شقت الدعوة إلى تحويل مكتبة جمعة الماجد إلى وقف لا ينضب معينه المعرفي طريقها بقوة بين مداخلات مجموعة من المثقفين والمؤرخين شاركوا مساء أول من أمس في محاضرة نظمتها مكتبة جمال بن حويرب تحت عنوان( مكتبة جمعة الماجد التأسيس والانجازات)، وألقاها الدكتور بسام الداغستاني رئيس قسم الترميم في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، وذلك حفاظا على ما اعتبروه منجزا حضاريا لم يعد يخص دولة الإمارات فحسب.
وإنما العالمين العربي والاسلامي أيضا. حضر الندوة كل من الأديب عبد الغفار حسين وبلال البدور الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع والزميل علي عبيد رئيس قسم الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام، وسعيد النابودة الرئيس التنفيذي للمشاريع في هيئة دبي للثقافة والفنون (دبي للثقافة).
وقدم لها الشاعر جمال بن حويرب، وألقى الداغستاني فيها الضوء على ملامح من المحطات الرئيسية التي مرت بها مسيرة جمعة الماجد الشخصية والعامة وكيف تكونت اهتماماته بجمع واقتناء الكتاب وكيف ظهرت فكرة انشاء المكتبة والمركز الذي يحمل اسمه قبل أن تتشكل ملامح مشروعه الحضاري الذي بدأت بذرته باقتناء كتاب اقتناه جمعة الماجد في شبابه تحت عنوان (أشعار المسيحيين في الجاهلية) ونمت وشبت حتى باتت مؤسسة عملاقة لا يستقيم الحديث عن عالم الكتب والمخطوطات القديمة إلا بها.
مركز اشعاع
بداية، نوه بن حويرب إلى أن موضوع الندوة يدور حول رجل له أفضال وأعمال عظيمة يشهد لها التاريخ، موضحا أنه تعرف إلى هذا الرجل الجليل منذ صغره ، ولم يره طيلة حياته إلا انسانا جادا في أعمال الخير والإحسان.
وقال بن حويرب إن الماجد( أخبرني ذات مرة إن البعض يلومه على انفاقه الكبير على أعمال الخير والمعرفة، الأمر الذي لم يزده إلا حرصا على فعل الخير والتصاقا بالمعرفة، فعلٌ مخرجاته باتت معروفة للجميع بعد أن أسس الماجد العديد من المؤسسات المعرفية والخيرية ومن بينها كلية الدراسات الاسلامية والمكتبة والمركز).
وسرد بن حويرب قصة طريفة شهد مجرياتها قبل سنوات عديدة عندما طلب منه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي البحث عن كتاب لعالم أزهري ، بعد أن ذكره له الإمام محمد سيد الطنطاوي رحمه الله وهو كتاب قديم حول الاعجاز العلمي في القرآن الذي طبع في ثلاثينيات القرن الماضي في مطبعة الأزهر الشريف، ، فاتصل بالأزهر ولم يجده هناك ،واتصل بالعديد من المكتبات العريقة ولم يجده.
واتصل بمركز جمعة الماجد، فكانت المفاجأة عندما علم بأن الكتاب المنشود كان من بين مقتنيات المركز، مما يدل على أن هذا المركز بات يشكل ثروة قومية للدولة وللوطن العربي وللعالم الاسلامي.
بدوره، تحدث الدكتور بسام الداغستاني عن مناقب الرجل الجليل وقال إن ( الماجد رجل فاضل وقد أمضيت في العمل معه عشرين عاما، وقد عرفت الكثير من الرجال ولم أجد مثيلا له في حياتي، ولم أره غاضبا قط رغم تعرضنا لكثير من المواقف خارج الدولة، رجل يجمع بين الأخلاق والكرم والورع والإيمان، رجل خصه الله بروح الفرسان ويده للخير ممدودة).
واستعرض الداغستاني ملامح من مسيرة عمله مع الماجد موضحا أنه خلال العشرين عاما التي عمل خلالها في المركز أسس لمشاريع كثيرة داخل الدولة وخارجها، منوها إلى أن أعمال جمعة الماجد لا تعد ولا تحصى وأنها مشاريع تنوء عن حملها دول ومنظمات دولية، فالأموال والميزانيات التي ترصد لها هائلة، فضلا عن الماجد نفسه يتابع كل منها بأدق التفاصيل، فهو يتمتع بذاكرة وحضور كبيرين، على حد تعبير الداغستاني.
