كان المسحراتي والى وقت قريب جزء من التراث العربي، يختلف بطريقته وأسلوبه من بلد إلى آخر، كما تختلف العبارات التي يرددها لإيقاظ الصائمين، وأول مسحراتي في التاريخ الإسلامي، كان بلال بن رباح وهو أول مؤذن في الإسلام، حيث كان يجوب الشوارع يوقظ الناس بصوته العذب، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول، (ن بلالا ينادي بالليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن كلثوم) .

وكان ابن كلثوم يتولى آذان الفجر، ومنذ ذلك التاريخ أصبح المسحراتي يجوب الشوارع والأحياء في الدول العربية والإسلامية، ولكن هل المسحراتي مازال حاضرا حتى اليوم، وهل ما زال صوته يسمع كما كان في السابق، أم ان المسحراتي أندثر من الساحة وغاب عنها، في ظل وجود الوسائل المتطورة من الإذاعات والفضائيات وانتشار المساجد في كل حي، وهل يمكن القول ان المسحراتي، غاب في بعض البلاد العربية والإسلامية، ومازال حاضرا في بعض الأحياء الشعبية التي مازال أهلها متمسكون بالمسحراتي كجزء من تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم، هنا نستطلع آراء بعض الأخوة المقيمين عن المسحراتي.

تقول منى محمد من الإمارات: عرفت الإمارات المسحراتي بشهرته المعروفة بـ (أبو طبيلة)، الذي كان يستعمل طبلة تعرف باسم (البازة) وينقر عليها بعصا رفيعة، يطوف البيوت ليوقظ الناس قبيل أذان الفجر، من أجل تناول السحور حتى يتمكنوا من صيام نهار اليوم التالي، قبل أذان الفجر بفترة كافية، أما العبارة التي كان يقولها هي (يا نايم الليل قوم أتسحر، قوم يا نايم قوم، قومك أحسن من نومك)، المسحراتي اليوم غاب عن الساحة، وأصبحت الوسائل الحديثة هي التي تقوم مكان المسحراتي، إلى جانب مدفع رمضان الذي ما زال حاضرا في كل إمارات الدولة، وهذا تقليد منذ مئات السنين ما زلنا نعتز به حتى اليوم.

وتضيف أميمه حسن من مصر: المسحراتي أشهر شخصية رمضانية في مصر، وغالبا ما يتجول في الأحياء وهو يردد عبارة، (يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة)، هذه الشخصية اختفت اليوم في معظم أحياء القاهرة، والقليل بقي منها في الأحياء الشعبية في المناطق الريفية، وما زال الأهالي يتمسكون بهذه العادات والتقاليد باعتبارها جزء من حياتهم التراثية.

ويشير أنور عبد الكريم من السعودية: العبارة التي كان يرددها المسحراتي قبل عشرات السنين هي، (اصحى يا نايم وحد الدايم، ربي قدرنا على الصيام) ودلالة هذه العبارة ليس في كلماتها، وإنما في قائلها الذي كان يلف الأحياء وهو يضرب بطبلته وعصاه، في وقت لم تكن الوسائل الحديثة قد ظهرت، لذلك اعتبر الكثير من الناس ان المسحراتي تقليد تراثي يجب الحفاظ عليه ولو رمزيا، وأتمنى أن نشاهده هذا العام ولو بالشكل الرمزي كما قلت.

عبد القادر محمد خليل من السودان: المسحراتي لم يختف من الأحياء الشعبية والمناطق الريفية، لسبب انه جزء من الحياة الاجتماعية في السودان، عندما كان يطرق أبواب الحي ومعه طفلا صغيرا يحمل الفانوس في يده، ودفتراً مسجلا فيه أسماء أهل الحي ينادي كل واحد باسمه، وإذا صادف ان أحدهم اسمه عبد الله، يقترب من بيته ويقول (يا عبد الله وحد الدايم ورمضان كريم).

ولكن العبارة التي أشتهر بها كثيرا هي، (أصحوا يا نايمين، أصحوا يا جيران، أصحوا يا ناس يا حلوين، أصحوا وأسحروا، وقولوا نوينا نصوم رمضان، أصحى يا نايم وحد الدايم)، هذه الطقوس اليوم تكاد تتلاشى من السودان ومن البلاد العربية والإسلامية، وأتمنى علينا نحن كسودانيين أن نحافظ عليها لأنها جزء مهم من التاريخ الإسلامي، وتعطي روحانية لشهر رمضان الذي اختفت معه الكثير من العادات الجميلة.