يحرص الفنانون على أداء العبادات من صيام وصلاة وقراءة للقرآن الكريم وقراءة الأذكار وصلوات التراويح، والكثير منهم يؤجلون بعض أعمالهم إلى ما بعد هذا الشهر الفضيل حتى لا يفسدوا مناسكهم الدينية. فلكل منا عاداته الخاصة وطقوسه التي تميزه خلال الشهر الكريم، والتي تختلف عن سائر الشهور، كما أنه لكل منا ذكرياته التي لا تنسى مع رمضان.

غير أن الفنان المسرحي والباحث في التراث « د. سعيد الحداد » يؤكد أن رمضان كباقي أشهر السنة إن كان المرء متمسكاً بطاعاته وعباداته التي تدل عليه كشخص ملتزم ومخلص لربه وحياته يومياً. فهو يقضي رمضان مع أسرته، ويجلس يومياً حول مائدة الإفطار ثم يطالع البرامج الفكرية والثقافية مع متابعة السهر إن تضمنت قائمة يومه الأحاديث المفيدة الخاصة بهذه المناسبة. فهو في هدنة مع النفس حالياً من الأعمال والبرامج.

شخصيته وبداياته
بداية، يعد « د. سعيد الحداد » إنساناً عفوياً وبسيطاً جداً، وشخصيته بقيت مرتبطة بجذورها، متمسكة بهويتها. وهو القادم إلى الوسط المسرحي من مجتمع محافظ. شكلت الكتابة المسرحية في بدايته، وتحديداً في عام 1979، منعطفاً أساسياً لتجربته الفنية من خلال تأسيس حركة مسرحية وإنشاء مقر للمسرح في كلباء بقيادة كل من (الدكتور سليمان عبدالله سرحان الزعابي والدكتور محمد بن هويدي والزميل عيسى مسعود). يعترف بأنه «فنان فوق العادة»، ينتقد نفسه قبل أن ينتقده الآخرون. فقد توقف عن الجري وراء حلم لطيف على أرض الواقع الصعب في عزلة مؤقتة مع كتاباته ودربه الأكاديمي، ما شكل لديه منعطفات إبداعية أخرى لولادة سعيد الحداد من جديد - على حد وصفه - عبر تقديم برامج إذاعية وتلفزيونية تراثية وفكرية هادفة.
علاقته قديمة مع الفن المسرحي تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً، بدأ مشواره الإبداعي كمسرحي، الأمر الذي ألهمه إلى مجالات الكتابة والتأليف والبحث في التراث. عمل كمؤسس للمسرح فترة طويلة، ورئيس لمجلس إدارة جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح حتى عام 2008. ويعمل حالياً رئيس قسم التراث في معهد الشارقة للتراث - كلباء. فهو حاصل على شهادة الماجستير في التاريخ القديم. كما ونال شهادة الدكتواره في «المراكز الحضارية بدولة الإمارات العربية المتحدة من العصور الحجرية حتى نهاية العصر الحديث».

رمضان الحاضر
يمضي شهر رمضان مستمتعاً بدفء الأسرة، وكرم الضيافة، حيث تنتعش الروح بذكريات الطفولة وسط عبق الماضي خلف أسوار مدينة كلباء التاريخية. «سعيد الحداد» لا يتغير إيقاع برنامجه اليومي عن سائر الأيام الأخرى، يقول إنه لا يسهر كثيراً، بل ينام باكراً، ليستيقظ باكراً. ويحرص على الصلاة، كأول لقاء له مع ربه في الصباح، حمداً وشكراً له على منحه نعمة الحياة في يوم جديد. بعد أدائه لفريضة الصلاة، ينصرف إلى سماع ما تيسر من القرآن الكريم، قبل البحث عن آخر الأخبار في الجرائد المحلية والذهاب إلى العمل.
وأكد أنه لا يمارس طقوساً خاصة أو يخصص فترة محددة لممارسة رياضة مفضلة أو قضاء بعض الوقت في هواية أو شي معين. وليست له أطباق مفضلة، وإن كان يحبذ وجود مأكولات شعبية كـ «الثريد، والهريس واللقيمات» كسائر المنازل الإماراتية التي تزخر بهذه الأكلات المحببة. وإنما يترك الأمر كما يمليه عليه اليوم وفقاً لطبيعته على اعتبار أنه مرن وبسيط في كل أمر من أمور حياته.
يعشق «الحداد» البقاء في البيت بعد الفطور، ويعتبر مسكنه واحته الظليلة، وحديقته السرية، ويصف نفسه بأنه «بيوتي» جداً، وإن كان يغادر عتبة باب الدار إلى الخارج إذا كان لديه برنامج خاص، أو زيارة عائلية أو اجتماعية لأحد الأقارب والأصدقاء الذين لا يتمكن من الاجتماع بهم في الأيام العادية، ويحاول أيضاً تلبية دعوات الإفطار من بعض الأصدقاء المقربين منه، وفي أحيان كثيرة يحلون ضيوفاً على مائدته.
ويشكل شهر رمضان بالنسبة إليه أحسن فترة، كما يقول، حيث يقضيه في القراءة ومشاهدة البرامج الفكرية والثقافية، وإن لم يكن هناك ما يشغل قريحته أو يثيرها، فإنه ينزوي إلى روحانيته، التي يعتبرها فرصة للجلوس إلى الذات، ومراجعة المسار، وتقييم التجربة، والإنصات للروح، وخصوصاً في هذه الأيام الفاضلة التي لا تتكرر.

ذكريات حلوة
ومن ذكرياته في رمضان، يقول: «لي ذكريات حلوة وعادات جميلة كلها دفء لا يمكن أن أنساها أبداً، واسالوا أهلي عما كنت أفعله بوالدتي من شقاوتي معها وأنا طفل أثناء إعدادها للطعام قبل الإفطار و«الكذب الأبيض في تناول الماء أثناء الصيام»، وإلى الكثير من المقالب والأعمال الشيطانية التي لم تكن تنتهي، فكنت أستمتع باللعب مع أصدقائي الصغار أبناء الحي الذي كنا نقطن به دون أي مشاكل أو هموم. نلتقي فوراً بعد الإفطار ونظل نلعب ونلهو حتى السحور، كانت أياماً حلوة وأشعر بالاشتياق إليها لأن كثرة العمل والارتباطات حرمتني كثيراً من الاستمتاع بأشياء عديدة كنت أستمتع بها من قبل وفي مقدمتها «اللمة» مع الأحباب والجيران، وهو ما لم أعد أستمتع به الآن، في حين لم يعد لرمضان طعم بحلاوة «أيام أول».
مواقف صعبة
في عام 2013 تزامن شهر رمضان مع مناقشته رسالة الدكتواره، حيث قضى الشهر الفضيل كاملاً في مصر العربية. مؤكداً أنها من أصعب المواقف التي واجهته متجلية في خوفه الشديد من الفشل وعدم تجاوزه، الذي كان أكبر هماً من إحساسه بإرهاق الصيام من الجوع والعطش، غير أن نجاحه وحصوله على مرتبة الشرف يؤكد ما للشهر الكريم من فضل وبركة لا يوازيه شيء آخر. كما أن رمضان في مصر الحبيبة مميز للغاية، ولم يشعر حينها بالغربة وكأنه في بلده، وهو سعيد بما حققه الشعب المصري البطل مؤخراً، متمنياً عودة الخير والأيام الجميلة لكل ربوع مصر إن شاء الله.