مشاريع
وأكد الداغستاني أن مشاريع المركز جاءت دائما استجابة لاحتياجات ملحة في العالمين العربي والاسلامي ولا سيما في ميدان المكتبات والمخطوطات، فبعد مرحلة التأسيس بدأت ملامح مشاريع الماجد الثقافية تظهر للعيان، وتشق طريقها إلى أرض الواقع في أماكن متعددة من العالم، وكان مستهل تلك المشاريع في ميدان المخطوطات والكتب النادرة إلى أن تبلور المشروع وأصبح المركز مرجعية لا غنى عنها في المنطقة والعالم، أما منارة هذه المشروع، فإنها تنطلق من مقولة للماجد نفسه يقول فيها:( أنا مسؤول عن كل كتاب في العالم)، الأمر الذي يحتاج إلى جيش وتمويل هائلين.
والماجد لم يبخل بشيء من هذا، فالمهم هو انقاذ التراث العربي والاسلامي، ولذلك توسعت أعمال المركز وانتشرت على بقعة كبيرة من العالم فكانت حاضرة ولها تأثير كبير في دول عديدة مثل مالي والجزائر وموريتانيا وفلسطين وباكستان وإيران وغيرها، حيث كان مبعوثو المركز يواجهون صعوبات جمة في مهامهم في تلك البلدان ولا سيما لجهة أن المخطوطات عادة ما تكون مبعثرة في أمكنة مختلفة وكثيرة.
فيما يتعلق بالملمح المتعلق بحصيلة مجموع مشاريع مركز الماجد، قال الداغستاني:( تمكنا من 1990 إلى 2011 من انقاذ نحو 200 ألف مخطوط قام المركز بتأمينها بالكادر البشري اللازم المقيم في كل دولة من تلك الدول، فضلا عن قيام المركز بتجهيز 45 مركزا في العالمين العربي والاسلامي مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل مركز من تلك المراكز.
فالماجد كما يقول الداغستاني يتمتع بانفتاح ذهني كبير وهو ليس متعصبا لعروبته ولا لإسلاميته ولا لأي موقف سياسي، ما أتاح تقديم العون لمختلف تلك المراكز في ميادين التدريب على ترميم المخطوطات. ويتمتع مركز جمعة الماجد بسمعة طيبة حول العالم.
وتفضل الكثير من المؤسسات العمل معه، فقد آثر أحد البطاركة في سوريا، على سبيل المثال، العمل مع المركز رغم وجود مشاريع أوروبية وأميركية على طاولته، بينما يتصدر مشروع تمبكتو في جمهورية مالي المشاريع التي يتصدى لها مركز الماجد حول العالم، حيث قام بتشييد بناء خاص بحفظ المخطوطات، وقد تم انقاذ 40000 من مجموع مائة ألف مخطوط موزعة على أكثر من 30 مكتبة خاصة هناك ولا سيما المخطوطات الأندلسية منها، حيث تم ارسال التجهيزات والكادر وكل ما يلزم، ولقد أعطى المشروع ثماره هناك، ما دفع سلطات لكسمبورغ، التي لها مشروع آخر في تمبكتو، إلى العمل مع مركز جمعة الماجد بصورة حصرية. أما المشروع الثاني الذي تصدى له مركز جمعة الماجد، فيقع في مدينة أخرى منسية في موريتانيا، مدينة تيشيت التي لا كهرباء فيها، لكنها تحتضن 10 آلاف مخطوط وتعترف بها منظمة اليونسكو جزءا من التراث الانساني.
وهي مدينة مقطوعة عن العالم ولا يتجاوز عدد ساكنها 1300 نسمة وفيها أربع أو خمس مكتبات، لكنها كانت مزدهرة في الماضي وتدل على ذلك وثيقة ذكرت أنه في القرن التاسع الهجري خرجت منها قافلة من خمسة آلاف جمل محملة بكافة أنواع البضائع وهذا من أسباب وجود هذه الكثرة من المخطوطات فيها ، وقد توصل مركز الماجد إلى نوع من التفاهم مع اليونسكو وشيد هناك مركزا مساحته 100 متر مربع وقام بتجهيزه وتدريب عدد من سكان المدينة على تصوير وحفظ وتخزين المخطوطات. ومن المشاريع الأخرى التي أنجزها مركز جمعة الماجد مشروع في طاجاكستان حيث تم انشاء معملا متكاملا، بينما تنتشر مراكز أخرى في دول عديدة ، فضلا عن أن منظمة اليونسكو شكلت لجنة من خمس جهات عالمية إحداها هي مركز جمعة الماجد، الذي بات يملك 300 ألف مخطوطا مصورا وعشرة آلاف مخطوط أصلي. أما عن البدايات ومرحلة التأسيس، فقال الداغستاني إن الماجد محب للكتاب منذ نعومة أظفاره ، في حين بدأت تتجلى معالم مشروع المكتبة عام 1988، لكن الانطلاقة الرسمية كانت عام 1992 حين تم اشهار المركز ومكتبة جمعة الماجد لإحياء التراث، وتلك المكتبة الأولى تطورت وكبرت على المكان في بيت الماجد، فنقلها إلى مكاتبه، فصارت بحاجة إلى كادر لم يتجاوز عدده في عام 1992 ثمانية أشخاص.
