حنينها إلى سماع صوت الأذان، حيث تضطر إلى الصبر وتحمل الجوع والعطش الشديدين ومراقبة الشمس حتى تغرب تماما لتتمكن من الإفطار، وقالت: الدراسة في أفضل جامعات الفلبين ليست مكلفة مطلقا، كما أن نسبة الطلبة السودانيين هناك كبيرة وهذا ما شجع عائلتي المقيمة في دبي وحمسني للسفر إلى هناك.
واستطردت قائلة: ألجأ إلى الإنترنت لمعرفة مواقيت الصلاة كما أبذل مجهودا كبيرا خلال ساعات النهار الطويلة التي أظل فيها واقفة على قدمي في عيادة الأسنان الخاصة في الجامعة، لدرجة أن بعض زميلاتي الفلبينيات يدعونني لشرب الماء والإفطار ويعدنني بعدم إخبار أحد، ولكنني أرفض وأخبرهن أن الله يراني وأنه سوف يحاسبني.
وعن معاناتها مع مائدة الإفطار، أوضحت سلمى أنها تحولت إلى إنسانة نباتية في الفلبين، وقالت: أصل إلى منزلي قبل موعد الإفطار بساعة تقريبا، وغالبا ما أكتفي بتناول الشوربة والمعكرونة سريعة التحضير نودلز.
وفي حال اشتهيت الدجاج فإنني أذهب إلى مطاعم الوجبات السريعة، أما في عطلة نهاية الأسبوع فإنني أنضم إلى صديقاتي السودانيات، حيث نجتمع في بيت واحدة منا ونجمع المال لشراء المواد الغذائية التي نحتاجها وأنواع الخضار التي تلزمنا ومن ثم تتولى أمهرنا مسؤولية الطبخ من الألف إلى الياء.
وحول مواقفها الطريفة، قالت سلمى: أحببت ذات مرة أن أختبر قدراتي في المطبخ وأن أثبت لصديقاتي أنني طباخة ماهرة، فوجهت لهن دعوة على الإفطار ووعدتهن بأنهن سيتذوقن أشهى وألذ أكلة البامية مع الأرز والدجاج المقلي في حياتهن، ولكن مع اقتراب موعد الإفطار خرجت الأمور عن سيطرتي، حيث كانت المرقة تشبه أي شيء آخر إلا مرقة البامية، وما كان مني إلا أن قطعت لهن وعدا بعدم دخول المطبخ مرة أخرى.
وأضافت ضاحكة: تناولنا الطعام والدموع تسيل على خدودنا، فلا مجال للتراجع أو لتحضير شيء آخر.
وتفتقد سلمى أصناف الحلويات الشهية التي اعتادت على تناولها بعد الإفطار مع أفراد عائلتها، وقالت: أشتاق إلى القطايف وحلاوة الجبن والهريسة والبسبوسة، فمنذ أن سافرت إلى الفلبين قبل ثلاث سنوات لم أذق طعم تلك الأصناف اللذيذة لأنني لا أجيد تحضيرها ولا توجد حتى محلات تبيعها.
وقالت سلمى: أموت ببطء خلال شهر رمضان خاصة بعد الإفطار، حيث أجلس بمفردي أمام شاشة التلفاز وأشاهد البرامج والمسلسلات التي تبثها قناة دبي الفضائية وغالبا ما أجهش في البكاء لأنني بعيدة عن شقيقاتي ووالدي ومحرومة من أجواء رمضان الحميمة والحنونة.