بيد أن ما عزز مكانة المكتبة محليا وعربيا وعالميا هو عملية اقتناء المكتبات الخاصة، التي بدأت قبل إشهار المكتبة بشكل رسمي وهي عملية جاءت استجابة لحاجة الباحثين والدارسين والمهتمين، فشملت تلك العملية مكتبات من الإمارات وسوريا ومصر والعراق، ومن بينها مكتبة الشاعر حمد بوشهاب والشاعر محمد شريف الشيباني والشيخ عبد الرحمن بن حافظ من الإمارات ، وكذلك مكتبة شاكر الفحام وشكري فيصل وفتحي الزهيري من سوريا، ومكتبة بسيم الحصني بخزائنها التي تحتوي على 40 ألف كتاب من مصر إلى أن بلغ عدد المكتبات الخاصة التي اقتناها المركز 90 مكتبة تفاوتت أحجامها من الصغيرة إلى الكبيرة وهي موجودة حاليا كما كانت عند أصحابها .
وقد امتدت عمليات الاقتناء إلى مكتبات العديد من العلماء، حيث تجري عملية صيانة وترميم وتنظيم لها فضلا عن كتابة سيرة لكل منهم في حين تبقى وقفا باسم صاحبها رغم أن الماجد يدفع ثمنها بغية الحفاظ على اسم ومكانة كل من أولئك العلماء، علما بأن، هذا النوع من الكتب مطلوب إلى حد كبير لأنه يحتوي على أمهات الكتب القديمة ولا سيما الطبعات الأولى منها، لا بل إن بعض المكتبات تحتوي على الطبعة الأولى والثانية والثالثة من كتاب ما مثلما هو الحال بالنسبة لكتبة بسيم الحصني، كما تأتي أهمية هذه المكتبات من الحواشي التي كان يكتبها أصحاب الكتب على كتبهم.
مأسسة
في المداخلات التي أعقبت المحاضرة، دعا الأديب عبد الغفار حسين إلى إنشاء صندوق وقفي له ريع مستمر من أسهم وأملاك لتأمين سير عمل المركز والاستفادة من تجربة مؤسسة سلطان العويس في هذا الميدان، معربا عن قلقه على مستقبل هذا الصرح المعرفي الكبير، وقال إن( هذا المركز لم يعد ملكا لشخص، فالماجد هو مؤسس هذا الصرح، لكنه أصبح ملك الأمة والوجه الحضاري للإمارات والعرب جميعا)، مثلما أصبح ملكا للأجيال القادمة.
وكشف عبد الغفار حسن عن أنه أعرب أمام الماجد نفسه عن هذا القلق وأنه شاركه القلق نفسه وقال إنه بصدد القيام بمشروع لتأمين مستقبل المركز وقد ناقش الموضوع مع عدد من المثقفين الإماراتيين. ونوه الكاتب الإماراتي إلى تجارب سابقة في هذا الميدان مثل مدرسة الأحمدية ومدرسة الفلاح .
وشدد على ضرورة أن تصل هذه الرسالة إلى جمعة الماجد وقال:( نحن نطلب منه أن يولى هذا الموضوع اهتماما خاصا وأن يحذو حذو مؤسسة سلطان العويس)، التي أصبحت تمثل وجها من الوجوه الحضارية للإمارات بعد أن حصل على جائزتها أكثر من 60 كاتبا عربيا بعيد عن أي اعتبارات سياسية، وأضاف :( سلطان العويس أنجز مشروعه وأنا رافقته اثناء ذلك وتحاورنا حوله وأصبح المشروع مشروعا قوميا).
ودعا بلال البدور إلى تأسيس مجلس أمناء لإدارة مشروع مركز جمعة الماجد يكون له شخصية اعتبارية مستقلة ونوه إلى أن ندوة الثقافة والعلوم تصطحب كل زائر لها إلى مركز جمعة الماجد، وعن حرص الماجد على استقبال أي ضيف وكذلك حرصه على اقتناء المخطوطات والمكتبات الخاصة.
